رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: عندما يصبح (الإعلام) سلاحا فاسدا!

بهاء الدين يوسف يكتب: عندما يصبح (الإعلام) سلاحا فاسدا!
الأضرار الجانبية لتغييب الإعلاميين المتخصصين الدارسين

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

نشأنا في مصر ونحن نعرف بالتفصيل كارثة الاسلحة الفاسدة التي استخدمها جيشنا في حرب 48، وكيف كانت النيران ترتد الى صدور جنودنا بدلا من أن تتجه إلى صدور الأعداء، تذكرت هذه القصة المخجلة وانا اتابع تغطية (الإعلام) للأزمة العابرة بين مصر والمغرب خلال بطولة أمم أفريقيا التي اختتمت مؤخرا. 

إذ أن وسائل (الإعلام) وأغلب الإعلاميين من البلدين، يؤدون نفس دور الأسلحة الفاسدة، وتباروا في إشعال الموقف للدرجة التي أوصلت بضعة تصريحات رعناء من مدرب هنا أو هناك إلى مشروع أزمة سياسية بامتياز بين بلدين لطالما تفاخرا بالعلاقة الودية التي جمعت بين شعبيهما.

وبشكل سريع ربما يفوق سرعة الضوء تحول الأمر في (الإعلام) إلى مزاد رخيص على الوطنية بين إعلاميين من البلدين، بما يمكن أن يتطور في الأيام المقبلة لتكرار التوتر السياسي الذي حدث بين مصر والجزائر في أعقاب موقعة (أم درمان الكروية) الشهيرة.

بهاء الدين يوسف يكتب: عندما يصبح (الإعلام) سلاحا فاسدا!
لعب (الإعلام) المصري والجزائري دور البطولة في إشعال أحداثها وتأليب كل شعب على البلد الآخر

تأليب شعب على الآخر

والتي لعب (الإعلام) المصري والجزائري دور البطولة في إشعال أحداثها وتأليب كل شعب على البلد الآخر، للدرجة التي دفعت إعلامي مصري وقتها (حصل على جنسية خليجية لاحقا) لوصف الجزائر بأنها (بلد المليون لقيط)، وقابله إعلاميون جزائريون باستبدال اسم مصر باسم (مصرائيل).

الملاحظة الرئيسية في تعامل (الإعلام) المصري والمغربي مع الأزمة وتبعاتها، وهى نفس الملاحظة التي تنطبق على تعامل (الإعلام) المصري والجزائري في وقت سابق، تمثلت في افتقاد الطرفين للمعايير الحاكمة للتعامل الإعلامي.

وهو أحد الأضرار الجانبية لتغييب الإعلاميين المتخصصين الدارسين، وافساح المجال للدخلاء الباحثين عن الترند، وجذب المزيد من المشاهدات والمتابعين على حساب الموضوعية ومواثيق الشرف الصحفي التي باتت مجرد أغلفة يكسوها التراب على أرفف اقسام الأرشيف في معظم وسائل (الإعلام).

أولى تلك المعايير الغائبة هى الالتزام بتقديم معلومات صحيحة، موثوقة، وشفافة دون انحياز لصالح طرف على حساب طرف آخر، والفصل بين الحقائق والتحليلات، والامتناع عن نشر تحليلات وآراء ذات طابع استفزازي، أو تضخيم الأحداث لأن ذلك من شأنه تحفيز تحيز الجمهور في كل بلد ضد البلد الآخر.

وكان من الواجب على (الإعلام) المصري والجزائري والمغربي اللجوء إلى المصادر الرسمية الموثوقة، البيانات الدبلوماسية، والجهات المختصة بدلاً من نشر شائعات غير مؤكدة، لمنح الجمهور فهما أفضل ومساعدتهم على وضع التصرفات في نطاقها الفردي، بدلا من الانزلاق إلى تقديم ردود فعل عاطفية تجاه قصص أو مشاهد، بعضها مختلق وغير صحيح وبعضها الآخر مبالغ في تصويره.

بهاء الدين يوسف يكتب: عندما يصبح (الإعلام) سلاحا فاسدا!
مشجع جزائري كان يتحدث مع إذاعة (بي بي سي) قبل مباراة (أم درمان) بغضب شديد وتوعد للمصريين

المشجع لم ينصت للمذيع

أتذكر هنا مشجعا جزائريا في عام 2009 كان يتحدث مع إذاعة (بي بي سي) قبل مباراة (أم درمان) بغضب شديد وتوعد للمصريين، بعدما قرأ في صحيفة محلية هناك خبرا مطولا عن مقتل عدد من المشجعين الجزائريين في القاهرة قبل أو بعد المباراة التي جمعت المنتخبين في العاصمة المصرية، والتي انتهت بفوز مصر ليحتكم المنتخبان إلى مباراة فاصلة تلك التي جرت في (أم درمان).

ورغم أن الخبر مفبرك تماما، وهو ما حاول مذيع البي بي سي توضيحه إلا أن المشجع لم يكن ينصت للمذيع أو يهتم بما يقوله، بعدما سبق السيف العذل وأشعل محرر الصحيفة الجزائرية غير الأمين النار في صدور أبناء بلده، للدرجة التي شجعت بعض المتطرفين لإشعال النار في مقرات شركات مصرية في مدن الجزائر.

وفي القاهرة تسببت التغطية الإعلامية الفاقدة للمهنية والمسؤولية الأخلاقية في دفع مئات المصريين للتظاهر أمام السفارة الجزائرية والمطالبة بطرد السفير.

في الأحداث الحالية كان انسحاب بعض المراسلين الإعلاميين المصريين المرافقين لبعثة المنتخب من المؤتمر الصحفي لمدرب منتخب مصر (حسام حسن) اعتراضا على أسئلة الصحفيين المغاربة المستفزة، عملا صبيانيا غير مسؤول.

مثلما كان مسارعة مواقع وصفحات مغربية لنشر فيديو (إبراهيم حسن) خلال جدال مع مراسل مغربي وهو يعيره بأن منتخب بلاده لم يفز ببطولة أفريقيا منذ 50 عاما.

صحيح أن الإعلام بحسب دراسات غربية منها تلك التي تحمل عنوان (The role of international media in shaping public opinion) يلعب دورا مهما في توجيه الرأي العام تجاه قضايا معينة، ويحدث تأثيرا في الجمهور من خلال التضخيم والتشويه، وإعادة إنتاج سرديات مهيمنة تخدم مصالح النظام السياسي الحاكم.

لكن المثير للسخرية أن (الإعلام) العربي في مجمله يمارس هذا التأثير مجانا، دون أن يكون في خدمة أهداف محددة لهذا النظام السياسي أو ذاك، وإنما يجتهد في تأليب الشعوب العربية على بعضها البعض باعتبار ذلك وسيلة للتسلية أو قتل الفراغ الثقافي والأخلاقي لدى القائمين عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.