

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
في عام 1948، لم تكن (أم كلثوم) في طور الصعود، بل في قلب القمّة.. كان صوتها قد استقرّ، وحضورها اكتمل، ومكانتها صارت حقيقة لا تُجادَل، ولا محتاجة إلى تأكيد.
في هذا التوقيت تحديدًا، خرجت إلى جمهورها بأغنية (غلبت أُصالِح في روحي)، كلمات أحمد رامي، وألحان رياض السنباطي، وقدّمت واحدة من أخطر لحظات الاعتراف في تاريخ الغناء العربي.
تبدأ الأغنية بجملة تمسك المستمع من أول سطر، وتدخّله جوّه الصراع مباشرة:
(غلبت أصالح في روحي عشان ما ترضى عليك).
نحن هنا لسنا أمام عتاب صريح، ولا شكوى مباشرة، بل أمام محاولة هادئة – ومتعبة – لإنقاذ علاقة على حساب النفس.
(أحمد رامي) لم يكتب عن حب رومانسي جميل، لكنه كتب عن حب استهلك طاقته، لدرجة إن الإنسان بقى محتاج يهدّي روحه شوية… علشان يكمّل.
يمشي النص خطوة خطوة، ويكشف ثمن الاستمرار ده من غير مبالغة:
من بعد سَهدي ونوحي ولوعتي بين إيديك
صعبان عليّ اللي قاسيته في الحب من طول الهجران).

الوجع نفسه بسيط في شكله
اللغة هنا بسيطة وقريبة، يمكن أن يكون الوجع نفسه بسيط في شكله، ثقيل في أثره.. رامي لم يلجأ لصور عالية ولا كلمات بعيدة؛ اختار مفردات كلنا نعرفها، لأن (الألم اللي بيحكيه ده بيحصل كل يوم.. وبصمت).
وبعد ذلك ياتي السؤال الذي يقلب الأغنية من شكوى لمحاسبة ذاتية:
(ما أعرفش إيه اللي جنيته من بعد ما رضيت بالحرمان).. (الحرمان هنا ما اتفرضش، ده اتقبِ).
وهنا مربط الفرس: (الحب ما بقاش اندفاع، بقى عادة مؤلمة، ومعاها يظهر الطرف التاني بملامح واضحة):
(وقلبك إنت عليّ ضنين).
رياض السنباطي يلتقط تلك الحالة بحساسية شديدة.
(اللحن ما يجريش، وما يستعرضش، لكنه ماشي بالراحة، كأنه بيفكّر قبل ما ينطق.. يسيب مساحات للصوت، ويدي للكلمات وقتها، من غير ما يُذوِّق الألم ولا يلمّعه).
وتأتي اللحظة الفاصلة عند قول (أم كلثوم):
(صبحت أشتكي منك لروحي وفضلت أخبّي عنك جروحي).. (هنا الشكوى ما بقتش للحبيب، بقت للنفس.. نقلة ذكية ومؤلمة، بتقول إن الكبرياء لسه موجود، بس الوجع بقى جوّه).

خطورة أداء (أم كلثوم)
في هذه النقطة تحديدًا، تظهر خطورة أداء (أم كلثوم).. (الكلمات دي، وهى طالعة من صوت (أم كلثوم) في عز نضجه، ما تتسمعش ضعف، تتسمع صدق.
وحين تقول:
(مجروح وضامم جناحه على الجراح اللي فيه).. (الصورة ما تبقاش تشبيه وبس، دي تبقى حالة كاملة).. (في جناح، آه.. بس الطيران صعب).. (حتى الزمن، اللي كانت المتكلمة متّكِية عليه شوية، ينقلب في الآخر):
حتى الزمان اللي كان عطفك يعيني عليه
خلّاني أرضى الهوان وأسلم الروح إليه
(الزمن ما عادش حليف، بقى شاهد).
زتنتهي الأغنية من نفس الباب اللي دخلت منه:
وأبات أصالح في روحي عشان ما ترضى عليك.
(دائرة مقفولة، لا حلّ، ولا قطيعة، بس استمرار).
هكذا، في عام 1948، غنّت (أم كلثوم) التعب الإنساني دون أن تفرّط في هيبتها.
كتب أحمد رامي بصدق الذي جرّب، ولحّن رياض السنباطي بعقل فاهم قيمة الصمت، وغنّت (أم كلثوم) من فوق القمّة.. فبقيت الأغنية شاهدًا على إن العظمة الحقيقية ليست دائما في القوة.. أحيانًا في الجرأة على الاعتراف.