
بقلم الكاتب الصحفي: محمد شمروخ
لأول مرة أرى تصرفاً متعالياً طبقياً، فلا يستفزني، ولا أجدنى معارضاً له ولا محتجاً عليه، بل أشيد به، وبمن اتخذه، وبمن أشار باتخاذه في تشييع جنارة الفنان الكبير الراحل (هاني شاكر) بشكل مختصر!
فقد وضعت – وقلما يحدث هذا – كل ميولى واتجاهاتى وإيماناتى الاشتراكية القديمة والجديدة جانباً في ركن مهمل (مؤقاً) لأشجع القرار الذي قضى باقتصار تشييع جنازة الفنان الكبير الراحل (هاني شاكر) – رحمة الله عليه، كآخر ممثل لجيل المطربين العظماء.
فلضرورة استكمال صورة الاحترام الذي يمثله أمير الغناء العربي بالإطار الذهبي، كان لابد أن تتم آخر رحلة له في هدوء تام بعيداً عن ضجيج الزحام بكل ما فيه من مظاهر مستفزة كانت متوقعة لو تركت جنازة (هاني شاكر) لكل من هب ودب!
لكن الذي هب والذي دب، لست أنت ولا أي أحد من عشاق قيم الفن والجمال والإبداع، بل هم تلك الفئة الكريهة من المتطفلين من الجماهير من مدعى العمل بالصحافة في أسوأ عصورها، عبر المواقع الصفراء المتخصصة في التفاهات، وكذلك (التيك توكجية، اليوتيوبرجية، الفيسبوكجية).
ومن هم على تلك الشاكلة، من الذين صاروا يشكلون أكثر الظواهر اللعينة انتشاراً حتى فاقوا بلطجية أماكن انتظار السيارات!في التطفل والبلطجة والانتشار!.
(هانى شاكر) كما يعرف الجميع إنسان يعشق الهدوء والاحترام لدرجة أنك يمكن أن تصفه بأنه مدمن لكل أنواع الهدوء والاحترام).

تطابق بين الاسم والشخصية
نعم.. إنه المطرب الوحيد الذي عاش حياته كلها يحرص على أن يعيشها في هدوء وسكينة، بعيدا عن الصخب والضجيج مع أنه أحد رموز مجال لا يستغني عن الضجيج.. فكيف بالله قدر (هاني شاكر) عليها.
كان ذلك يظهر بوضوح في طريقة اختيار ألحان وكلمات أغانيه وفي طريقته في الأداء وفي تعامله مع المحيطين به.
لقد نشأ (هاني شاكر)، ولاحظ التطابق التام والعجيب بين الاسم والشخصية والأفعال!، فهو ذلك الفنان الاستثنائي، الناشئ في (مرحلة العمالقة)، بدأ حياته الفنية كعصفور مفروض عليه أن يبنى عشه بالقرب من أوكار الصقور!
ومع ذلك نجح (هاني شاكر)، وخرج من مرحلة العصفور ولمع وتفوق وصار أميراً باختصاصات ملكية في بلاط مملكة الغناء العربي!
وكلنا يدرك حقيقة أن ذلك الزمن كان زمناً يسيطر فيه على ساحة الغناء (أم كلثوم، والعندليب ووردة وفايزة ونجاة ورشدى وقنديل)، وغيرهم من ملوك وملكات وأمراء وبارونات تملأ الممالك الغنائية.
كانت الجماهير منذ بداياته الأولى، تردد وراء (هاني شاكر) كل أغنية يشدو بها بشكل وطعم ولون مختلف ومميز جعله جديراً بالمنافسة دون أن يسلك أى مسلك سوى أن يحافظ على أسلوبه المميز كفنان وكإنسان!
والجميع يعرف مدى صعوبة الجمع بين الفنان والإنسان خصوصاً في ساحات القتال من أجل النجومية والحفاظ عليها في ميادين القتال.
ورغم كثرة العيون المتسلطة، لم يرصد له أحد أى موقف سخيف أو تصرف تافه أو سمع منه كلمة تؤخذ عليه!
ليس هذا فقط، فقد حافظ (هاني شاكر) على مكانته التى حققها طوال رحلة عمره، بنفس درجة الهدوء – وفي هذا وحده معجزة – خاصةً بعد غزو الجيل التالي له للساحة مع أساليب حديثة في جوهر ومظهر الأغانى والموسيقى والمطربين، فرضتها سيطرة سوق الكاسيت على الأغنية ثم ظهور الفيديو كليب وكذلك الألبومات الغنائية.
ومع ذلك بقى (هاني شاكر) محتفظاً بقيمته ومكانته على نفس الدرجة متجاوزا كل هذه التقلبات دون أن يصطدم بها أو تلوثه أجواؤها، فلم يستطع أحد أن يدفعه إلى الظل أو يزخزحه عن أذن مستمعي الطرب العربي، برغم احتدام المنافسة وبطرق غير محترمة من كثيرين.

نقاء صوته وروحه
إلا أنه حافظ بقدرات يمكن وصفها بالعبقرية، على نقاء صوته وروحه وسمعته ونزاهته الفنية والشخصية، فلم ينحدر لصراعات ومعارك بذل فيها البعض جهوداً مضنية لجره إليها، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، تماماً كما تم إفشال أى محاولة مجهولة كان يمكن أن تعكر صفو رحيله ولا نقاء الأحزان خلال تشييع جنازته أو عند مراسم دفنه!
بصراحة: أصبحنا الآن جماهير غير مأمونة العواقب، كل السخافات التى وقعت في جنائز المشاهير كان يمكن أن تتكرر في جنازة (هانى شاكر).
فمنذ ابتلينا بكاميرات التليفونات المحمولة، ونحن نعيش أيامنا وليالنا في كرب شديد.
كل ساعة فضائح وترندات لا يهم أن تكون حقيقية أو مفتعلة، فقد صار اقتحام الخصوصيات وهتك الأسرار والتطفل على الناس، بل ونبش مقابر الموتى، كأنه حق طبيعي لكل من حمل في يده هاتف بكاميرا.
فلا احترام لخصوصية الحياة ولا لحرمة الموت ولا لأسرار الناس ولا لأحزان المكلومين بفقد أعزائهم، بسبب هذا الهوس السرطانى المنتشر!
ملعون التيك توك، ملعون الفيس بوك، ملعون الانستجرام، ملعون الإكس، ملعونة كل مواقع الجحيم الافتراضي التى حولت حياة الناس إلى مهازل وفضائح منتظر عرضها على شاشات الموبايلات كل لحظة!
لكن الخسارة الوحيدة الناتجة عن القرار الحكيم، هى أن الخوف مما قد يحدت في الزحام، قد أضاع فرصة مشاركة جماهير عريضة من المحترمين الحقيقيين من عشاق صوت (هاني شاكر)، ودعت روحه بقلوبها عن بعد، بينما كانت تهفو إلى أن تودع جثمانه بعيونها عن قرب!
ولكن في المحصلة الأخيرة.. سواء كان القرار بحصر المشيعين على أعداد وفئات محدودة، وفي مكان شبه مغلق، كان صادراً بسبب مبررات أمنية أو مرورية أو عائلية – أياً كان – فهو قرار حكيم رغم قسوته، ولعله يكون بمثابة رسالة بأننا يجب أن نراجع أنفسنا وبضرورة أن نحكم لجام حماقاتنا.
فقد صار أى تجمع في أى مناسبة، يشكل بيئة خصبة لإنتاج وإخراج كل ما هو قبيح في مجتمعنا الموبوء بما لا يحتمل عرضه أو تفصيل القول فيه!