محمد سلماوي يفتح كتاب (يوم المسرح المصري).. حين تصبح الخشبة (ضمير الأمة)!

كتبت: سما أحمد
عندما تفتح الستارة (يوم المسرح المصري) لا تبدأ الحكاية فقط.. أحيانًا يبدأ معها تاريخ كامل، وعندما يقف ممثل على خشبة المسرح، فهو لا يؤدي دورًا وحسب، وإنما يقف في مواجهة جمهور جاء ليسمع ويرى ويتأمل، وربما يغادر القاعة وهو يحمل سؤالًا لم يكن قد فكر فيه من قبل.
ومن هنا تأتي خصوصية الاحتفال بـ (يوم المسرح المصري) هذا العام، الذي اختار أن يبدأ حكايته بصوت واحد من أهم الأصوات الثقافية المصرية، الكاتب الكبير محمد سلماوي، الذي يكتب ويُلقي كلمته احتفاءً بالمسرح، وتكريمًا لتاريخه، واستعادةً لدوره في تشكيل الوعي المصري.
في تمام التاسعة مساء غد السبت، 5 سبتمبر 2026، وعلى مسرح معهد الموسيقى العربية برمسيس، التابع لدار الأوبرا المصرية، يلتقي المسرح بتاريخه في احتفالية ينظمها المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، التابع لقطاع المسرح، بالتعاون مع مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثالثة والثلاثين.
لكن اللافت أن كلمة سلماوي لن تكون مجرد كلمة تُقال وتنتهي بانتهاء الاحتفالية، وإنما ستتحول إلى صوت افتتاح موحد للمناسبة؛ إذ تُلقى وتُذاع قبل بدء جميع العروض المسرحية التي تُقام على مسارح القاهرة والمحافظات في ذلك اليوم، وكأن المسرح المصري، بكل خشباته ومسارحه، سيتحدث بصوت واحد.
محمد سلماوي لم يتعامل مع (يوم المسرح المصري) باعتباره مناسبة احتفالية عابرة، وإنما عاد إلى الجذور، إلى اللحظة التي بدأ فيها المسرح المصري الحديث في القرن التاسع عشر.
ومن يعقوب صنوع ورواد المسرح الأوائل، يستعيد سلماوي صورة خشبة لم تكن مجرد مكان للحكايات، وإنما كانت، كما يقول، (منبرًا للعقل، ونافذة على المستقبل)، وهنا تكمن الحكاية، فالمسرح المصري لم يكتفِ منذ بداياته بإمتاع الجمهور، وإنما حاول أن يوقظ وعيه.

الاقتراب من الأسئلة الصعبة
الضحكة لم تكن دائمًا للترفيه.. فقد تكون فعل مقاومة، والكلمة لم تكن مجرد حوار بين شخصيات.. فقد تكون شرارة توقظ وعيًا غافيًا، ولهذا يرى سلماوي أن المسرح المصري ظل، في لحظاته المضيئة، (ضميرًا للأمة، ومرآة للمجتمع، وسؤالًا دائمًا للسلطة والواقع والإنسان)، وهى جملة تختصر تاريخًا طويلًا من المسرح الذي لم يخشَ الاقتراب من الأسئلة الصعبة.
وعندما يصل سلماوي في كلمته إلى الستينيات، فإنه يتوقف أمام واحدة من أهم مراحل المسرح المصري، تلك الفترة التي تحولت فيها الخشبة إلى أداة حقيقية لتشكيل الوعي الجماهيري، ومساحة مفتوحة لمناقشة قضايا المجتمع الكبرى.
العدالة الاجتماعية.. الحرية.. الحلم القومي.. كانت الأسئلة كبيرة، وكان المسرح حاضرًا، لكن المسرح، بحسب رؤية سلماوي، لم يتوقف عند مرحلة واحدة، فمع التحولات التي صاحبت سياسة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، تغيرت طبيعة الأسئلة.
لم يعد المسرح يكتفي بالتبشير بالحلم القومي، وإنما بدأ ينظر إلى الواقع الجديد بعين أكثر نقدًا، ويحذر من التحولات الاجتماعية والنفعية التي بدأت تفرض نفسها على المجتمع.
ثم جاء مطلع التسعينيات، وجاء معه تحدٍ من نوع آخر.. تصاعد التطرف الديني والإرهاب، وكان المسرح مرة أخرى في مقدمة المواجهة، وهنا تبدو قيمة المسرح الحقيقية؛ أنه لا ينتظر أن تصبح الأزمة تاريخًا حتى يتحدث عنها، وإنما يدخل إلى قلبها وهي لا تزال حاضرة.
المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، يرى أن اختيار محمد سلماوي لكتابة وإلقاء كلمة (يوم المسرح المصري) يأتي تقديرًا لمكانته ودوره في الحركة الثقافية والمسرحية المصرية، لكن الأهم أن حسان يرى في الكلمة رؤية تتجاوز الاحتفال بالماضي، لتؤكد الرسالة التنويرية التي حملها المسرح المصري عبر عقود.
فالمناسبة بالنسبة إليه ليست مجرد استعادة للذاكرة، وإنما فرصة لتكريم رموز المسرح، والتأكيد على أن الخشبة لا تزال قادرة على التعبير عن قضايا المجتمع، وصناعة الوعي، والارتقاء بالذائقة الفنية والفكرية.

استعادة تاريخ المسرح
وهنا يأتي التعاون مع مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ليضيف بعدًا آخر للمناسبة، يجمع بين الماضي والمستقبل؛ بين استعادة تاريخ المسرح والنظر إلى ما يمكن أن يكون عليه غدًا.
المسرح لا يغير العالم بالصخب.. ربما تكون أكثر جمل سلماوي دلالة تلك التي يقول فيها: (إن المسرح لا يغير العالم بالصخب، بل بما يزرعه في الوجدان من قدرة على التفكير، وفي العقل من شجاعة السؤال، وفي الروح من إحساس بالجمال والحق).. وهنا يخرج المسرح من حدود الخشبة.
فالتغيير الحقيقي لا يحدث دائمًا بالصوت المرتفع، وإنما قد يبدأ من سؤال صغير يظل عالقًا في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض.. قد يشاهد الإنسان مسرحية لمدة ساعتين، لكنه يخرج منها بفكرة تعيش معه سنوات.. وقد يضحك على مشهد، ثم يكتشف بعد لحظة أنه كان يضحك على مأساة اجتماعية.. وقد يرى نفسه في شخصية لم يكن يتوقع يومًا أن تشبهه.. وهنا تتجلى قوة المسرح.
في كلمته، يضع سلماوي يده على جوهر الرسالة التي يمكن أن يحملها المسرح في أي زمن، يقول إن المسرح يحثنا (على أن نرى ما لا نراه، وأن نتساءل حول ما نظنه يقينًا، وأن نكتشف في الآخر إنسانيتنا المشتركة)، وهذه ليست مجرد عبارات جميلة، وإنما يمكن اعتبارها تعريفًا لوظيفة المسرح في المجتمع.
المسرح الجاد لا يخبرك دائمًا ماذا تفكر، لكنه يجعلك تفكر.. لا يمنحك الإجابة جاهزة، لكنه يزرع فيك الرغبة في السؤال، ولا يجعلك تنظر إلى الآخر باعتباره غريبًا دائمًا، وإنما قد يجعلك تكتشف أنه يشبهك أكثر مما تتصور.
يوم واحد.. وذاكرة عقود، ولأن المناسبة ليست مجرد احتفال في مكان واحد، فقد جاء القرار بإذاعة وإلقاء كلمة محمد سلماوي قبل العروض المسرحية في مختلف أنحاء القاهرة والمحافظات، وهكذا تصبح المسارح المصرية، في هذا اليوم، على موعد مع كلمة واحدة، لكنها تصدر من ذاكرة طويلة.
من يعقوب صنوع ورواد البدايات، إلى أجيال الستينيات، إلى مواجهة تحديات الانفتاح، ثم مواجهة الإرهاب والتطرف، وصولًا إلى المسرح الذي يحاول اليوم أن يجد لنفسه مكانًا في عالم شديد السرعة، وكأن الرسالة تقول إن المسرح تغيرت أشكاله، لكن جوهره لم يتغير.
اختيار محمد سلماوي ليس أمرًا عابرًا.. فهو كاتب ارتبط اسمه بالحركة الثقافية والمسرحية المصرية، ويعرف أن الكلمة يمكن أن تكون وثيقة، وأن الاحتفال بالفن لا يكتمل من دون قراءة ما وراء الفن، ولذلك تأتي كلمته في (يوم المسرح المصري) أقرب إلى شهادة من داخل الذاكرة، لا مجرد كلمة احتفالية.

استعادة معنى الخشبة
إنها محاولة لاستعادة معنى الخشبة في زمن أصبحت فيه وسائل الصورة كثيرة، وسريعة، ومزدحمة، بينما يظل المسرح قائمًا على علاقة شديدة الخصوصية بين الممثل والجمهور.. لا شاشة تفصل بينهما.. لا تسجيل يمكن إعادته.. لا فرصة ثانية للمشهد.. كل شيء يحدث الآن.. أمامك.. وفي اللحظة نفسها.. وتبقى الخشبة
في نهاية كلمته، يوجه سلماوي تحية إلى خشبة المسرح، وإلى كل من وقف عليها مؤمنًا بأن الفن ليس ترفًا، ويقول: (فليظل المسرح المصري منارة للعقل، وذاكرة للوجدان، وصوتًا للإنسان)، وربما هذه هي الجملة التي يمكن أن تلخص حكاية يوم المسرح المصري كله.
فالمسرح ليس مجرد ستارة تفتح ثم تغلق، وليس مجرد ممثل يؤدي دوره ثم ينحني لتحية الجمهور.. إنه ذاكرة بلد، ومكان اجتمعت فيه أجيال كاملة لتضحك وتبكي وتختلف وتفكر.. ولهذا، عندما تُلقى كلمة محمد سلماوي في التاسعة مساء 5 سبتمبر، لن تكون الكلمات موجهة فقط إلى جمهور يجلس داخل مسرح معهد الموسيقى العربية.
إنها ستصل إلى خشبات أخرى في القاهرة والمحافظات، وإلى ممثلين ومخرجين وكتاب وفنيين يقفون في اللحظة نفسها أمام جمهورهم.. كلمة واحدة.. لخشبات كثيرة.. وذاكرة واحدة اسمها: المسرح المصري.
وحين تضاء الخشبة من جديد، ربما يكون السؤال الأجمل ليس: ماذا سيقدم المسرح لنا؟، وإنما: ماذا يمكن أن يوقظ فينا هذه المرة؟