
بقلم المستشار: محمود عطية *
منذ متى أصبحت الحكمة مهنة بدوام جزئي يمارسها من ينتهي من التصوير فيذهب ليعظ الناس عن التقشف، ثم يعود ليبدل سيارته في المساء كأنه يغير القناة منذ متى صار لاعب الكرة الذي لا يطفئ الأنوار في الملعب، مطالبا بأن يطفئها في بيوتنا ويشرح لنا قيمة الكيلو وات كأننا أمام خبير طاقة لا أمام من اعتاد أن يجري وراء كرة لا وراء (ترشيد الكهرباء).
المشهد لم يعد عبثيا فقط بل صار كاريكاتيرا مفتوحا على مدار الساعة، حيث يخرج علينا من يعيشون في عالم الإضاءة الدائمة ليطلبوا منا أن نوفر النور في (ترشيد الكهرباء)، ومن تتدفق حساباتهم بالملايين ليحدثونا عن شد الحزام وكأن الحزام في قاموسهم قطعة ديكور لا أداة نجاة وكأن المواطن الذي يحسبها بالقرش يحتاج درسا من شخص لم يعرف في حياته معنى أن ينتظر آخر الشهر.
الأكثر طرافة أن هذه الوجوه لم تترك لنا مساحة لنتنفس فهي في كل مكان في الدراما في الإعلانات في الحملات في البرامج في السحور في الفطور في المناسبات، وكأن البلد قد أعلنت إفلاسها من العقول، فلم تجد إلا نفس الوجوه لتعيد تدويرها حتى في الوعظ والإرشاد، وكأن الرسالة لا تصل إلا إذا جاءت من فم حفظ نصا ووقف أمام كاميرا
ثم يأتي من يدير هذا المشهد ليقنعنا بأن هذا هو الاختيار الطبيعي، وأن الجمهور يحب ذلك بينما الحقيقة التي يهمسون بها في جلساتهم أن الجمهور قد مل بالفعل وأن هذه الوجوه صارت عبئا على أي رسالة تظهر فيها، وأن الناس تحفظ الجملة قبل أن تقال لأنها تعرف من سيقولها وكيف سيقولها ومتى سيبتسم بعدها.

ترشيد (فاتورة الكهرباء)
أما الحكاية الأكثر إثارة فهي تلك النغمة التي تقول إنهم يقدمون ذلك بدافع وطني أو بلا أجر وكأن المشكلة كانت يوما في الأجر لا في المصداقية، فالمواطن لا يسأل كم تقاضيت بل يسأل هل ما تقوله يشبه ما تعيشه أم أنه مجرد دور جديد تؤديه بإتقان ثم تخلعه عند أول باب مغلق.
وإذا اقتربنا أكثر من الصورة سنجد أن حياة كثير من هؤلاء صارت كتابا مفتوحا لا يحتاج إلى قارئ محترف ليفهمه الناس، ترى البيوت وترى السيارات، وترى السهرات وترى الإعلانات التي لا تتوقف، ثم تسمع في اليوم التالي نفس الوجوه تتحدث عن (ترشيد الكهرباء)، وكأنها تمارس نوعا من الكوميديا غير المقصودة التي لا تضحك بقدر ما تثير غصة ساخرة في الحلق.
ولا يمكن أن ننسى زملاء المنظومة من بعض الإعلاميين الذين يتحدثون عن التقشف بنبرة واعظة، بينما أرقامهم وحدها تحتاج إلى حملة لترشيد (فاتورة الكهرباء)، هؤلاء الذين يطلبون من الناس أن تقلل استهلاكها وهم لا يقللون ظهورهم ولا تصريحاتهم ولا نصائحهم المجانية التي تأتي دائما من أعلى إلى أسفل، كأنهم يخاطبون شعبا لا يعرف شيئا عن حياته.
هنا يصبح السؤال مشروعا هل يتم اختيار هذه الوجوه لأنها الأقرب إلى الناس أم لأنها الأقرب إلى من يختار هل المسألة مسألة شعبية أم مسألة سيطرة ناعمة، حيث يفضل من يضمن الاستمرار على من قد يقول لا هل من يرفض لا يعمل، أم أن السوق ضاق إلى درجة أن الجميع صار مضطرا للقبول بأي شيء حتى لو كان يعلم في داخله أنه لن يضيف شيئا بل ربما يخصم من رصيده عند الناس.
التجارب السابقة لا تبشر بخير من يتذكر حملات قديمة يعلم جيدا أن الإقناع لا يصنع بالصوت العالي ولا بالوجه المعروف بل بالثقة التي تبنى ببطء وتهدم بسرعة، وحين تفقد الرسالة حاملها المناسب تتحول إلى عبء حتى لو كانت مجانية وحتى لو كانت الفكرة في أصلها صحيحة
الناس لم تعد تنخدع بسهولة ولم تعد تبتلع كل ما يقدم لها ملفوفا ببريق الشهرة، بل صارت تميز بين من يتحدث لأنه يفهم ومن يتحدث لأنه متاح وبين من يقدم قدوة، ولو في حدود الممكن ومن يقدم عرضا تمثيليا ينتهي بانتهاء الإعلان.
والأكثر إيلاما أن البلد ليست فقيرة في النماذج كما يحاول هذا المشهد أن يوحي بل مليئة بأناس حقيقيين يعيشون ما يقولون ويقولون ما يعيشون أطباء يعملون في صمت، أساتذة يعلمون أجيالا مهندسون يبتكرون باحثون يجربون، قانونيون يشرحون واقتصاديون يفكون العقد بلغة يفهمها الناس.

تفتح لهم أبواب الكاميرا
لكن هؤلاء لا يملكون رفاهية الظهور المتكرر ولا شبكة العلاقات التي تفتح لهم أبواب الكاميرا فيبقون خارج الإطار بينما يحتله من لا علاقة له بالمحتوى إلا بقدر ما يحفظه،
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى نحن لا نعاني من نقص الرسائل، بل من سوء اختيار الرسل ولا من غياب الوعي، بل من طريقة تقديمه ولا من قلة القدوة بل من تهميشها لصالح وجوه استهلكت حتى فقدت تأثيرها.
كفى بالفعل هذا الطوق من الوجوه المكررة التي تحاصر الناس في يومهم وليلهم، كفى تحويل كل قضية إلى فقرة دعائية لـ (ترشيد الكهرباء)، يؤديها نفس الأشخاص بنفس الأداء كفى استسهالا لعقل المواطن الذي أثبت مرارا أنه يرى أكثر مما يقال ويفهم أكثر مما يظن به.
إذا أردتم أن تطفأ الأنوار فابدؤوا بإطفاء هذا الضوء المزعج الذي يسلط على غير أهله، واتركوا مساحة لنور مختلف نور الصدق لا نور الكاميرا ونور القدوة لا نور الإعلان ونور العقل لا نور التكرار.
حينها فقط قد يقتنع الناس بأن يطفئوا مصباحا لأنهم رأوا أمامهم من يعرف قيمة الضوء حقا لا من يستخدمه كخلفية لمشهد جديد في (ترشيد الكهرباء).
* المحامي بالنقض – منسق إئتلاف مصر فوق الجميع