

بقلم الناقد الفني: رضا العربي
تخيَّل شعبًا لا يشرب (الماء) أبدًا.. ليس لأنه نادر، ولا لأنه ملوَّث، بل لأن شربه يقتلهم.. في أرضٍ بعيدةٍ عن خرائط الجغرافيين، عاش قومٌ تعلّموا منذ ولادتهم أن (الماء)عدوٌّ متنكر في هيئة خلاص.. كانوا يرونه يلمع في الأنهار والغيوم والآبار، لكنهم يمرّون بجواره كما يمرّ المرء بجوار ذكرى موجعة: يعرفها، يشتاق إليها، ثم يدير وجهه كي لا يموت.. هذه حقيقة وليست قصة خيالية أو فيلم سينمائي.
كبر الأطفال على الحكاية ذاتها:
(الماء لمن لا يحتمل الحقيقة).
وكان الشيوخ يضيفون بصوتٍ خافت:
(نحن نعيش لأننا عطاشى).
هنا، لم يكن العطش نقصًا، بل نظام حياة.
تعلم الناس أن يبقوا قلوبهم جافة بما يكفي ليستمر النبض.. فـ (الماء)، كما يقول فلاسفتهم لا يقتل الجسد وحده، بل يذيب الأقنعة، ويغسل الأكاذيب، ويُظهر الإنسان على حقيقته. ومن لا يحتمل الحقيقة، لا يحتمل الماء.
في هذه البلاد، كان العرق يُعدّ خطيئة صغيرة، والبكاء جريمة أخلاقية، والدموع تُوارى كما تُوارى الأسرار. فالسوائل كلها أبناء عمومة (الماء)، وكل اقترابٍ منها خطوة نحو الفناء.
سأل أحد الغرباء يومًا:
(وكيف تعيشون بلا ماء؟).
ابتسموا وقالوا:
(نعيش بما تبقّى منه في الكلمات).

يتغذّون على الصبر
كانوا يشربون المعاني لا السوائل، ويتغذّون على الصبر، ويتقوّتون بالمسافة الآمنة بين الرغبة والاقتراب.. خبزهم جاف، وأحلامهم أكثر جفافًا، لكنهم أحياء.. الحياة هنا ليست ازدهارًا، بل نجاة محسوبة.
غير أن الأسطورة لم تقل كل شيء.
فقد تسرّب سرٌّ قديم بين الهمسات: لم يكن (الماء) قاتلًا بطبيعته، بل صار كذلك يوم اعتاد الناس الكذب على أنفسهم.. يومًا بعد يوم، صار الصدق سمًّا، والوضوح خطرًا، والاعتراف انتحارًا بطيئًا.. وحين حاولوا أخيرًا أن يشربوا الحقيقة دفعة واحدة… اختنقوا.
لذلك قرروا:
لن نشرب (الماء) بعد الآن.
نشأت أجيال لا تعرف البلل إلا في الخيال. أجيال تخاف المطر لأنه قد يذكّرها بما نسيته عمدًا. وكلما سقطت قطرة من السماء، أغلقوا النوافذ، لا خوفًا من الغرق، بل خوفًا من التذكّر.
وفي قلب العاصمة، كان هناك نافورة لا تعمل.
نصبٌ تذكاريٌّ للماء الممنوع.
يقف الناس حولها صامتين، يحدّقون في الفراغ، وكأنهم يقولون: (هكذا نحافظ على الحياة… بإقصاء ما يمنحها).
لكن في الهامش دائمًا يولد السؤال.
شابٌّ واحد، ذات مساء، قرر أن يجرّب. لم يشرب كثيرًا من (الماء)، فقط رشفة.. قال لنفسه: (لن أموت من الحقيقة، سأموت من الهروب منها).
سقط الشاب بعد لحظات.
قالوا: أرأيتم؟ (الماء) يقتل.
لكنهم لم يلاحظوا الابتسامة الصغيرة على وجهه، تلك التي لم يعرفوها من قبل. ابتسامة من رأى نفسه أخيرًا بلا مرآة كاذبة.
وهكذا ظل الشعب حيًّا..
لكن الحياة، كما يبدو، ليست دائمًا نقيض الموت.
فبعض الشعوب تموت إذا شربت (الماء)،
وبعضها تموت لأنها لا تشربه أبدًا.
ويبقى السؤال معلقًا فوق تلك البلاد:
هل النجاة بلا حياة انتصار؟
أم أن الموت مرة واحدة، أصدق من عطشٍ يمتد عمرًا كاملًا؟

عالمٍ يكاد يكون أسطورة
في حلقة جديدة من برنامج خاص تفتح الزميلة هناء أبو العز نافذة على خبرٍ عابر، بل تزيح ستارًا كثيفًا عن عالمٍ يكاد يكون أسطورة حيّة، قبيلة اختارت أن تعيش خارج الزمن، وأن تصالح الغابة بدل أن تصافح المدينة.
تسلّط الحلقة الضوء على قبيلة (الميكي) التي تعيش داخل (غابة توليار) شبه الخالية من السكان في مدغشقر؛ قبيلة لا تشرب المياه نهائيًا، لا عن عجز ولا فقر، بل عن اعتقاد راسخ بأن (الماء) قد يكون طريقًا إلى الموت.. يستعيضون عنه بأنواع محددة من النباتات، كأن الطبيعة نفسها عقدت معهم اتفاقًا سريًا للبقاء.
وجوههم بلونٍ رماديّ أقرب إلى غبار الأرض، وأسماؤهم تعني (الشعب الذي لا يتحمّل تلقّي الأوامر)، وكأن اللغة سبقت قدرهم واختارت لهم مصير العصيان الأبدي.
قبيلة (الميكي) ـ أو الميكيا ـ ليست سهلة الاكتشاف ولا قابلة للاحتواء؛ جماعة من الرُحّل لا يزيد عددهم عن ألفٍ وخمسمائة نسمة، أشبه بالأشباح، يظهرون ليلًا ويختفون نهارًا، يذوبون في ظلال الأشجار ويتوارون عن العيون.
قبل نحو ثلاثة قرون، قرروا الانسحاب من ضجيج المدن ومن فكرة (الحضارة) نفسها، فاختاروا الغابة وطنًا بلا كهرباء، ولا مياه، ولا اتصالات، ولا إنترنت.. وطنًا بلا شهود.
وفي القرن التاسع عشر، حين بسط الاستعمار الفرنسي سلطته على مدغشقر، رفضت قبيلة (الميكي) الخضوع، لا لأنهم أرادوا الحرب، بل لأنهم ببساطة لا يعترفون بفكرة السلطة من الأساس.
منذ ذلك الحين، تلخّصت حياتهم في الاختباء، والبحث عن الطعام، والبقاء بعيدين عن كل ما يفرض شكلًا للحياة أو معنىً للانتماء.. لا عمل لديهم، ولا اهتمام بدين أو طقوس عبادة، كأنهم قرروا أن تكون حياتهم صلاة صامتة للطبيعة، واحتجاجًا دائمًا على كل ما هو مفروض.
حلقة البرنامج لا تقدّم قبيلة (الميكي) بوصفها غرابة أنثروبولوجية فحسب، بل تطرح سؤالًا أعمق:
هل التقدّم دائمًا نعمة؟
وهل الهروب من العالم شكل من أشكال الجنون.. أم حكمة قصوى لا يفهمها إلا من تجرّأ على العيش بلا أوامر؟
قبيلة (الميكي) لا تطلب أن نفهمها، ولا أن نقترب منها، لكنها تهمس لنا من قلب الغابة: هناك دائمًا طريق آخر للحياة، طريق لا تُرسم خرائطه على الورق، بل تحفظه الذاكرة.. وتخفيه الأشجار.