علا السنجري تكتب: (سيمون).. ابنة الضوء الهادئ



بقلم الناقدة: علا السنجري
بعض الفنانين يشبهون الألعاب النارية؛ يملؤون السماء ضجيجًا ثم ينطفئون سريعًا. وبعضهم يشبهون مصباحًا صغيرًا في نافذة بعيدة، لا يلفت الأنظار كثيرًا، لكنه يبقى مضيئًا في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات.. هكذا أرى (سيمون).
لم تكن (سيمون) يومًا من هواة الصراخ الفني، ولم تسعَ إلى خطف الأضواء بقدر ما سعت إلى أن تترك أثرًا يشبه الهمس الجميل في روح من يستمع إليها، كانت تدخل إلى القلوب من بابها الهادئ، كأغنية تأتي في الوقت المناسب تمامًا، أو كابتسامة تعبر وجه يوم متعب.
حين كانت تغني (سيمون) لم يكن الصوت وحده هو ما يصل إلينا، بل كانت تصل تلك الروح الشفافة المختبئة خلف الكلمات.. كانت تبدو وكأنها تؤمن بما تغنيه، ولذلك صدقها الناس. فالصدق، في النهاية، هو الموهبة التي لا يعلو عليها شيء.
أما حضورها على الشاشة، فكان يشبه حضور إنسانة نعرفها منذ زمن طويل؛ لا تتكلف، لا تتزين بالمبالغة، ولا ترتدي أقنعة النجومية الثقيلة.. كانت قريبة من المشاهد إلى حد يجعلنا نشعر أنها فرد من العائلة، أو صديقة قديمة تطل علينا من نافذة الذكريات.

الجميلة والمثيرة والرقيقة والماجنة
وهنا أتحدث عن زمن (سيمون) الجميلة والمثيرة والرقيقة والماجنة والضعيفة والخجولة.. القادرة وصاحبة الوش المكشوف.. (سيمون) الرقة والإغواء.. (سيمون) الحواجب العريضة والشعر الهايش والميني جيب الذي لا يحكم المجتمع على من ترتديه بقلة الأدب، سيمون جميلة جميلات الشباب صاحبة (تا تا تا تا تاكسي) والغمزة محطمة القلوب في فيلم (آيس كريم في جليم).
يذكرنا (أيس كريم في جليم) بشبابنا، بالسنوات التي ولدنا ونشأنا فيها، بشوارع القاهرة والإسكندرية قبل أن تتدهور بفعل الإهمال وترهل السلطة، قبل أن تصبح مدنا قبيحة غير صالحة للحياة كما هى الآن.
كما يذكرنا (آيس كريم في جليم) بعالم أبسط من عالمنا، عالم أقل تعقيداً يسوده الكاسيت وأشرطة الفيديو ونظرة سطحية ساذجة للغرب تراه الحل أو الأزمة، يذكرنا بمراهقتنا وبدايات التمرد وترديدنا في حماس لأغنية (هتمرد عالوضع الحالي) مع عمرو دياب أيام كان يهتم بالكلمة المعبرة عن الشارع المصري.
ويعد فيلم أيس كريم في جليم أحد أبرز الأفلام الغنائية العربية وعُرض عام 1922، وشارك في بطولته العديد من النجوم منهم عمرو دياب، وأشرف عبد الباقي وحسين الإمام وجيهان فاضل وعلى حسنين وعزت أبو عوف، ومن تأليف محمد المنسي قنديل وحوار مدحت العدل، وإخراج خيري بشارة.
وتدور أحداث فيلم أيس كريم في جليم حول سيف الذي يعمل في نادي فيديو، ويحلم بأن يكون مطربًا ويؤسس فرقة مع مجموعة من أصدقائه يتشاركون الحلم سويا ويريدون التعبير عن جيلهم.
وقدمت النجمة (سيمون) في فيلم (أيس كريم في جليم) دور فتاة تدعى (بدرية)، التي ترتبط بعلاقة عاطفية مع (سيف) أو عمرو دياب، لكن قصة الحب لا يكتب لها النجاح إذ تنشغل بدرية برجل أعمال ثري يغريها بالمال والهدايا.

احتراقاً رمزياً للكرامة التي دُنست
وهى (لمياء) في فيلم (يوم مر ويوم حلو) حيث تبرز شخصية (لمياء) التي جسدتها (سيمون) كأحد أعقد الخطوط الدرامية في الفيلم، حيث تحولت من رمز للطموح والتمرد إلى ضحية للمأساة الإغريقية في قلب العشوائيات القاهرية.
وتمثل (لمياء) الابنة الكبرى للأم “عائشة” (فاتن حمامة)، وهي ممرضة شابة تحاول جاهدة الخروج من دائرة الفقر المحكم. على عكس بقية أفراد الأسرة الذين استسلموا لواقعهم أو تماهوا معه، كانت لمياء تحمل وعياً حاداً بأزمتها الطبقية.. هذا الوعي خلق لديها نوعاً من التمرد النفسي؛ فهي لا تكتفي بانتظار معجزة، بل تبحث عن خلاص فردي وسط مجتمع لا يرحم الضعفاء.
وتصل الشخصية إلى ذروتها التراجيدية عبر قرار الانتحار حرقاً، سينمائياً لم يكن المشهد مجرد وسيلة لإنهاء خط درامي، بل كان صرخة احتجاج أخيرة واحتراقاً رمزياً للكرامة التي دُنست.
جسدت (سيمون) هذا المشهد بأداء انفعالي حاد، حيث تحول جسد لمياء المحترق إلى مرآة تعكس بؤس الواقع المحيط بها. إن الانتحار هنا هو التعبير الأقصى عن العجز؛ فعندما غُلقت كافة الأبواب أمام طموحها، اختارت إنهاء اللعبة بشروطها الخاصة.
كان اختيار خيري بشارة لسيمون وهى في بداياتها الفنية وتتميز بملامح غربية وصوت مميز – اختياراً ذكياً وموفقاً. نجحت سيمون في نزع عباءة (الفتاة الرقيقة) لتغوص في أعماق شخصية شعبية مطحونة.
واستطاعت عبر نظرات عينين تائهة ونبرة صوت مشحونة بالتوتر أن تنقل للمشاهد التمزق الداخلي لفتاة ممزقة بين واجبها الأسري، ورغباتها الذاتية، وضغوط المجتمع.
تظل شخصية (لمياء) في (يوم مر ويوم حلو) نموذجاً حياً للشخصية الدرامية المكتوبة بعناية، والتي تتجاوز حدود الدور المساند لتصبح محوراً تحليلياً هاماً، لقد قدمت (سيمون) من خلالها درساً في الواقعية السينمائية، حيث تضافرت النواحي النفسية والاجتماعية لتصنع واحدة من تراجيديات السينما المصرية المعاصرة التي لا تُنسى.

في مسرحية (كارمن)
كما أتذكر (سيمون) في مسرحية (كارمن)، وهي مسرحية من أعمال الفنان الكبير(محمد صبحي) المأخوذة عن أوبرا (كارمن) لجورج بيزيه وأضافها (صبحي) داخل قصة أخرى ليناقش مفاهيم إنسانية كثيرة، من ضمنها الحرية المطلقة والديكتاتورة، وربطها بالواقع السياسي الذي يعيشه العالم اليوم.
طارحاً مع (سيمون) تسائله: هل الحرية المطلقة التي يصل بها الناس لحد الغوغاء والفوضي تستلزم وجود ديكتاتور لكبح جماحها، أم وجود الديكتاتور الذي يقهر الناس في الأصل هو السبب الذي يدفعهم للمطالبة بالمزيد من الحرية حتي يصلوا للفوضى؟
في عالم الفن، هناك من يراكمون الأعمال، وهناك من يراكمون المحبة.. و(سيمون) من هؤلاء الذين اختاروا الطريق الأصعب؛ طريق البقاء في الوجدان لا في العناوين.. لذلك لم يرتبط اسمها بضجة عابرة، بل ارتبط بصورة الفنانة التي احترمت فنها وجمهورها ونفسها.
كلما استمعت إلى أغنية لها، أشعر أن الزمن يتراجع خطوة إلى الخلف، وأن شيئًا من براءة الأيام القديمة يعود ليجلس بجوارنا.. ذلك لأن الفن الصادق لا يشيخ، ولأن الأرواح الجميلة تترك في أعمالها ما يشبه بصمتها الإنسانية التي لا تمحوها السنوات.
ربما لهذا السبب ما زالت (سيمون) حاضرة، رغم تغير الوجوه والأصوات والأزمنة.. فهناك فنانون يغادرون الشاشات ويبقون في القلوب، وهناك آخرون يملؤون الشاشات ولا يتركون خلفهم سوى الفراغ.. أما (سيمون)، فقد اختارت منذ البداية أن تسكن المكان الأصعب والأجمل معًا.. ذاكرة المحبة.