
بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
في الأزقة القديمة التي يفوح منها بخور المساجد وتتصاعد منها أصوات الباعة المنادين على الحلوى والحمص، في قلب حي الحسين، وُلِد عام 1896 طفل اسمه (زكريا أحمد).. لم يكن يدري أن بداياته الصغيرة ستكبر لتصبح حكاية وطن، وأن صوته الداخلي سيغدو فيما بعد ذاكرة موسيقية لمصر كلها.
كان أبوه حافظًا للقرآن ومستمعًا جيدًا للإنشاد الديني، فتأثر به وغرس في قلبه عشق المقامات، بينما حملت أمه ذات الأصول التركية حنانًا ورقةً جعلته يجمع في دمه بين الصلابة الشرقية والشفافية العثمانية.
حفظ (زكريا أحمد) القرآن صغيرًا في الأزهر وأتقن التجويد حتى شهد له الشيوخ بعذوبة صوته وصفاء نبرته.. ومنذ تلك اللحظة صار اللحن عنده مثل التنفس، يترجم به وجعه وفرحه، دعاءه وضحكه.
جلس (زكريا أحمد) في حلقات الذكر يسمع الموشحات، فانتقل به الوجدان من الأرض إلى السماء، وأدرك أن الموسيقى عبادة أخرى، وباب نحو المعنى الأعمق للحياة.
في عشرينيات القرن الماضي، كان المسرح الغنائي هو نافذة الناس على الأحلام.. هناك وجد زكريا نفسه، يضع ألحان الأوبريتات التي عاش معها الجمهور: (عزيزة ويونس، البروكة، يوم القيامة).
كانت ألحانه بسيطة وعميقة، تخاطب البسطاء في المقاهي كما تخاطب المثقفين في الصالونات. كان يعرف كيف يصنع لحنًا يمشي حافيًا في الشارع، وكيف يجلس ملكًا على عرش الطرب في القلوب.

أم كلثوم: اللقاء القدري
ثم جاءت اللحظة الفارقة: لقاء (زكريا أحمد) بأم كلثوم.. كانت بعد في بداياتها، ترتدي العباءة الريفية وتغني للشيخ أبو العلا محمد. استمع إليها زكريا، فعرف أن هذا الصوت ليس عاديًا، وأنه يحتاج إلى ملحن يمنحه جناحين من نار وندى.
بدأ معها رحلة جعلت الاثنين معًا أسطورة: (غني لي شوي شوي، أنا في انتظارك، الآهات، الورد جميل، عن العشاق سألوني، الأولة في الغرام، هو صحيح الهوى غلاب).
لم تكن مجرد أغنيات، بل كانت وجدانًا حيًا، فيها مصر كلها: الحب حين يزهر، اللوعة حين تستعر، الصبر حين يطول.
لكن وراء كل عظمة حكاية إنسانية دامية.. فقد (زكريا أحمد) ابنه محمد، فانكسر قلبه كنافذة تحطمت في ريح عاتية. جلس صامتًا لا يذرف دمعة، حتى خشيت أم كلثوم أن يقتله الحزن. قالت لمن حوله: (ابعتوا لبيرم).
حين جاء (بيرم التونسي)، أدرك أن عليه أن يوقظ قلب صديقه بالكلمة.. جلس يغني له بعض الأبيات حتى وصل إلى:
حطيت على القلب إيدي وأنا بودع وحيدي
وأقول يا عين.. يا عين بالدمع جودي
عندها انهمرت دموع زكريا، وراح يمسك عوده، يدندن وهو يبكي، حتى اكتمل لحن (الأولة في الغرام).. لم يكن مجرد دور، بل كان صلاة أبٍ منكسر فقد فلذة كبده.
حين غنّت (أم كلثوم) الأغنية، لم يسمع الناس صوتها وحده، بل سمعوا نحيب الشيخ، وأحزان أب جُرح في أعماقه.. صارت الأغنية عزاءً جماعيًا، وجد فيها الناس صدى لدموعهم الخاصة.

(حلم): نشوة الوصل ولو في المنام
ولم يكن (زكريا أحمد) مجرد ملحن للأحزان، بل كان أيضًا صانعًا للفرح، يسكب في النغم ألوان اللقاء والشوق.
من أجمل ما لحّن أغنية (حلم) التي غنتها أم كلثوم، وفيها ينساب اللحن مثل ماء رقراق، يبدأ بالوصال بعد طول انتظار:
حبيب قلبي وافاني في ميعاده
ونول بعد ما طول بعاده
ثم يتصاعد الأداء في جمل لحنية بديعة، تتنقل بين الطرب الخفيف والمقامات الشرقية العميقة، في حالة من الحوار الغنائي بين قلبين:
يقول لي: قلبي بيودك.. أقول له: قلبي أنا أكتر
يقول لي: قد إيه حبك؟ أقول له: فوق ما تتصور
الموسيقى هنا ليست مجرد مرافقة للكلمات، بل هى معادل شعوري كامل؛ الوتريات ترقص مع البهجة، والناي يئن بخشوع العاشق، بينما الإيقاع يتهادى كخطوات المحبوب القادم من بعيد.
وحين يبلغ الغناء ذروته في وصف اللقاء الحالم، يذوب المستمع مع العبارات:
نسينا الدنيا ولهينا في هوانا وطرنا وعلينا
لا عواذل واقفة حوالينا ولا ذنب يتعد علينا
وكأن (زكريا أحمد) يصنع ملاذًا طاهرًا للعشق، لا يلوثه رقيب ولا يعكّره لوم، قبل أن ينكسر الحلم في النهاية، ويتحوّل الوصال إلى طيف في المنام:
وأنا في دي النعيم هايم
لقيته منام وحلم وراح مع الأحلام
إنها لوحة موسيقية متكاملة، تجمع بين الحلم واليقظة، بين الوصل والفقد، بين فرحة اللقاء ووجع الاستيقاظ على الخيال. في “حلم” كشف زكريا أحمد عن عبقرية تجعل الحلم نفسه لحنًا خالدًا، يلامس القلب حتى لو كان مجرد خيال عابر.

خلافات وصراع الحق
لم تكن مسيرته مع أم كلثوم دائمًا واحة سلام.. كان زكريا رجلاً لا يقبل الاستغلال، فرفع قضايا على الإذاعة وعلى كوكب الشرق نفسها مطالبًا بحقه، في وقت كان المغني يشتري اللحن ويعتبره ملكًا خاصًا. قاطعها سنوات، ثم عاد اللقاء بعد الصلح، ليمنحها آخر ما لحّن لها: (هو صحيح الهوى غلاب)، أغنية مصالحة ختمت مسيرتهما.
لم يكن (زكريا أحمد) ملحن أم كلثوم وحدها.. وزع روحه على أصوات عدة: (منيرة المهدية، أسمهان، ليلى مراد، فايزة أحمد، ورتيبة أحمد)، كما اعتمدت فرق الريحاني وعلى الكسّار على ألحانه في أوبريتات ضاحكة.. طيفه الموسيقي كان واسعًا، من الطقطوقة الخفيفة إلى الموشح العميق، من الأغنية الشعبية إلى الدور الطويل، ومن المسرح الغنائي إلى صوت الحارة المصرية.

الرحيل والخلود
في 14 فبراير 1961، رحل (زكريا أحمد).. بكتْه مصر كلها: الأزقة، المقاهي، حلقات الذكر، وأم كلثوم التي غنّت بدموعها، والجمهور الذي عاش معه نصف قرن من الألحان، لكن رحيله لم يكن نهاية.
في كل مرة يُذاع فيها (أنا في انتظارك)، أو تتهادى (الأولة في الغرام)، أو يحلّق (حلم)، أو يشتعل (هو صحيح الهوى غلاب) يعود (زكريا أحمد) من جديد، كأنه لم يرحل.
لقد كتب بلحنه تاريخ الوجدان المصري، من دمعة أبٍ مكلوم إلى ابتسامة عاشق على مقهى.
هو شيخ الملحنين، الذي علّمنا أن الفن حياة، وأن الحياة ليست سوى لحن طويل لا ينتهي.