رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أحمد صبحي يكتب: (بين الفن والأدب).. فيلم (أيوب) كمرآةٍ شفافة

أحمد صبحي يكتب: (بين الفن والأدب).. فيلم (أيوب) كمرآةٍ شفافة
ليس (أيوب) رجلًا سقط، بل إنسانٌ انكشفت عنه أقنعته.. فنحن – في حقيقتنا – لا نعيش بشخصية واحدة
أحمد صبحي يكتب: (بين الفن والأدب).. فيلم (أيوب) كمرآةٍ شفافة
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسبنارست: أحمد صبحي

ياتى  فيلم (أيوب) كمرآةٍ شفافة، لا تعكس ملامح بطله فقط، بل تكشف ما هو أعمق: ذلك الإنسان المختبئ خلف وجوهه المتعددة.. عملٌ ينبض بروح نجيب محفوظ، ويتشكل برؤية هاني لاشين، ويحمله أداء مشبع بالصدق لكل من (عمر الشريف، وفؤاد المهندس، ومحمود المليجي)، إلى جانب حضور لافت لـ (مديحة يسري).

ليس (أيوب) رجلًا سقط، بل إنسانٌ انكشفت عنه أقنعته.. فنحن – في حقيقتنا – لا نعيش بشخصية واحدة، بل بعدة شخصيات، لا يجمع بينها سوى الاسم والشكل.. نرتديها كما نرتدي ملابسنا، نبدلها وفق المواقف ووفق ما يتوقعه منا الآخرون.. هناك (نحن) التي يراها الناس، وتلك التي ترضيهم، وتلك التي تخشى الرفض، وتلك الأخرى.. العميقة، الصامتة، التي لا يراها أحد.

لكن لحظة السقوط تغيّر كل شيء.. حين وقع (عبد الحميد)، لم يفقد قوته الجسدية فقط، بل فقد القدرة على الاستمرار في التمثيل. سقط القناع، أو ربما لم يعد قادرًا على حمله.. انسحب الضجيج، واختفى الجمع، ولم يبقَ سوى ذاته… وتلك الوجوه التي طالما أخفاها.

هناك، في العزلة، تبدأ المواجهة.. يكتشف أنه لم يكن شخصًا واحدًا، بل حيوات متداخلة، وذكريات تتصارع، وحقائق مؤجلة. فيعود إلى الماضي، لا هروبًا، بل بحثًا عن نفسه الضائعة، عن ذلك الصديق الذي كان يراه كما هو، بلا تزييف، بلا شروط. صديق لم تبقَ بينه وبينه إلا ذكريات هادئة، لكنها صادقة، كأنها الحقيقة الوحيدة التي لم تتلوث.

وعندما يثقل عليه هذا الاكتشاف، يقرر أن يكتب.. فالكتابة هنا ليست فعلًا عابرًا، بل محاولة للتماسك.. محاولة لجمع تلك الشخصيات المتناثرة في سطرٍ واحد، في حكاية واحدة. كأنها محاولة لإعادة تعريف نفسه: من أنا وسط كل هذا التعدد؟

أحمد صبحي يكتب: (بين الفن والأدب).. فيلم (أيوب) كمرآةٍ شفافة
الناس لا تريد حقيقتك الكاملة، بل نسختك المناسبة لهم

الناس لا تريد حقيقتك الكاملة

لكن العالم، كما يكشف فيلم (أيوب)، لا يرحب بهذه المحاولة.. فالناس لا تريد حقيقتك الكاملة، بل نسختك المناسبة لهم.. لا تحتمل صدقك إذا كان قاسيًا، ولا تقبل اعترافاتك إذا كانت تُربك صورتك لديهم. ولهذا تقف زوجته أمامه، لا كعدو، بل كصوتٍ يمثل هذا العالم، رافضة أن يفتح أبواب الماضي، لأن بعض الأبواب إن فُتحت.. لن تُغلق.

وتتجسد هذه الفكرة بوضوح في أداء (فؤاد المهندس)، الذي يطل كعادته بصدقٍ خاص، يضفي على الفيلم روحًا حقيقية وشخصية قريبة من الواقع.. يقدم نموذجًا للإنسان الذي يفهم المجتمع جيدًا، يدرك تناقضاته وزيفه، لكنه – في مفارقة موجعة – يختار أن يعيش وفق قواعده.

ليس ضعفًا، بل إدراكًا أن الإنسان، في النهاية، ليس كيانًا ثابتًا، بل مجموعة من الشخصيات التي تتبدل لتستمر..

وفي المقابل، تأتي (مديحة يسري) بأداء هادئ ومناسب تمامًا لشخصية الزوجة؛ تلك المرأة التي لا ترى في زوجها مجرد إنسان، بل ترى فيه المكانة، والاستقرار، والحياة التي اعتادت عليها.. تحاول التمسك به بكل ما تملك، لا بدافع الحب الخالص، بل خوفًا من فقدان العالم الذي بنته حوله. إنها لا تدافع عن الرجل بقدر ما تدافع عن حياتها معه.

وهنا يتعمق الصراع: هل العلاقات قائمة على الحقيقة.. أم على الحاجة؟.. هل نحب الأشخاص كما هم.. أم كما يمثلون لنا من أمان واستقرار؟

(أيوب) لا يعاني من عجزٍ جسدي بقدر ما يعاني من عجز القرار.. قرار أن يخلع الأقنعة، أن يواجه ذاته، أن يقول الحقيقة كما هي. لأن أصعب ما في الحياة، ليس أن نكذب على الآخرين.. بل أن نتوقف عن الكذب على أنفسنا.

ومع تصاعد رحلته، يطرح الفيلم أسئلته الأكثر عمقًا: هل الأفضل أن نحتفظ بحقيقتنا في صدورنا، كسرٍ ثقيل؟، أم نعيد صياغتها، نجمّلها، حتى نصبح مقبولين؟.. هل الخوف مرض.. أم وسيلة حماية؟.. وهل الصمت ضعف.. أم اختيار؟

ثم يكشف، بهدوء مؤلم، حقيقة أخرى: أننا لا نلجأ إلى الصادقين إلا حين نسقط. نعود إليهم لأننا نحتاج هذا الصدق حين تنهار كل الأوهام، دون أن ندرك أنهم، يومًا ما، ربما كانوا في حاجة إلينا أيضًا.

أحمد صبحي يكتب: (بين الفن والأدب).. فيلم (أيوب) كمرآةٍ شفافة
يأتي هنا الأداء المبهر لعمر الشريف، لا لأنه يقدم شخصية ذات أبعاد خاصة فحسب

الأداء المبهر لعمر الشريف

في النهاية، لا يقدّم أيوب إجابة، بل يتركنا في مواجهة أنفسنا: هل نحن تلك الشخصيات التي نعيش بها؟، أم تلك التي نخفيها؟، أم أننا مجرد محاولة مستمرة للتوفيق بينهما؟

ويأتي هنا الأداء المبهر لعمر الشريف، لا لأنه يقدم شخصية ذات أبعاد خاصة فحسب، بل لأنه – على ما يبدو – رأى هذه الشخصية بكل تفاصيلها الدقيقة، وتشربها حتى صار هو هي.. لم يؤدِّها من الخارج، بل عاشها من الداخل، بكل ما تحمله من مشاعر متضاربة وتناقضات إنسانية حادة، فبدت حقيقية إلى حدٍّ مُقلق.

أما مشاهده التي جمعته بفؤاد المهندس، فهي ليست مجرد لقاءات بين ممثلين، بل لحظات نادرة نرى فيها معنى الحضور الحقيقي.. وندرك أننا لم نكن أمام مواهب تؤدي أدوارًا عابرة تمر على الشاشة، بل أمام حالات إنسانية كاملة.. كلٌّ منهما عالم قائم بذاته، يمتلك عقلًا حاضرًا، وروحًا واعية، وقدرة على التقاط أدق التفاصيل التي لا تُكتب في النص، بل تُولد لحظة الأداء.

إنه ذلك النوع من الفن الذي لا يتكرر.. حيث لا يمثل الممثل الشخصية، بل يكشفها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.