
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
الأجزاء الكمية للسيرة الهلالية : عرض السيرة الهلالية
أولا: الافتتاحية
بداية عرض (المسرح الشعبي) للسيرة يبدأ بافتتاحية موسيقية، وهي تعد بمثابة تمهيد وتهيئة للجمهور لمشاهدة عرض السيرة الهلالية.
ثانيا المديح الديني
يستهل الشاعر بداية عرض السيرة الهلالية بالمديح النبوي، وفي تلك المنطقة من العرض يقدم الشاعر أشعاراً في رسول الله صلي الله عليه وسلم وعلى آله، وتلك الأشعار موضعها متغير من عرض إلى آخر، إذ يمكن في عرض من العروض أن يكون الشعر في محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وفي عرض آخر يكون في أفضال الرسول على الأمة.
ثالثا: القصة الممثلة
وفيها يتحدد عرض (المسرح الشعبي) الذي سوف يمثله الشاعر وفق رغبات الجمهور؛ حيث إن الجمهور هو الذي يحدد الجزء الذي يريد أن يشاهده ويستمع إليه، حيث إن السيرة مقسمة إلى أجزاء والجمهور هو الذي يقوم بتحديد الجزء الذي يريده من الشاعر، وهكذا تكون عروض السيرة خاضعةً إلى رغبات الجمهور، وبعد ذلك يبدأ شاعر السيرة في تمثيل القصة التي يرغبها الجمهور.
وتلك الأجزاء الكمية والكيفية للسيرة هي أساس فن السيرة، وهي قائمة على علاقة بين الجمهور والممثل الشعبي، فالجمهور له دور أساسي في تقديم العرض.

الجمهور والأداء التمثيلي لشاعر السيرة
توجد علاقة بين الأداء التمثيلي لشاعر السيرة (ممثل السيرة) وبين جمهور (المسرح الشعبي)، فكلاهما تربطه صلة بالآخر، إذ يعتمد شاعر السيرة على الجمهور في أدائه التمثيلي، كما يعتمد الجمهور على شاعر السيرة لتمثيل ما استقر بوجدانه عن السيرة الهلالية .
إذ أن شاعر السيرة يمثل السيرة الهلالية من خلال الوجدان الشعبي للجمهور، ولهذا تتكون بينهما علاقة مترابطة أثناء عرض (المسرح الشعبي)، كما يذكر (فرانثيسكو جارثون ثيسبدس) في كتابه من مسرح أمريكا اللاتينية مسرح السرد التمثيلي أنه (تقوم بين الراوي الشفهي التمثيلي والجمهور علاقة مباشرة؛ فهو المتحدث الذي يشاركه الفراغ نفسه والزمن. فالحائط الرابع هنا لا وجود له).
وهذا يعود إلى الخيال الذي يعيش فيه جمهور السيرة وممثل السيرة، فكلاهما يحمل في وجدانه وذهنه (ذاكرته) أحداث السيرة الهلالية، ويكون العرض التمثيلي بينهما مشاركة ؛حيث إن كليهما يعتمد على الآخر في تحقيق الهدف من العرض.
وهكذا يكون لكل من الجمهور والممثل دور في عرض (المسرح الشعبي)، كما يوضح (فرانثيسكو جارثون ثيسبدس)، ولذلك (الراوي الشفهي يؤدي دوره مع الجمهور)، وهذا دال على حالة المشاركة بين الطرفين، وهذه الحالة نابعة من خيال وتصور كلا الطرفين عن السيرة.
وهذا يمثل متعة جمالية لكلا الطرفين. إن تجسيد التصورات في النفس له متعة جمالية، فهو نوع من التعبير الجمعي الجمالي من كلا الطرفين.
ولهذا يكون الجمهور طرفاً في الأداء التمثيلي لشاعر السيرة الهلالية، ومشاركاً له في الأداء، وهذه النتيجة توصل لها (فرانثيسكو جارثون ثيسبدس)، أيضا كما توصلت لها، وهذا يعود لأن (السرد الشفهي التمثيلي يَعتَبِر الجمهور طرفا آخر في الحوار؛ وهذا لأن الجمهور عليه استخدام خياله؛ لكي يُحْيي في عقله الشخصيات والمواقف التي تُعْرَض عليه.
فالجمهور في هذه الحالة يتأثر ويؤثر أيضا)، واستخدام الجمهور لخياله يعني أن هناك دورٌ للجمهور في تمثيل السيرة يعتمد عليه الشاعر الممثل في أدائه التمثيلي للسيرة، ولكي يقوم الشاعر بإحياء خيال المُشاهِد فإن له أداءً تمثيلياً معين يستخدمه لذلك العرض من نوع (المشرح الشعبي).

الأداء التمثيلي لشاعر السيرة الهلالية
شاعر السيرة هو من يقوم بمعالجة الموضوع التاريخي للسيرة وتحويله إلى عمل فني، وهو يقوم بذلك الإجراء لحظيا، أي أثناء العرض المسرحي، وهذا بناءً على طلب الجمهور في الاستماع إلى جزء معين من السيرة الهلالية، ولهذا فإنه يعتمد على أسلوب التمثيل الارتجالي.
وهذا ما وضحه (عز الدين نصر الدين) – رحمه الله – للباحث بقوله: (إن السيرة بها حوالي مليون بيت، فسأله الباحث هل تحفظها فأجاب بالنفي، وقال أنا عندما أصعد إلى مكان العرض يَطلُب مني الكثير من الجمهور قصة معينة، فأنا أقوم بعمل تلك الأشعار وقتيا)، ومعنى ذلك أنه يقوم بإعداد النص وتمثيله معتمدا على الارتجال.
ولكي يعتمد الشاعر على هذا الأسلوب في التمثيل (الارتجال) في إحياء خيال المُشاهِد لكي يتصور معه العمل تمثيلا، يجب عليه أن يحيي خياله أيضا، كما يذكر (فرانثيسكو جارثون ثيسبدس)، فيجب (على الراوي أن يرى الصور والمناظر في خياله قبل أن يبدأ في السرد، كما يشتمل هذا على الأحداث والشخصيات والجو المحيط.
كل ذلك يجب أن يراه بجميع تفاصيله وبكل دقه.. فمن المعلوم أن الشيء إذا شوهد من قبل فلن يلجأ من رآه لوصفه بجميع تفاصيله؛ بل سيكتفي فقط بذكر مجموعة من أهم العناصر المعبرة بوضوح عن الغرض الذي يسعى إليه وهو إيضاح الصورة لجمهور (المسرح الشعبي) بالشكل الذي يساعده على استيعاب الموضوع الجيد لتفاصيل الحكاية.
وبذا ينتقل إلى نقل هذا الخيال والتصور إلى الجمهور عن طريق ذهنهم، وهذا يؤدي إلى تحريك خيال الجمهور، فيتخيل ذهنيا كل ما يمثله الشاعر، ويصبح ذهن الجمهور هو مسرح الأحداث الذي يمثله الشاعر له من خلال خياله وتصوره، وبهذا ينقل الخيال إلى ذهن الجمهور.