
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
هل يمكن أن تكون الأزمة الحالية في الشرق الأوسط وتداعياتها على مصر داخليا وخارجيا، فرصة تاريخية جديدة، لكي يدرك السادة المسؤولون عن ملف (الإعلام) في الدولة، حاجة مصر إلى إعلام رشيد، ينتقد ليس بهدف الهدم وإنما للاصلاح، ويدافع ليس بحثا عن مكاسب أو بقاء في المناصب وإنما عن قناعة بالدفاع؟!
فكما يقول الحكماء إن الأزمات تظهر معادن الناس، وقد كشفت الأزمة الحالية معادن الاعلاميين، وأجرت عملية فرز لتفصل بين القليل الذي يحترم نفسه وجمهوره، والكثيرين الذين لا تتحرك ألسنتهم إلا بعد شحن أرصدتهم البنكية.
أكثر ما يمكن التوقف أمامه في اعتقادي مشاركة الإعلامي المخضرم (حسين عبد الغني) مع قناة بي بي سي البريطانية الشهيرة، وهو مصنف ضمن قائمة الإعلاميين غير المفضلين لدى أولي الأمر، لأنه لا يتبع مسيرة حسن البارودي الشهيرة في فيلم (الزوجة الثانية) التي تكرس لإقناع البسطاء بمبدأ (واطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.. امضي يا أبو العلا).

غلمان (سوق النخاسة) في (الإعلام)
لكن ما حدث أن عبد الغني فند بكل شجاعة الاتهامات التي يكيلها بعض الأشقاء في دول الخليج ضد مصر والنظام المصري، الذي يفترض أن (عبد الغني) ليس من المحسوبين عليه، ودافع عن النظام بموضوعية وهدوء لا يخلو من شراسة، في وقت اتجه فيه آخرون من غلمان (سوق النخاسة) في (الإعلام)، الآكلون على كل الموائد لانتقاد النظام المصري وتقاعسه عن نصرة الأشقاء في الخليج!
وفقا لقناعات المسؤولين عن ملف (الإعلام) في الجهات المختلفة داخل الدولة، والتي بناء عليها يختارون من يتصدرون المشهد الإعلامي في مصر، من بين (المؤلفة جيوبهم)، كان المفترض أن يكون (عبد الغني) هو من يهاجم النظام، وأن يستميت الغلمان في الدفاع عنه إن لم يكن من باب الوفاء فعلى الأقل دفاعا عن وجودهم ومصالحهم التي يؤمنها النظام.
لكن حدوث العكس يثبت حقيقة بسيطة يسعد البعض بالتغاضي عنها، مفادها أن من يبيع نفسه وشرفه المهني اليوم لك، طمعا في منصب أو مال، لن يصعب عليه أن يبيع نفسه لغيرك – إذا دفع له أكثر – لأن المبدأ الوحيد الذي يحكم سلوكيات يتلخص في أن ولائهم معروض في المزاد لمن يدفع أكثر.
وليس الأمس ببعيد كما يقولون لكن هناك من لا يريد أن يرى أبعد مما تحت قدميه، فمعظم الإعلاميين من فصيلة (القطط السيامي) الذين كان نظام مبارك مستمتعا بجلوسهم على (حجره) ومقتنعا جدا بصدق تشبثهم باحضانه، كانوا أول من خلعوا أرديتهم عقب تنحي مبارك عن الحكم ليدبجوا عشرات الحكايات المزعومة عن فساد الرجل ورموز نظامه، بل وأولاده كذلك.

مؤسس الجماعة حسن البنا
ثم عاد معظمهم في فترة حكم الإخوان للتباهي أمام الشاشات وخلف الميكروفونات وعلى الصفحات، بأنهم أبناء شرعيين لما أسموه (المشروع الاسلامي)، وبالغ بعضهم فأطلق لحيته و(ضرب) زبيبة الصلاة على جبهته، ويحثوا عن نسب قديم ولو من بعيد بمؤسس الجماعة حسن البنا.
في المقابل فإن من ينتقد حينما يرى ما يوجب الانتقاد، سيكون أول من يصطف معك في نفس الخندق في أوقات الأزمات، ليس نفاقا أو بحثا عن مصلحة، وإنما حبا في الوطن، وغيرة عليه، كونه يعرف قيمته ويفهم جيدا معاني المقولة القديمة للشريف قتادة بن إدريس التي تقول (بلادي وان جارت علي عزيزة.. واهلي وان ضنوا علي كرام).
حاجة مصر إلى (الإعلام) الرشيد قادر على إدارة الأزمات، وليس مجرد أداة تجميل مؤقتة للعيوب لم تعد ترفا يملك البعض البت في جدوى اللجوء اليه، وانما سلاحا مهما فقدته الدولة منذ سنوات، حين اعتمدت فقط على جماعة الطاعة العمياء، وخسرت بسبب ضعفهم المهني والأخلاقي، كثير من المعارك الإعلامية الداخلي والخارجية، في ظل عالم مفتوح تتعدد فيه مصادر المعلومات.
ولم يعد فيه الجمهور أسيرا لشاشة واحدة أو صوت واحد، فإما (الإعلام) يملك القدرة على الإقناع لأنه يحترم عقل متلقيه، أو فراغ تملؤه أصوات أخرى قد لا تكون في صالح الدولة أو المجتمع، مثلما تفعل بضعة (أكشاك) إعلامية هنا وهناك وتؤثر في الشارع المصري أكثر بكثير من (الإعلام) الرسمي الذي يكلف المليارات.
كما يتوجب على أولي الأمر إدراك أن الخطر الحقيقي يكمن في الأثر التراكمي لهذا النمط من الأداء المتهافت على وعي الجمهور ذاته، خاصة بعدما تحولت الرسالة الإعلامية إلى مادة مشكوك في صدقها، وفقد المتلقي ثقته في الجميع، بما يجعل الخسارة مضاعفة، لأن الدولة هنا لا تخسر أصواتا مدافعة فقط، بل تخسر كذلك ثقة شعبها في أي رواية رسمية، حتى وإن كانت صحيحة.