

بقلم الفنان التشكيلي الكبير: حسين نوح
شاهدت فيلم (الدخيل) للعملاق الذي أعرف قدره (محمود المليجي)، الفيلم تم عرضه 1967، تذكرت وكنت طفلاً وشقيقي (محمد نوح) يحدثني عن انه سيشارك في فيلم للمخرج الكبير نور الدمرداش، كان يتحدث عن الفيلم أنه يحمل دعوة لليقظة ويتحدث بحماس عن الفكرة الرائعة.
وشاهدت فيلم (الدخيل) الآن وأدركت قيمة ما قدمة هذا العمل الماتع وكيف كانت الفكرة هى البطل، إنه نوع من الفنون لا تشاهدها فقط بل تُفكك وتُقرأ وتُستعاد داخل الوعي، فالفيلم يتحدث عن شخص غريب يتسلل إلى عالم ليس عالمه ويكشف الفيلم طبيعة الاختراق وأساليب الخباثة وكيف يُسمح له.
تأتي عبقرية فيلم (الدخيل) في أن يجعل المشاهد يفكر في سؤال جوهري: هل الخطر يأتي من الخارج أم من الداخل الذي يَسمح له بالدخول؟، وهذا سؤال يعظم من قيمة أعمال العقل لنفكر ونطرح الأسئلة ونعرف لماذا ينجح الدخيل والمعتدي وما هي الأقنعة التي تتعدد بين القريب والصديق وصاحب المصلحة والساذجة، وحسن النية، والطمع، والاحتياج.
أسئلة تطرح بذكاء لفيلم أدركت أنه يستحق أن نفكرفي الرسائل التي يحملها فهو يلامس أحداث التمدد الخبيث للكيان الصهيوني، في الفيلم تتحول الأرض إلى رمز يتجاوز معناها الجغرافي فهي ليست مساحة تُمتلك، بل كيان يمثل الهوية والانتماء والكرامة وحين تُنتهك فهذا الانتهاك لا يمثل انتهاك الأرض.
بل يحدث انتهاكاً نفسياً وأخلاقياً وهنا ندرك قيمة انتهاك الوعي فوق تلك الأرض، أدركت ان الفيلم لا يتحدث عن الغزو، بل القابلية للغزو ليس عن قوة المعتدي، بل هشاشة الضحية.
منذ فترة وأنا أكتب عن قيمة الوعي وأهمية الفنون التي تقدم للمشاهد ما يجعله يفكر وتلك قيمة بذاتها.


فنون طرح الأسئلة
أتابع الأحداث حولنا في الإقليم والعالم، وأتابع حرب إيران وما يحدث في فلسطين وغزة ولبنان، واقترب من يقين يؤكد أهمية تنمية وعي المواطن وحتمية الاحتياج لفنون طرح الأسئلة وتنمية المعارف وسينما تقدم أفلام مثل (الدخيل) وكيف يتحول الفن إلى أداة تنوير.
فيلم (الدخيل) يتحدث عن الأب (زكي موسى/ محمود المليجي) يدخل إلى قرية بغرض التجارة الأقمشة بعربة يجرها حمار، وتعاونه ابنتة شديدة الجمال (فُتنة) ليلى فوزي التي تستغل إعجاب ابن العمدة (عبد العليم/ حمدي غيث) المفتون بجمالها فيمنح والدها زكي مخزن يستقر به لكنه يأخذ بالتحايل والدهاء السيطرة علي أهل القرية.
ويتوسع ويتمدد ويشترى الأراضي والعقارات مستغلاً لسذاجة البعض وجهل الآخرين وكرم من لا يدركون نوايا زكي الخبيث، الذي يأتي بمن يساعده من عشيرته من شباب، وتزداد الأعداد ويمارس الوقيعة بين الأهالي ويحاول طرد أصحاب الأرض واحتلالها.
ويحاول المهندس (صلاح قابيل) التصدي لهذا الغزو وتظهر تجمعات كتائب عم (زكي التاجر)، وتبدأ المعسكرات وتظهر الأطماع والأسلحة ورغبة احتلال القرية، ويموت عمدة القرية ويستفيق (عبد العليم) فيقتل (فٌتنة) ويُقتل (عبد العليم) بيد (زكي).
ويقتل أحد رجال القرية الخواجة (زكي) وتتحد القرى المجاورة ويتصدون لعشيرة الخواجة (زكي) ويستردون أرضهم، وهنا تأكيد أن الجريمة ليست فقدان الأرض، بل فقدان الحصانه الداخلية والوعي بقيمة الأرض.
قدم العملاق (محمود المليجي) شخصية زكي الانتهازي بعبقرية التقمص، فلم يكن شريراً تقليدياً، بل ذكي يزرع نفسه داخل نسيج الدراما لا يرتفع صوته ولايبالغ في انفعالاته، بل استغل اهم أدواته وهى عيونه النظرة والصمت والهدوء، وتلك براعة النجم الكبير، ثم اختيار الفاتنه (ليلى فوزي) لتجسيد دور الفاتنه التي تلهب مشاعر الرجال.
نجح المخرج الكبير (نور الدمرداش) فقدم عملاً يجعلك تفكر دون التخلي عن الدراما والسرد وتلك عبقرية، لم يقدم الفكرة كخطاب سياسي، بل أخرجها من السرد الدرامي معتمداً على التصاعد للأحداث الدرامية وصراع الشخصيات، فظهرت عبقرية النجوم (محمود المليجي وليلى فوزي وحمدي غيث وصلاح قابيل وزيزي البدراوي وسعيد صالح ومحمد نوح وعبد الرحمن أبوزهرة) في دور المخبول.
الذي يتحدث كزرقاء اليمامة خوفاً من انهيار الجسر (الكوبري) الذي يربط بين التعايش بين الأهالي والجيران إسقاط شديد الذكاء.


عظمة الكادرات وقيمة الدراما
استمتعت بفيلم (الدخيل) الذي لا يقدم متعة لحظية فقط، بل يراهن على ما يبقى في الذاكره فشاهدت العمل طفلاً وأعجبت به، ثم استمتعت به الآن مستوعباً لعظمة الكادرات وقيمة الدراما وابداع النجوم والتصوير، الموسيقى ،عبقرية القصة، السيناريو والحوار للمستنير(رمضان خليفة).
لقد شاهدت فيلم لا يدافع عن الأرض بل يدافع عن أعمال العقل ليستفزه ليعمل، هكذا الفن وتلك نوعية من فنون وإبداع ئؤكد ماهية وعظمة وسائل التنوير ومدى الحاجه إليها في زمن أصبحت الحروب ليست بمن يأتي من الخارج، ليحاول الاعتداء عليك بل كيف تجعل الداخل واعياً ملتحماً مدركاً للأطماع حولك.
لقد قدمت (المؤسسة المصرية العامة للسينما، والشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي، شركة التمثيل والسينما، شركة القاهرة للإنتاج السينمائي) علامات افتخر بها وكل محب للإبداع فكانت جواهر محفورة في الوجدان المصري منها (الأرض، الدخيل، ثمن الحرية، الزوجة الثانية).
إنها دعوة لمزيد من إنتاج فنون وسينما لتنمية الولاء والوعي فنحن نعيش عالم يستحق التفكير كثيراً فالاعداء يتربصون ويحاولون.. حفظ الله مصر تنطلق وتستحق.