


بقلم الكاتبة الصحفية: ولاء جمال
دوما ما تدهشني تلك الحالة التي تفردت بها (شادية) من التناقض الممتليء بالصدق الذي ميز تجربتها من الانتقال إلى الضوء الخارجي، وهو الشهرة بكل ما عاشته (شادية) من حرية في تجاربها الحياتية إلى الضوء الداخلي، وهو السكينة انه انتقال لم يكن فيه خط رجعة أو حتي التفاتة للوراء.. هذه الحالة من الصدق في العزلة كفعل (استغناء) لا (انكسار).
(شادية) مارست مايمكن تسميته (الزهد المكتمل)، لقد أيقنت أن الصورة هى قيد، وأن الحرية الحقيقة تكمن في ألا تكون مرئيا إلا لخالقك، فصدقت في موت (الأنا)، حب الظهور هو في جوهره تغذية للأنا والصرامة التي أبدتها شادية تدل علي أنها نجحت في تحطيم هذه (الأنا).
عندما قالت أريد أن أرتاح (لم تكن تقصد الراحة الجسدية فقط بل التحرر من نظرة الآخريين وتقيمهم)، وهذا الصدق هو الذي منعها من (مداعبة) الجمهور بصورة أو بخبر لأنها لم تعد تري نفسها (نجمة).. بل (عابرة سبيل).
(شادية) تعاملت مع صورتها القديمة كأمانه تركتها للناس، ومع وجهها بعد الاعتزال كسر بينها وبين الله.. ظهورها من جديد كان سيخدش تلك الحالة من القداسة التي أحاطت بها عزلتها.. هى لم تكن صارمة مع الجمهور بقدر ما كانت صادقة مع اللحظة التي اختارتها لحظة التفرغ التام مع الحب الأسمي .
البعض يترك الباب مواربا، لأنه يخاف من النسيان لكن (شادية) بوعيها الفطريّ أدركت أن الحضور الحقيقي يكتمل بالغياب، فبقدر ما احتجبت عن الأبصار تضاعف وجودها في الوجدان.. الصرامة هنا كانت (سياجا) يحمي روحها من العودة الي صخب لم يعد يشبهها.


اعتزلت العالم لتعيش عالمها
لقد صاغها الحب الذي يبداً لترك كل شيء لإمتلاك كل شيء، وهذا ماجعل تجربتها فريدة.. هى لم تعتزل الفن فقط بل اعتزلت العالم لتعيش عالمها.. كان انقطاعها حالة من الترك الإرادي الكامل ليس كبرا.. بل انشغالا بحالة أسمي.. إنه انقطاع لا يشوبه حنين للرجوع .
إنها وصلت لتلك القوة النفسية بأن تصل لمرحلة الاستغناء بالله عن الأضواء.. الصارم قد يكون مجاهدا لنفسه.. أما المستغني فهو لم يعد يري في الظهور قيمة تذكر.. إنه اكتفاء داخلي جعل من فكرة الصورة أو الشهرة امراً ضئيلا لا يستحقّ الالتفات.
فعاشت حالة من (الخلاص).. لقد أتمت رسالتها الفنية بصدق، ثم أتمت انسحابها بصدق أشد.. وكأنها أغلقت الباب خلفها بمفتاح من نور لا يفتحه سوي السكينة .
سألت (ناهد شاكر) ابنة شقيق (شادية) ذات مرة عن قصة الغرام الأخيرة في حياتها، وقلت لها أجمل قصة غرام حدثيني عن جمالها بينها وبين ربها؟
قالت: إن تدين (شادية) لم يكن مجرد طقوس مظهرية، بل حالة من التصوف الجميل والعميق، هذا الجانب كان شديد الخصوصية، حيث كانت تفضل الصمت والابتعاد عن الأضواء لتختلي بمناجاتها.
وخلافا لما يعتقده البعض أن الاعتزال كان لحظة طارئة، تقول (ناهد): إن (شادية) نشأت علي ذكر الله والبر بوالديها وأهلها.. كانت حياتها قائمة علي البر كعبادة، فكانت ترى في تعاملها الإنساني مع من حولها وجها من وجوه محبتها لله .
كان هناك أثر للفقد والارتحال عن الأضواء، إذ كان لرحيل شقيقها (طاهر) أثر بليغ في تعجيل قرارها بالراحة.. فقد كان رفيق دربها الذي يشاركها في قراءة السيناريوهات ويناقشها في تفاصيل يومها.. بعد غيابه شعرت بثقل غريب تجاه العمل، حتي إنها لم تعد تقوي علي قراءة النصوص التي تعرض عليها، فضلت الانزواء بعيدا عن صعب البلاتوهات وعذاب التصوير الذي يستهلك الروح والجسد .
كان هناك حالة من القلق الوجودي تنتاب (شادية) في أوج نجاحاتها، فبرغم حب الجمهور والسعادة الظاهريّة، كان هناك نداء داخلي يوقظها في الليل بحثا عن راحة لاتجدها في الأضواء، بل في العودة الي الذات والمكتبة والقراءة .

الفن رسالة وموهبة من الله
كان لدى (شادية) في لقاءها الأخير مع الدكتور (مصطفي محمود) نبرة من الامتنان وعرفانها بالجميل واعتزازها بالجمهور الذي ملأ حياتها سعادة، معتبرة أن الفن رسالة وموهبة من الله، لكن في النهاية كانت اللحظات الأجمل هى التي تلك الحالة تختلي فيها بنفسها مع حب حياتها الحقيقي (وهو الله ).
رسمت (ناهد) ابنة شقيق (شادية) الغالي على قلبها (طاهر) تلك اللوحة لعمتها (شادية) في أيامها الأخيرة عندما كانت تحارب الحزن بالفن، والفن حين يمتزج بالحب والقرابة ينتج عملا له روح خاصة كما فعلت (ناهد شاكر) في هذه اللوحة التي اعتبرها وثيقة إنسانيةً تعبر عن جوانب من حياة (صوت مصر) المصحوب بالشجن.
مثلما قالت (ناهد) عندما وصفت بساطة السعادة في فرحة (شادية) بوردةً توضع في كوب بجانب سريرها يعكس طبيعتها الرقيقة والزاهدة.
ماذكرته (ناهد) عن مشهد حب الناس والتفافهم حول (شادية) في لحظات تعبها، يؤكد أن رصيد الفنان الحقيقي لا يقاس بعدد أعماله فقط ، بل بمكانه في قلوب الملايين التي لا تنام قلقا عليه و(شادية) هى حبيبة القلوب التي تظل راسخة في وجدان الجمهور على اختلاف مستوياته.