رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)

(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري) (المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري) (المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)

(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)
بعض نجوم المسرح المصري عبر تاريخه

كتب: سما أحمد

صدر حديثًا عن الهيئة العربية للمسرح، ضمن إصدارات مهرجان المسرح العربي – الدورة السادسة عشرة، المنعقدة بالقاهرة  كتاب (المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967.. (مسرح بديع خيري)، للكاتب والباحث د. نبيل بهجت.

 وهو عمل بحثي نقدي موسّع يعيد قراءة (المسرح الكوميدي) المصري بوصفه أحد أهم مفاتيح فهم تشكّل العقل الجمعي والضمير الاجتماعي في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين وحتى هزيمة يونيو 1967.

يتناول الكتاب (المسرح الكوميدي) في مصر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بوصفها لحظة مفصلية أعادت رسم خريطة العالم سياسيًا وفكريًا، وحتى هزيمة 1967، باعتبارها لحظة كاشفة لاختلالات عميقة في بنية الوعي العربي.

وهي فترة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على المجال السياسي وحده، بل امتدت إلى أنماط التفكير، وتمثّلات السلطة، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، وهي تحولات انعكست بوضوح على الفنون، وفي مقدمتها المسرح الكوميدي.

ينطلق كتاب (المسرح الكوميدي) من رؤية فكرية تعتبر أن مهمة الفن الأساسية ليست الترفيه أو نقل المعرفة، بل بناء وعي يقظ وضمير حي.

ويرى (نبيل بهجت) مؤلف الكتاب: أن هذا الوعي لا يتحقق عبر تراكم المعلومات أو الغرق في التعقيد النظري، وإنما عبر التجربة والممارسة، والتدريب المستمر على التحليل والتفكيك وإعادة البناء.

فالفن، في هذا السياق، لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يعلّم الإنسان كيف يرى، وكيف يفكّر، وكيف يطرح السؤال، قبل أن يسعى إلى الإجابة.

ويقدّم كتاب (المسرح الكوميدي) الفن بوصفه وسيلة لتشكيل العوالم الداخلية قبل تشكيل الوعي بالعالم الخارجي؛ أداة تُدرّب الإنسان على الإصغاء قبل الكلام، وعلى التفكير والتذكّر والتعقّل قبل الفعل.

(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)
سراج منير وميمي شكيب
(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)
نجيب الريحاني وسليمان نجيب
(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)
يعيد الكتاب الاعتبار للكوميديا المسرحية

إعادة الاعتبار للكوميديا المسرحية

ومن هنا يصبح الفن معنيًا بـ (كيف نرى؟) أكثر من (ماذا نرى؟)، وبطرح الأسئلة لا بتقديم الحقائق النهائية.، وهذه الرؤية تشكّل الأساس النظري الذي ينطلق منه المؤلف في قراءته للمسرح الكوميدي المصري.

في هذا الإطار، يعيد الكتاب الاعتبار للكوميديا المسرحية، رافضًا النظر إليها بوصفها لونًا خفيفًا أو هامشيًا، فالكوميديا، كما يوضح المؤلف، ليست مجرد وسيلة للإضحاك، بل أداة نقدية قادرة على كشف تناقضات الواقع، وتعرية آلياته، وتحريك الوعي الجمعي.

وهي تمتلك، بحكم طبيعتها الجماهيرية، قدرة استثنائية على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، والتأثير في أنماط التفكير والاستجابة والسلوك.

ويرصد كتاب (المسرح الكوميدي) كيف ظل المسرح الكوميدي، طوال الفترة الممتدة من 1918 إلى 1967، أحد أبرز مكونات العقل الجمعي المصري، يساهم في تشكيل مواقفه وردود أفعاله، ويغذّي استجاباته تجاه الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى.

ففي بعض اللحظات، لعب هذا المسرح دورًا نقديًا كاشفًا، وفي لحظات أخرى أسهم في تغذية التفكير العاطفي، وتكريس الحلول القدرية، والنهايات السعيدة، وانتظار المخلّص، بما يعكس التناقضات الكامنة في بنية الوعي الجمعي ذاته.

ويولي كتاب (المسرح الكوميدي) اهتمامًا خاصًا بالعلاقة بين المسرح الكوميدي والحراك الوطني والسياسي في مصر، موضحًا أن هذا المسرح لم يكن دائمًا قوة دافعة للتغيير، بقدر ما كان في كثير من الأحيان مرآة تعكس المزاج العام.

 وتواكب الأحداث دون أن تمهّد لها أو تدعو إليها، فالكوميديا المسرحية، كما يبيّن المؤلف، واكبت ثورة 1919 بأغانيها واستعراضاتها، وغازلت الميل إلى الطرب في الذائقة العامة، أكثر مما قدّمت خطابًا تحريضيًا مباشرًا، وهو ما جعلها عرضة لانتقادات حادة من بعض المثقفين والنقاد في تلك الفترة.

(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)
نجيب الريحاني

بديع خيري والريحاني

يركّز هذا الجزء الأول من المشروع على تجربة (بديع خيري)، بوصفه رائد المسرح الكوميدي المصري، وأحد أهم كتّاب المسرح في النصف الأول من القرن العشرين.

فقد تصدّر اسمه المشهد المسرحي لما يقرب من نصف قرن، وكتب لمعظم الفرق المسرحية الكبرى.

وشكّل مع (نجيب الريحاني) ثنائيًا فنيًا استثنائيًا، كانت ثماره معظم أعمال (الريحاني) المسرحية منذ عام 1918 وحتى وفاته عام 1949، باستثناء عدد محدود من النصوص.

ولا يتعامل كتاب (المسرح الكوميدي) مع بديع خيري بوصفه كاتبًا مسرحيًا فحسب، بل بوصفه ظاهرة ثقافية وفكرية ارتبطت بتشكّل الوعي الوطني المصري.

 فقد جاءت تجربته في سياق التحولات الفكرية والسياسية التي رافقت صعود الحركة الوطنية، وتأثره بالحزب الوطني في بداياته، ثم التزامه بمبادئ حزب الوفد، وهو ما جعل مسرحه جزءًا من النقاش العام حول الهوية، والعدالة، والعلاقة مع السلطة، وحدود النقد الممكن.

من الناحية المنهجية، يعتمد الكتاب على مقاربة متعددة المناهج، تجمع بين المنهج التاريخي لرصد نشأة المسرح الكوميدي وتطوره في سياقه السياسي والاجتماعي.

 والمنهج التحليلي لدراسة البنية الدرامية والأنواع المسرحية المختلفة، والمنهج التحليلي المقارن لمقاربة النصوص المصرية بما تأثرت به من الروافد الشعبية، مثل ألف ليلة وليلة، والسير الشعبية، ومسرح خيال الظل، والأراجوز، والارتجال.

وقد استند المؤلف إلى نصوص مسرحية أصلية، عُثر على عدد كبير منها في صورة مخطوطات داخل مكتبة المركز القومي للمسرح والموسيقى، ما يمنح الدراسة بعدًا توثيقيًا بالغ الأهمية.

(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)

(المسرح الكوميدي) في مصر من 1918 إلى 1967 .. (مسرح بديع خيري)
الطبعة الثانية المزيّدة والمنقّحة لكتاب(د. نهاد بهجت)  نُشر قبل نحو ربع قرن بعنوان (مسرح بديع خيري)

مسرح بديع خيري

يتكوّن كتاب (المسرح الكوميدي) من مقدّمة وثلاثة فصول رئيسية؛ يتناول الفصل الأول تاريخ مسرح بديع خيري، ونشأته، وتكوينه الفكري والنفسي، وموقعه بين معاصريه، مع تحليل معمّق لظاهرة التأليف المشترك بينه وبين نجيب الريحاني.

أما الفصل الثاني فيتناول الروافد الشعبية في مسرحه، بوصفها أحد أهم مصادر تشكيل بنيته الدرامية وخطابه الكوميدي.

 ويخصّص الفصل الثالث لدراسة البناء الدرامي عند بديع خيري، محللًا الأنواع المسرحية التي كتبها، من الفودفيل والكوميديا الاجتماعية إلى الميلودراما والريفيو والأوبريت.

ويأتي هذا الإصدار بوصفه الطبعة الثانية المزيّدة والمنقّحة لكتاب نُشر قبل نحو ربع قرن بعنوان (مسرح بديع خيري).

 في إطار مشروع فكري وبحثي ممتد بدأه المؤلف منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، ومن خلاله سعى إلى دراسة أشكال الفكاهة الشعبية والمسرحية، وفهم روافد تكوين العقل الجمعي المصري، وتحليل دور الفكاهة في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي، وعرض تصوّره النقدي لطبيعة هذا الدور وحدوده.

ولا يقدّم الكتاب خلاصات نهائية أو أحكامًا قاطعة، بل يطرح أسئلة مفتوحة حول العلاقة بين الفن والواقع، وبين الضحك والنقد، وبين التسلية والتواطؤ، وبين بناء الوعي وتغييب العقل النقدي.

وهو بذلك لا يكتفي بقراءة الماضي، بل يستخدمه بوصفه أداة لفهم الحاضر، ومحاولة إعادة التفكير في المسار الثقافي والاجتماعي، والإجابة – ولو جزئيًا – عن السؤال الجوهري: كيف تشكّل وعينا الجمعي؟ وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.