رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية وإبداع  (الفنان الشعبي).. (3)

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية وإبداع  (الفنان الشعبي).. (3)
الشعب هو صاحب الخبرة في الانتقاء

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

(الفنان الشعبي) – (الممثل).. وهو واحد من أفراد الثقافة الشعبية، ولكنه بداخله الموهبة الفنية، التي تستطيع تحقيق المتعة الجمالية التي تؤثر في الشعب من خلال فن المسرح الشعبي، لذلك فهو مجهول في العمل الفني الشعبي، وهذا يعود إلى أن ما يبدعه الفنان الشعبي ما هو إلا حياة الشعب و حياته أيضا.

وبالتالي يذوب (الفنان الشعبي) في العمل، ولا يكون هو صاحب العمل بل  الحياة الثقافية الشعبية هي مصدر هؤلاء الفنانين، إذ أن الشعب هو صاحب الانتقاء لتلك الأعمال، فيوجد الكثير من الأبطال الذين حققوا انتصارات لشعوبهم، ولكن لم يعدهم الشعب أبطالاً شعبيين لهم، فالشعب هو صاحب الخبرة في الانتقاء.

ولذلك يمثل الشعب عتبة الشعور الأولى وهي – كما جاء في  المعجم الفلسفي  الصادر عن  مجمع اللغة العربية – (المستوى الذي تبدأ عنده الخبرة في الظهور في منطقة الشعور، ويختلف باختلاف الأفراد بل ويختلف تبعا لحالات الفرد نفسه من راحة وتعب وتمرين وعدم تمرين).

ولهذا فالشعب هو الذي يمتلك خبرة التمييز بين ما يريده من أعمال تخلد أصحابها من واقع خبرته وحكمه على تلك الشخصيات أو القيم الاجتماعية التي يعيشها، كما أن الشعب هو الحافظ والرقيب على ثقافته – كما جاء في  معجم علم النفس والتربية  الصادر عن مجمع اللغة العربية – إذ أنه يمثل (حوافظ الثقافة cultural conserves: كل ما يسجل مظاهر للثقافة مثل الآثار والكتب والأفلام وما إلى ذلك).

والشعب يحمل في وجدانه ذكريات الماضي والحاضر، كما أنه بداخله جماليات حول تلك الذكريات والقيم التي يحملها، و(الفنان الشعبي) واحد من أفراد الشعب يحمل ذلك الوجدان، ولكنه يمتلك صفة التعبير الفني، والتي يستطيع من خلالها محاكاة ما يدور في وجدان شعبه، من خلال الحس والشعور الوجداني للشعب.

ولذلك يحاول تحقيق تلك الحالة الوجدانية الخاصة بشعبه ومشاركة الجمهور الشعبي في تلك الحالة، فيتقمص وجدانه ويشاركه الحالة الحسية الشعورية، فهو يستجيب لمشاركة الآخر في حالته وينفعل لتلك الحالة بالتعبير- كما جاء في المعجم الفلسفى لجميل صليبا.

حيث إن التقمص الوِجداني  (empathy)  في علم الجمال هو اندماج الشخص في عمل فني أو منظر طبيعي، وفي علم النفس هو الإدراك الانفعالي لوجدانات الآخر ومشاركته فيه،  وهذا ما يعرف بالتعبير الجمعي، الذي يشترك فيه كلا من الجمهور والفنان، داخل العمل المسرحي الشعبي.

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية وإبداع  (الفنان الشعبي).. (3)
(الفنان الشعبي) هو المشارك للإدراك الانفعالي لوجدانات جمهوره

التعبير الجمعي الشعبي

فـ (الفنان الشعبي) هو المشارك للإدراك الانفعالي لوجدانات جمهوره، ولذلك ينطلق معه في التعبير، ولهذا يحاكي الفنان ما في خيال جمهوره وذكرياته، فهما يشتركان في التعبير، ولهذا يتدخل الجمهور في عمل الفنان ويشاركه اللعبة التمثيلية، حيث إن الأداء التمثيلي للممثل الشعبي ما هو إلا انعكاس لما بداخل ذهن وشعور إحساس المتلقي، فهو ليس مؤلفه ولكن هو من يحاكيه وجدانيا.

ومعنى ذلك أن المحاكاة الشعبية، ترتكز على مفهوم الجمهور السابق عن العمل الفني، وأن الجمهور جزء لا يتجزأ من العمل وبدونه لا يكون هناك محاكاة فنية شعبية، فهو الذي يقيمها من خلال فلسفته العامة المنبثقة من واقعه الثقافي، ومن خبراته الحياتية، التي توارثها ويورثها فيما بعد، وهو المنتقي الذي ينتقي تلك الأعمال.

ويعتمد على القدرات الفنية للفنان الشعبي، في تحقيق تلك المحاكاة، ولما كانت تلك المحاكاة تقام بشكل حسي شعوري ذهني، داخل الوجدان الشعبي، فإن (الفنان الشعبي) يتخذ من ذلك مادة لمحاكاته، إذ أن محاكاته للعمل الفني مستمدة من الجمهور عبر العناصر التالية:

حس الجمهور:

وهو عبارة عن المنبهات الحسية التي أثرت في الجمهور حسيا، وبالنسبة إلى الفنان فإنه قد تعرف على تلك المؤثرات الحسية التي تثير حواس الجمهور.

ذهن الجمهور:

وهو المستودع الذي يحوي الخيال والتصورات المخزنة لدى الجمهور، من أعمال تاريخية أو قصص.. الخ، وهنا يجمع (الفنان الشعبي) تلك التصورات والخيالات ويرتبها في الصورة الفنية، التي تحتوي على المثيرات الحسية للجمهور، وهذا يحدث في ذهنه وعقله.

شعور الجمهور:

ويتمثل في الميل إلى مشاهدة تلك الموضوعات مصورة بصريا وسمعيا من قبل الجمهور، ومن شعور الجمهور يشعر الممثل بعمل العرض المسرحي في صورته الأدائية التي تحقق تلك المتعة للجمهور.

المتعة الجمالية:

وهي تتحقق باشتراك كلٍ من الفنان والجمهور في إقامة عرض مسرحي شعبي، يكون نتاج ما ينتقيه الجمهور من أعمال.

ومما سبق نلحظ أن البناء الحسي للمجتمع أساس العملية الإبداعية في المسرح الشعبي، إذ يشكل العلاقة الجمالية بين (الفنان الشعبي) والجمهور، وتلك العلاقة تظهر في صورة البناء الخارجي المتكون من (المكان – الممثل – النص – الجمهور)، ويظهر من خلال تلك البني الأشكال المسرحية الشعبية في صورة الإبداع الشعبي المسرحي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.