رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: جماليات (الفن) المسرحي العربي (5)

كمال زغلول يكتب: جماليات (الفن) المسرحي العربي (5)
الواقع العام لا يهتم به قصص الصييت

بقلم الباحث المسرحي: الدكتور كمال زغلول

فن القص تم الحديث عنه في المقالة السابقة، وتم توضيح ضرب بعض الأمثال، عن هذه الطريقة التمثيلية ذات التأثير على المستمع لهذا (الفن)، ولابد من التعرض لحبكة هذا الفن حيث أنها من الحبكات النفسية المعقدة، فبناء الحبكة في تلك النصوص يعتمد على بناء الأحداث بشكل جديد.

فالأحداث في تلك النصوص تعبر عن واقع نفسي للشخصيات ولا تهتم بقضايا خاصة أو عامة أو سياسية، بل تهتم بقضايا أخرى أغلبها يخص القيم الدينية وعلاقتها بالمجتمع، والحبكة في هذا الفن) المسرحي لا تركز على الزمان والمكان والشخصيات، بل تركز على ما بداخل نفسية الشخصيات من قيم.

فالحبكة لهذا (الفن) تركز على الحالة النفسية للشخصيات وما تكنه نفوسهم، وليس كما هو معتاد في الحبكات المسرحية التركيز على الواقع العام للشخصيات، فهذا الواقع العام لا يهتم به قصص الصييت، ولكن يهتم بالواقع والعالم النفسي المحيط بالشخصيات.

ولذلك يتم ترتيب تلك الأحداث وفق الحالة النفسية التي تحوي شخصيات العمل  بطريقة متدرجة حتى تبلغ الذروة، ثم تبدأ الانفراجة  النفسية أيضا، عن طريق انتصار المظلوم أو الملتزم المتبع طريق الله.

والقصة  التي يقصها (يوسف شتا) كما تم التوضيح من قبل دالة على أنها تخص النفوس البشرية، فأخ نفسه خيرة يتوفَّى ويترك أبناءه إلى أخيه الطماع، والصييت هنا يبث في المُشاهِدين مجموعة من الصورة السمعية التي تحتوي على تلك الحالات النفسية، ومن خلال ذهنه يتخيل تلك الصورة السمعية التمثيلية، فتثير مشاعره، وتستحوذ على حواسه.

إذ أن أهم ما يفعله الصييت هو الاستحواذ على حواس المُشاهِد من خلال حاسة السمع، معتمدا على البنية الداخلية والتي تتمثل في التصورات والخيال (الحس – الذهن – الشعور، إذ هو يربط جميع حواس المُشاهِد ببعضها البعض عن طريق الصورة السمعية.

كمال زغلول يكتب: جماليات (الفن) المسرحي العربي (5)
أهم ما يفعله الصييت هو الاستحواذ على حواس المُشاهِد

الصورة السمعية

فهو يصور للمشاهد مفردات البيئة الحياتية للأفراد، ويشعرهم بجميع الحواس الأخرى بجانب حاسة السمع، كما تم التوضيح في المقالة السابقة ، ونضرب مثل من القصة يوضح الصورة السمعية:

حسين الكبير لوسأل عن أي شئ مدوه

وفرشوا بالشوك طريقه بالعذاب مدوه

وحتى الأيام على غدر الزمان مدوه

ومرات عمه الدريني وحشة نساية

بتنكر الود للمعروف نساية

جه يشكي للغلب والأيام نساية

سحبت عصاية ولولادها الكبار مدوه

هي وعيالها يا عيني بهدلوه من الضرب

فقد استطاع الصييت أن يُشعِر المُشاهِد بجميع حواسه الأخرى، ففي تلك الصورة، يتخيل المُشاهِد منظر العذاب الذي يتعرض له حسين، وفي تلك الصورة يشعر المُشاهِد بحاسة اللمس من خلال ضرب حسين بالعصا، وهنا شاهد المتلقي الصورة بخياله وتحركت حواسه جميعها نحو الشعور بها، وهذه هى براعة (الفن) الصييت في تمثيل القصص الشعبي.

ومما سبق نستنتج أن قصص الصييت لها بناء أدبي تمثيلي، وهذا البناء له أسس وقواعد قائمة على المماثلة بين الشخصيات، ويعتمد على ظهور الجوانب النفسية للشخصيات، لبث معانٍ في نفسية المُشاهِد.

وقد يعتقد البعض أن حركات الصييت بالإيماءة والإشارة هي من صميم تمثيل الصييت للشخصيات، ولكن الصييت لا يمثل شخصية بل يمثل قصة بأكملها وأساس تمثيله للقصة يعتمد على الصورة السمعية وذهن المُشاهِد، وإن كان يركز على شخصية ويقوم بعمل إيماءات وإشارات لها فهو فقط يريد أن يؤكد على معنى من المعاني في الشخصية التي يمثلها، ولكن تمثيله الحقيقي من خلال البنية الداخلية التي تتمثل في الخيال والتصورات – الحس – الذهن – الشعور، فهو يعتمد على مفهوم التمثيل السابق الإشارة إليه في الفصل السابق، والمستخدم داخل الحياة الشعبية.

بهذا نلاحظ أن طريقة فن الصييت لها جمالية خاصة في التمثيل، فقد يعتقد البعض أن التمثيل مقتصرا على الشكل المسرحي الغربي الذي يمثل فيه الممثل شخصية واحدة، ويعتمد على الحركة والإيماءة والإشارة، ولكن الصييت يمثل  حساً ومشاعرَ من خلال التصورات الخاصة بذهن الجمهور، ومن وصف وشرح تلك الطريقة التمثيلية عند الصييت نضع لتلك الطريقة تعريفا دالاً عليها وهو:

كمال زغلول يكتب: جماليات (الفن) المسرحي العربي (5)
الطريقة التمثيلية الخاصة بمسرح الصييت، يعتمد فيها الممثل الشعبي على حواس المُشاهِد

مسرح الصييت

الطريقة التمثيلية الخاصة بمسرح الصييت، ويعتمد فيها الممثل الشعبي على حواس المُشاهِد في تمثيل العمل المسرحي الشعبي، وذلك يتم من خلال استخدام الممثل الشعبي (الصييت) لصوته في التأثير على حاسة السمع عند المُشاهِد والسيطرة عليها، إذ يقوم الصييت بتمثيل النص الأدبي التمثيلي الشعبي في شكل (صور سمعية ذهنية) وهذه الصور السمعية الذهنية تنتقل عبر صوت الصييت إلى حاسة السمع عند المُشاهِد، مما تثير في ذهنه تصوراً وتخيلاً للعمل التمثيلي كأنه يراه.

وبالتالي تتأثر بعد ذلك جميع حواس المُشاهِد، مما يترك أثراً يؤثر في مشاعر المُشاهِد.ونتيجة هذا الأثر يقوم المُشاهِد بالتعبير عن مشاعره المتأثرة بالأداء التمثيلي للصييت، بالصوت والحركة والإيماءة والإشارة، وبذلك يظهر تأثير العمل الفني على المُشاهِد أثناء العرض.

وينتج عن تلك العملية التمثيلية الشعبية متعة تأثيرية جمالية لكلا الطرفين الممثل والمُشاهِد ، وبهذا تعرفنا على واحدة من الطرق التمثيلية في فن التمثيل العربي ، والتي تعتمد على ممثل فرد ، يؤدى جميع الشخصيات ، مصورا النفس البشرية للمستمعين ، ويجب التنويه أن هذا الفن مازال حي يؤدي ، في الكثير من المحافظات المصرية ، وله شعبية كبيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.