
بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
كان اسمه (دندوش)، لكن أهل الحي كانوا يعرفونه أكثر من مجرد اسم.. كان واحدًا منهم، يعرف الأزقة كما يعرف كفّ يده.
في الأيام العادية كان (دندوش) بائعًا متجولًا، يمتلك عربة صغيرة يجرّها حمار صبور، يضع عليها فاكهة الموسم وبعض الخضروات الطازجة.. يبدأ نهاره مع أول ضوء، ويطوف بالحارة من شارع لشارع، ومن حارة لحارة، ومن زقاق ضيق إلى آخر أضيق.
لم يكن يحتاج (دندوش) إلى خريطة ولا دليل.. كان كأنه جهاز ملاحة بشري.
يعرف البيوت، ويعرف من يسكنها. يعرف الأب والأم، ويعرف الأبناء، بل حتى الأحفاد.. إذا صادف طفلًا في الطريق ناداه باسمه، فيضحك الصغير ويجري إلى أمه وهو يقول: (دندوش عرفني!).
لكن ما إن يقترب شهر رمضان حتى يتغير حال (دندوش).. يترك عربته جانبًا، وكأنه يخلع ثوبًا ويرتدي آخر. يتفرغ تمامًا لمهمة واحدة: أن يكون مسحراتي الحي.
قبل الفجر بقليل، وفي سكون الليل، كان (دندوش)، صوته يوقظ الشوارع النائمة.. يحمل طبلة صغيرة بين يديه، يطرق عليها بإيقاع هادئ لكنه واضح، ثم يطلق جملته التي لا يغيرها أبدًا. جملة واحدة يرددها طوال الشهر: (يا محمد وحد الله… يا رامي وحد الله)..
كان يقف أمام كل بيت لحظة، وكأنه يعرف أن خلف هذا الباب من ينتظر صوته.. ثم يبدأ في ذكر أسماء أفراد العائلة، واحدًا واحدًا، يناديهم ليستيقظوا للسحور: (يا عم حسن.. يا أم حسن.. يا محمود.. يا سارة.. وحدوا الله).
تفتح بعض النوافذ قليلًا، يخرج منها صوت شكر أو دعاء.. أحيانًا يلوّح له طفل نصف نائم، فيبتسم دندوش ويكمل طريقه.

يمشي بين البيوت مبتسمًا
لم يكن يفعل ذلك كعمل فقط، بل كأنه يؤدي مهمة اختارها بقلبه.. كان يشعر أن هذه الطبلة الصغيرة لها دور مهم في ليالي رمضان، وأن صوته جزء من طقوس الشهر التي ينتظرها الناس كل عام.
وعندما يقترب رمضان من نهايته، يبدأ (دندوش) جولة مختلفة.. يمر على البيوت نفسها، لكن هذه المرة في وضح النهار. يعرف أن الناس ينتظرونه كما ينتظرهم.
كان من عادته أن يأخذ من كل بيت طبقًا مليئًا بما صنعته أيديهم من كعك وبسكويت.
لم يكن يطلب شيئًا غريبًا، فقط نصيبًا من فرحة العيد.. وبعض أصحاب البيوت يضعون في يده مبلغًا صغيرًا من المال، تقديرًا لتعبه طوال الشهر.
يمشي بين البيوت مبتسمًا، يحمل الأطباق واحدًا تلو الآخر، وكأنه يجمع حكايات الشهر كله في سلة واحدة.
ورغم مرور السنين وتغير الحي وظهور أصوات جديدة في الشوارع، ظل صوت (دندوش) في ذاكرة الناس واضحًا.. ذلك الصوت الذي كان يشق سكون الليل، ويقول ببساطة، كأنه يوقظ القلوب قبل أن يوقظ النائمين: (يا سيدي… وحد الله).