
بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر
يُعد مسلسل (مولانا) من الأعمال الدراميّة التي حاولت الاقتراب من منطقة حساسة تجمع بين البعد الروحي والجدل الفكري، وهو ما جعله محطّ نقاش واسع بين الجمهور والنقاد على حدٍّ سواء.

تيم حسن.. الأداء والثقل
يبرز في قلب هذا العمل أداء (تيم حسن) بوصفه أحد أهم عناصر القوّة، حيث نجح في تبنّي الشخصيّة بعمقٍ واضح، متجاوزاً الأداء السطحي نحو بناء داخلي متماسك يعكس صراع الإنسان بين الإيمان والتشكيك، وبين المقدّس والواقع.
حيث تميّز (تيم حسن) بقدرته على التحكّم في أدواته التعبيريّة، من نبرة الصوت إلى لغة الجسد، ما منح الشخصيّة مصداقيّة عالية وجعلها قريبة من المتلقي.
لم يكن الأداء تمثيلاً، بل بدا وكأنه حالة معاشة، وهذا ما يُحسب له في عمل يتطلّب حساسيّة خاصّة في الطرح، ومع ذلك، لا يمكن إغفال حضور بقيّة الممثّلين، حيث قدّم بعضهم أداءً لافتاً، إلا أن الثقل الدرامي بقي متمركزاً حول الشخصيّة الرئيسة، ما حدّ من بروز منافسة حقيقيّة على مستوى الإبداع التمثيلي.

فارس الحلو.. الثقل والرصانة
لا بدّ من الإشارة إلى عودة (فارس الحلو) التي تُعدُّ مكسباً حقيقيّاً، ليس فقط بسبب الحنين أو القيمة الرمزيّة، بل لأنّه ممثّل يمتلك أدوات اشتغال دقيقة جدّاً، فحضوره مشحونٌ بالمعنى.
وهذا النوع من الممثّلين يضيف طبقة تحتيّة للشخصيّات، حتّى لو لم تكن في مركز الحدث.. في (مولانا) عودة فارس الحلو منحت العمل نوعاً من الثقل والرصانة، وخلقت توازناً مع الأداء الأكثر اندفاعاً أو عاطفيّةً عند بعض الشخصيّات الأخرى.


(شابّو) للوجوه الشابة
بالنسبة إلى الوجوه الشابّة، فهنا يُحسب للعمل جرأته في منح مساحة حقيقيّة لطاقاتٍ جديدة، وليس فقط استخدامها كخلفيّة، فبعض هذه الوجوه قدّم أداءً مفاجئاً من حيث النضج، وعلى وجه الخصوص في مشاهد الصراع الداخلي أو المواجهات الحواريّة.
طبعاً، كان التفاوت موجوداً – وهو أمر طبيعي – لكن وجود هذا الدم الجديد أضاف حيويّة وكسر النمطيّة التي تقع فيها كثير من الأعمال المعتمدة على الأسماء الثقيلة فقط.

منى واصف.. الثبات والهيبة
أمّا (منى واصف)، فقد حافظت على حضورها القويّ والمألوف، حيث قدّمت أداءً يتّسم بالثبات والهيبة، كما اعتاد الجمهور منها. تأثيرها كان واضحاً، لكنّه لم يصل إلى مستوى المفاجأة، بل جاء ضمن الإطار المتوقع من ممثّلة تمتلك هذا التاريخ والخبرة.

النص.. لحظات ذكيّة وتدوير الطرح
أمّا على صعيد نصّ (مولانا)، فقد حاول أن يطرح أسئلة جريئة تتعلّق بالمقدس والوهم، لكنّه في بعض الأحيان وقع في فخ المباشرة أو التبسيط، خاصّةً عند تناوله لقضايا معقدة تتطلّب عمقاً فلسفيّاً أكبر، وعلى الرغم من وجود لحظات ذكيّة في الحوار والبناء الدرامي، إلا أن النص لم ينجح دائماً في تقديم طرح جديد كليّاً، بل بدا وكأنه يعيد تدوير أفكار مطروحة سابقاً مع بعض التحديثات.
فيما يتعلق بمعالجة مسألة المقدّس، يمكن القول إن العمل حاول الموازنة بين الطرح الجريء وعدم الاصطدام المباشر، لكنّه في بعض المواضع ابتعد عن الواقعيّة، إما بدافع الرقابة أو رغبة في تجنّب الجدل الحادّ، وهذا التردد أضعف من حدّة الطرح، وجعل بعض الخطوط الدراميّة تبدو غير مكتملة أو مترددة في حسم موقفها.

سامر البرقاوي.. الإدارة والصور المدروسة
إخراجيّاً، أظهر (سامر البرقاوي) قدرة واضحة على إدارة العمل بصريّاً ودراميّاً، حيث اعتمد على إيقاع متوازن وصور مدروسة تعكس الحالة النفسيّة للشخصيّات، ومن أبرز ما نجح فيه هو خلق أجواء بصريّة داعمة للفكرة العامّة، واستخدام الإضاءة والزوايا بشكل يخدم السرد، ومع ذلك، لم يخلُ الإخراج من بعض التكرار في الأسلوب، خاصّةً في المشاهد الحواريّة المطوّلة.


لفتة ضروريّة إلى المكياج
فيما يخصّ المكياج، فهو من العناصر التي غالباً لا تُذكر على الرغم من تأثيرها الكبير، لكن في هذا العمل كان لافتاً فعلاً، لم يكن تجميليّاً فقط، بل خدم البعد النفسي والزمني للشخصيّات، والتحولات الشكليّة كانت دقيقة وغير مبالغ فيها، وهذا مهمّ جدّاً في عمل يتعامل مع موضوعات حسّاسة.
لأن أيّ افتعال بصري كان سيكسر الإيهام بسهولة، حيث اشتغل المكياج هنا كأداة سرديّة صامتة، خصوصاً في إبراز التوتر أو الإرهاق أو التحوّلات الداخليّة.

ختاماً:
في المحصلة (مولانا) عمل درامي يحمل طموحاً فكريّاً واضحاً، ويمتلك عناصر قوّة أبرزها الأداء التمثيلي والإخراج، لكنّه لم ينجح بالكامل في تحقيق قفزة نوعيّة على مستوى النص أو الطرح، ما يجعله تجربة مهمّة لكنّها غير مكتملة.