رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

إبراهيم أبو ذكري يكتب: رصاصات (الخلع الغيابي) القاتلة: عندما يتحول قانون الأسرة إلى سلاح للإبادة العائلية

إبراهيم أبو ذكري يكتب: رصاصات (الخلع الغيابي) القاتلة: عندما يتحول قانون الأسرة إلى سلاح للإبادة العائلية

إبراهيم أبو ذكري يكتب: رصاصات (الخلع الغيابي) القاتلة: عندما يتحول قانون الأسرة إلى سلاح للإبادة العائلية
أكثر النقاط إثارة للجدل والنقد في قضية (الخلع الغيابي) المصير المظلم للصغيرات

بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري *

في زاويةٍ شديدة الحساسية من الواقع، حيث تتقاطع هيبة القانون مع هشاشة النفس البشرية، تروى قصة المستشار (محمد حتة) هو رجلٍ كان يومًا يجلس على منصة العدالة، يزن أقوال الناس بميزان القانون، قبل أن يجد نفسه في الجهة الأخرى من القفص قاتل لزوجته أم أولاده.

(الخلع الغيابي) جاء صادما في فاجعة هزت الرأي العام وأثارت تساؤلات شائكة حول (العدالة الأسرية) لم يكن الرصاص الذي أفرغه قاضٍ سابق في جسد طليقته مجرد جريمة قتل، بل كان الانفجار الأخير لبركان من القهر والابتزاز وسلسلة من الثغرات القانونية التي استغلتها الضحية/ الجانية حتى النفس الأخير.

لم تكتفِ الزوجة بالحصول على مبلغ 2.5 مليون جنيه، بل شرعت في خطة (اغتيال معنوي) استهدفت الحصانة والمنصب الحساس الذي يشغله شريك حياتها السابق.. من خلال (الخلع الغيابي) وتوجيه شكاوى كيدية لوزارة العدل، تحول القانون من درع لحماية الضعيف إلى نصل يُغرس في خاصرة المستقرين.. مما وضع القاضي في موقف الدفاع عن شرفه المهني أمام جهة عمله، بينما تُسلب منه حقوقه الأبوية بدم بارد.

أكثر النقاط إثارة للجدل والنقد في قضية (الخلع الغيابي) المصير المظلم للصغيرات؛ حيث كشف المتهم في أقواله عن مأساة أخلاقية تمثلت في إجبار بناته على العيش مع رجل غريب (مسجل خطر)، ارتبطت به الأم بعقود عرفية متكررة.

هنا يبرز السؤال الناقد: كيف يمكن لمنظومة تفتيش اجتماعي وقانوني أن تسمح بانتقال حضانة أطفال من كنف قاضٍ مؤهل إلى بيئة يوصم فيها الطرف الآخر بالإجرام؟ وهل أعمى (التعاطف القانوني المطلق) مع الأم العيون عن مصلحة المحضون الفضلى؟

إبراهيم أبو ذكري يكتب: رصاصات (الخلع الغيابي) القاتلة: عندما يتحول قانون الأسرة إلى سلاح للإبادة العائلية
لقد استغلت الزوجة كل ثغرة في قانون الأحوال الشخصية عن طريق (الخلع الغيابي)

استنفاذ (طلقات) القانون

لقد استغلت الزوجة كل ثغرة في قانون الأحوال الشخصية عن طريق (الخلع الغيابي)، واستنفذت ما وصفه البعض بـ (طلقات مسدس قانون الأسرة)؛ من نفقة باهظة، وحرمان من الرؤية، وتشهير وظيفي، وصولاً إلى الزواج العرفي المستتر خلف ستار الحضانة.

إن إقدام رجل قانون على القتل بدم بارد هو اعتراف ضمني منه بانهيار (المنظومة) التي كان يحميها. وبينما لا يمكن تبرير القتل تحت أي ظرف، تظل هذه القضية صرخة في وجه المشرعين:

 إلى متى يظل (الخلع الغيابي) سلاحاً للمباغتة؟، وكيف نضمن ألا تتحول النفقات والحضانة إلى أدوات للابتزاز تترك الأب بين خيارين: السجن أو الجريمة؟

إنها جريمة لم تقتل امرأة فحسب، بل قتلت مفهوم الأمان الأسري وكشفت عن (عوار) يتطلب جراحة تشريعية عاجلة قبل أن تتحول ساحات المحاكم إلى ساحات لتصفية الحسابات بالرصاص.

كان (القاضي السابق) مثالًا للسلطة الهادئة والقرار الصارم، حتى انقلبت حياته رأسًا على عقب حين بدأت خيوط أسرته تتفكك في صمتٍ مؤلم. خلافات زوجية تصاعدت، وظلال شكٍّ وانكسار امتدت داخل البيت، حتى وصل الأمر إلى انهيار العلاقة إلى حدٍّ لا عودة منه.

لم يكن الانكسار قانونيًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا.. فالرجل الذي اعتاد أن يفصل بين المتخاصمين ببرودٍ مهني، وجد نفسه أسير نزاعٍ شخصي ينهش مكانته وهدوءه الداخلي، ويضعه في مواجهة مجتمعٍ لم يعد يرى فيه القاضي، بل يرى (المتهم).

ومع تراكم الضغوط، بين قضايا النفقة، والتحقيقات، والشعور بتآكل المكانة، تبلورت مأساة كاملة لم تعد تحتمل التأجيل. في لحظةٍ فارقة، خرجت الأمور عن مسارها الطبيعي، لتتحول حياة بأكملها إلى ملف في أروقة المحاكم.

وخلال جلسة المحاكمة، لم تكن الكلمات مجرد دفاع، بل كانت مزيجًا من الانكسار والغضب والارتباك، رجلٌ يحاول أن يشرح كيف يمكن للإنسان أن يسقط من أعلى درجات النظام إلى عمق الفوضى في داخله.

لكن خلف كل ذلك، تبقى الحقيقة الأثقل: أن القانون حين يُكسر، لا تعيده المبررات، وأن الألم مهما اشتد، لا يبرر تجاوز حدود الحياة نفسها.

إبراهيم أبو ذكري يكتب: رصاصات (الخلع الغيابي) القاتلة: عندما يتحول قانون الأسرة إلى سلاح للإبادة العائلية
الأسرة تحولت إلى ساحة انتقام، والأبناء يمكن أن يصبحوا أداة ضغط

جريمة فردية معزولة

هي قصة ليست عن قاضٍ فقط، بل عن إنسانٍ حين يختلط عليه العدل بالغضب، والمكانة بالجرح، فيفقد البوصلة التي طالما حكم بها الآخرين.

لا أحد يملك تبرير القتل، ولا أحد فوق القانون، لكن المجتمعات العاقلة لا تكتفي بإدانة النتيجة وتغض الطرف عن الأسباب التي صنعتها.

ما حدث ليس مجرد جريمة فردية معزولة، بل جرس إنذار مرعب لحالة الاحتقان التي يعيشها كثير من الرجال داخل منظومة أسرية وقانونية يشعرون أمامها بالعجز الكامل.

رجل كان يومًا صاحب مكانة وهيبة، انتهى به الحال متهمًا ينتظر مصيره خلف القضبان، وأطفال ضاعوا بين أب محطم وأم قتيلة ومستقبل مشوه.

الناس لم تتعاطف مع مشهد الدم، بل تعاطفت مع صورة الانكسار الإنساني التي رأتها قبل الطلقات بسنوات.

تعاطفت مع رجل شعر – بحق أو بغير حق – أن كل الأبواب أُغلقت في وجهه، وأنه يُستنزف نفسيًا وماليًا وأبويًا بلا نهاية، حتى فقد القدرة على التمييز بين العقل والغضب.. وهنا تكمن الكارثة.

حين يشعر أي إنسان أن القانون لم يعد يحقق التوازن، وأن الأسرة تحولت إلى ساحة انتقام، وأن أبناءه يمكن أن يصبحوا أداة ضغط، فإن المجتمع كله يدخل منطقة خطرة جدًا.

لسنا ضد المرأة، ولا ضد حقوقها، فالمرأة المظلومة يجب أن تنال الحماية الكاملة، لكن تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى معركة كسر عظام هو طريق خراب المجتمع كله.. فالأسرة لا تُبنى بالغلبة، ولا بالانتقام، ولا بإذلال طرف لصالح طرف آخر..المشكلة الحقيقية أن الخطاب العام خلال سنوات طويلة صنع حالة استقطاب حادة:

رجل يشعر أنه مستهدف ومجرد من دوره وهيبته، وامرأة تشعر أن عليها أن تنتزع حقوقها بالقوة والخصومة الدائمة، بينما الدولة والمجتمع يراقبان تصاعد الغضب حتى وصل إلى ساحات المحاكم والقتل والخراب النفسي للأطفال.

وأخطر ما في الأمر أن الضحية الحقيقية دائمًا هم الأبناء.. فهم من يدفعون الثمن كاملًا: طفولة ممزقة، كراهية متبادلة، خوف، وتشوه نفسي قد يستمر العمر كله.. إنقاذ الأسرة المصرية لم يعد رفاهية، بل ضرورة أمن اجتماعي.

نحتاج قوانين أكثر عدلًا وتوازنًا، ونحتاج قبلها خطابًا يعيد الاحترام المتبادل بين الرجل والمرأة بدل التحريض المتبادل، لأن المجتمعات لا تسقط فجأة… بل تبدأ بالسقوط حين تتحول البيوت إلى ساحات حرب.

اللهم إنا نعوذ بك من قهر الرجال ومن ظلم النساء ومن شر الغضب حين يعمي القلوب والعقول.

* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.