رسمي فتح الله يكتب: من سرق (العود) من يد الملحن؟

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
في مساء شتوي قديم، كان ملحن يجلس وحده في غرفة صغيرة تتناثر فوق جدرانها صور المطربين والنجوم، أمامه (العود) الذي رافقه سنوات طويلة، يعرف أنينه كما يعرف ملامح وجهه في المرآة.. كان يبحث عن لحن جديد، يجرّب نغمة ويحذف أخرى، ويصالح بين الكلمات والموسيقى كما يصالح الأب بين أبنائه.
وفجأة، جاءه الخبر:
برنامج جديد للذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب الأغنية، ويلحنها، ويوزعها، ويغنيها، كل ذلك في دقائق معدودة.
ابتسم الملحن في البداية ساخرًا.
ثم بدأ يستمع. وبعد دقائق قليلة اختفت ابتسامته، وحل محلها صمت طويل.
فالأغنية كانت جيدة.
جيدة إلى درجة تثير القلق.
منذ سنوات قليلة فقط، كان إنتاج أغنية واحدة رحلة طويلة تبدأ من ورقة بيضاء أمام شاعر، ثم تنتقل إلى ملحن يسهر الليالي بحثًا عن جملة موسيقية مختلفة، ثم إلى موزع موسيقي وعازفين ومهندسي صوت ومطرب يحفظ الكلمات ويعيشها قبل أن يؤديها.
كانت الأغنية تشبه بناء بيت حجارة؛ يشارك في تشييده كثيرون، ويترك كل منهم بصمته الخاصة على الجدران.
أما اليوم، فقد دخل لاعب جديد إلى الساحة ينخرط في عزف بعيدا عن العود.
لا يطلب أجرًا مرتفعًا، ولا يتأخر عن موعد التسليم، ولا يغضب، ولا يمرض، ولا يختلف مع المنتج؛ بضغطة زر يستطيع أن يقدم عشرات الألحان ومئات الأفكار وآلاف الكلمات.. والأكثر إثارة أنه يتعلم بسرعة مذهلة، حتى بات قادرًا على إنتاج أعمال قد لا يميزها المستمع العادي عن الأعمال البشرية.

هل سرق الذكاء الاصطناعي (العود)؟
وهنا بدأ السؤال الكبير: هل سرق الذكاء الاصطناعي (العود) من يد الملحن؟
في الحقيقة، قد يكون السؤال مضللًا بعض الشيء.
فـ (العود) ما زال في مكانه، والملحن ما زال يجلس أمامه؛ لكن ما تغير هو العالم من حوله.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على محاكاة الإبداع، لكنه لم يصبح الإبداع نفسه.. إنه يتعلم من ملايين الأغنيات التي صنعها البشر، ويعيد تركيب عناصرها بطرق جديدة ومبهرة.
لكنه لا يعرف كيف يولد الألم داخل صدر إنسان، ولا كيف تتحول الذكرى إلى لحن، ولا كيف يصبح الفراق أغنية يرددها الملايين.
يمكن للآلة أن تتحدث عن الحب، لكنها لم تقع في الحب يومًا.
ويمكنها أن تصف الحنين، لكنها لم تقف أمام بيت قديم تتأمله بعينين دامعتين.
ويمكنها أن تغني عن الفقد، لكنها لم تشهد جنازة صديق أو رحيل أم أو غياب حبيب.
وهنا يكمن السر.
فالفن الحقيقي لا يصنعه العقل وحده، بل تصنعه التجربة الإنسانية؛ ذلك الخليط الغامض من الفرح والحزن والخوف والأمل الذي لا يمكن تخزينه داخل قاعدة بيانات أو اختزاله في خوارزمية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يفرض واقعًا جديدًا على صناعة الموسيقى؛ فشركات الإنتاج تنظر إلى التكلفة، والمنتجون يبحثون عن السرعة، والجمهور يريد محتوى متجددًا باستمرار؛ وفي عالم تحكمه الأرقام، تبدو الآلة منافسًا مخيفًا لكثير من الفنانين.
لكن التاريخ يعلمنا أن التكنولوجيا لا تقتل الفن، بل تغير شكله.

زمن العازفين انتهى
عندما ظهرت آلات التسجيل خاف الموسيقيون، وعندما دخلت الآلات الإلكترونية إلى الاستوديوهات ظن البعض أن زمن العازفين انتهى، وعندما انتشر الإنترنت توقع كثيرون انهيار صناعة الموسيقى التقليدية؛ ومع ذلك بقي الفن، لأنه أكبر من أدواته.
فالريشة لم تلغِ الرسام، والكاميرا لم تقتل الرسم، والحاسوب لم ينهِ الكتابة.
كل ما حدث أن الإنسان وجد طرقًا جديدة ليقول الحكاية نفسها.
وربما يحدث الأمر ذاته مع الموسيقى.
قد يصبح الذكاء الاصطناعي مساعدًا للملحن لا بديلًا عنه، ورفيقًا للمبدع لا وريثًا له، وقد تظهر أشكال جديدة من الفن يشارك فيها الإنسان والآلة معًا، كما يشارك العازف وآلته في صناعة اللحن.
لكن سيبقى هناك شيء لا تستطيع التكنولوجيا انتزاعه.
سيبقى ذلك الارتعاش الخفيف في صوت مطرب يبكي وهو يغني.
وستبقى تلك النغمة التي ولدت من قلب مكسور ؛وسيبقى ذلك الشعور الغامض الذي يجعل أغنية واحدة تعيش عشرات السنين بينما تموت آلاف الأغنيات الأخرى بعد أيام.
لذلك، ربما لم يسرق أحد (العود) من يد الملحن بعد.
كل ما في الأمر أن ضيفًا جديدًا دخل إلى المسرح، وجلس بين العازفين .