
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
أحد عناصر العرض الأساسية عنصر (الإضاءة المسرحية)، فهي لها وظائف أساسية داخل العرض المسرحي ، وتتنوع ما بين إنارة المنظر المسرحي ، و إضفاء الجو النفسي العام علي الأحداث التي تدور داخل العمل المسرحي.
كما أن (الإضاءة المسرحية) لها وسائل تعبيرية أخري تستخدم من قبل المخرج كالتأكيد علي ملامح الشخصيات مثلا أو التأكيد علي موقف ما، وهى أيضا عنصر الزمن الذي تدور فيه الأحداث: ونسوق مثلا على مرور الزمن داخل السيرة الهلالية بالشهور: لما عدت عليها الشريفة شهرين:
وماجت ليها الدورة تاني
فرحوا الجبايل يا مستمعين
والامر لنشاني
ولما عدوا التلات شهور
جمع العرب هنوا ابن نايل
بجي الامر باين ومشهور
وفرحت جميع الجبايل
يا عين
رابع شهر والكل فرحان
والخامس عدي في راحة
ولما جه السادس يا أخوان
قوم الخضرة عملوا فراحة
جوم السابع والتامن عدي
لما التاسع جربها يجي
ومولاي ما يخلف معادته
فبجي رزق فارح سعيدة
يا..
تاسع شهر ظهر وبان
تاسع شهر ظهر وبان
به علمت جميع الهلايل
جعد رزق في ديوان سرحان
منتظر و يا الجبايل

(الإضاءة المسرحية) الشعبية
ومن المنظر السابق نلاحظ التعبير عن زمن فترة الحمل لخضرة الشريفة، وفيه يعدد الشاعر هذه الشهور، ومراحل الفرح بحمل خضرة الشريفة، وانتظار رزق المولد، وفي المنظر تظهر مظاهر الزمن من ايام وشهور وليل ونهار.
ومن الليل والنهار، نجد في مسرح السيرة إضاءة لكل مناظرها ولكن من منظورها الخاص بها ، وسوف نجد (الإضاءة المسرحية) الشعبية تعتمد علي حس ومشاعر الجمهور داخل مسرح السيرة.
فإذا كان المنظر المسرحي يعتمد علي الصور الذهنية التي يتشربها الفرد من بيئته الطبيعية داخل ثقافته الشعبية، فإن الأمر يختلف علي مستوي (الإضاءة المسرحية) داخل مسرح السيرة فكما أن للإنسان ذهن تختزن به الصور فإن للإنسان مشاعر وأحاسيس تختزن في ذاكرته يستحضرها عندما تستثار، وبالطبع كيفية إثارتها تكمن في القوي الإبداعية الأدائية لشاعر السيرة.
فمسرح السيرة الشعبية ليس به بروجيكتورات أو أجهزة إضاءة، ولكنه يعتمد علي الإضاءة الطبيعية الموجودة داخل بيئته الطبيعية الحياتية التي هى واقع معاش يشعر ويحس به كل الأفراد داخل محيطهم الجغرافي الذي يعيشون عليه، فمن منا لم يشعر بلحظات الغروب والشروق والفجر والليل بالطبع جميعا شعرنا بذلك.
لذلك يعتمد مسرح السيرة علي الضوء الطبيعي في التأثير علي المتلقي من خلا استثارة حواسه ومشاعره الداخلية ، فيا له من مسرح عجيب يعمل علي كل ما في المتلقي من عقل وإحساس ومشاعر داخليه ووجدان .
فإثارة الحس البشري لكي يشعر بلحظات ضوئية سابقة مرت في حياته وعاشها وقد أثرت فيه هي من أصعب العمليات داخل مسرح السيرة، فهو يستخدم الضوء الطبيعي لحركة الليل والنهار، بمعني أنه يستخدم اللحظات الضوئية المتدرجة داخل ضوء النهار من الفجر إلي الغروب كذلك لحظات الليل.
وبالطبع مؤدي السيرة يكون عالما بما تحدثه تلك اللحظات الضوئية من تأثيرات نفسية لدي المتلقي ، ولذلك فهو يستغلها ببراعة فائقة داخل مسرحه .
ونلاحظ ذلك من خلال ما حدث لخضرة الشريفة من إهانه فاضحة علي مرآي ومسمع من الجميع فشاعر السيرة تقريبا وظف الإضاءة النهارية من ساعات النهار الواضحة وقد تكون ما بين الظهر إلي قبل غروب الشمس حتي تكون علي مرآي ومسمع من الجميع.

التأثير الضوئي متدرجا
وقد كان هناك حكم من الملك سرحان بإعطاء خضرة حقها هي وطفلها من مال رزق باعتبارها طالق ، واحتاج الأمر إلي من يقوم بعمل قرعة بعد تجميع مال رزق ليروا نصيب هذه المرأة من مال زوجها هي وابنها.
وهنا استخدم شاعر السيرة التأثير الضوئي متدرجا حسب ضوء النهار فكانت القضية والوشاية في الضحى ثم تلتها فترة الظهيرة وبها الخلاف بين رزق وزوجته ومناقشتها له، ثم قدوم سرحان إليهم ليقنع رزق بأنها بريئة ولكن رزق يرفض ويطلب بطردها.
ويمكن هنا تقسيم تلك الفترة إلي ما قبل العصر ليخرج سرحان وسط جميع رجال القبيلة مطالبا بحق المرأة هي ووليدها في المال ، وبالطبع حصر مال رزق كثير اخذ فترة من الوقت وهنا ندخل في فترة العصر التي تستمر برفض جميع الرجال عمل القرعة ثم يأتي الدرويش ويتم المطلوب.
ويبدأ الجميع في تجهيز خضرة للخروج بالمال هي وسعيدة وتخرج عند زوال الشمس أي قبل الغروب بقليل وبالطبع لم يشر الشاعر إلي كل هذه الفترات الضوئية إلا انه يجملها جميعا عند خروج خضرة من النجع في الآتي
واستعدوا دول للرحيل
خضره والخدمه سعيده
مع زول الشرق وراحين
ونجد براعة من شاعر السيرة في إجمال الفترة النهارية الضوئية لإحساس المتلقي بمرور الأحداث، فهو لا يصف الحدث في فترات النهار فيقول هذا ضحي وهذا عصر بل يقوم بعمليه إجمالية تحس المتلقي علي الشعور من تلقاء نفسه بتلك الفترات الضوئية في اليوم ويجمل كل هذا بلحظة خروج خضرة عند الغروب وسيرها إلي مسافات بعيدة ثم يشير إلي حلول الليل:
فنادت خضره فيها تجول
يا سعيده هنا دلي بينا
سيرنا بالليل ده غير معقول
رب العرش ينظر علينا
وفي جبال دلوا رحيلهم
وهنا تكتمل دورة النهار بقدوم الليل الذي حل علي خضرة وسعيدة في رحلتيهما ويستقر بهم الوقت للمبيت داخل الخيمة التي نصوبها ، وهذه فكرة مبسطة عن الإضاءة المسرحية الشعبية داخل مسرح السيرة.

المؤثرات المسرحية
تعمل المؤثرات المسرحية من خلال الفرقة الموسيقية المصاحبة لشاعر السيرة الهلالية، فجميع المشاهد التمثيلية التي يؤديها شاعر السيرة تقوم الفرقة الموسيقية بعزف اللحن المصاحب لتلك المشاهد، والموسيقي تكون ملائمة ومناسبة لطبيعة كل مشهد تمثيلي بما يحتويه من مشاعر وعواطف بين الشخصيات.
كما أنها تصنع فواصل موسيقية تكون ممهدة بين المشاهد وبعضها، وتعمل الآلات الموسيقية أيضا بجانب عزف الألحان إلي عمل بعض المؤثرات ، كمؤثرات خاصة بالمعارك أو أي مؤثرات أخرى تحتاجها المشاهد ، مما يجعل المتلقي في حالة معايشة لتلك الأحداث .
مما سبق تتضح آلية المسرحة الذهنية الشعبية التي تعتمد على ذهن المشاهد في تخيل العرض المسرحي الخاص بالسيرة الهلالية، وكيفية الأداء التمثيلي عند شاعر السيرة الهلالية الذي يثير الحواس والذهن والشعور عند المشاهد المستمع.
لهذا فإن عروض السيرة الهلالية هي عروض مسرحية شعبية، تحوي كل عناصر العرض المسرحي، وهى أحد أشكال المسرح بكل أبعاده وعناصره، فليست السيرة نص شعري يقوم الباحثين بجمعه، والتعليق عليه بأبعاده التاريخية مكتفين بذلك فقط، ولكنه مسرح حقيقي له أبعاد تاريخية عريقة، في الثقافة العربية الشعبية.