

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
لى صديق – يعرفه أغلب من يتابع مقالاتى – لا يعجبه العجب و لا الصيام في رجب كما يقولون، فهو في حالة سخط دائم و انتقاد مستمر لكل القرارات (الحكومة) ويراها في غير صالح الدولة.
ولما كنت ممن يدركون حجم مسئولية (الحكومة) والعبء الكبير الملقى على عاتقها فقد صرت اتجنب صديقى هذا واهرب منه، خاصة وأن انتقاداته حادة ولهجته بها بعض التجاوز ويتحدث دائما في عصبية، وكأن العالم سينتهى إن لم ترجع (الحكومة) عن قراراتها وتراجع توجهاتها وأولوياتها.
ولكن الحذر لا يمنع القدر، فبينما أنا أجلس أمام التليفزيون محدقا في الأخبار متنقلا بين القنوات الإخبارية المختلفة أحاول أن أفهم الجنون الذى أصاب العالم، إذا بصديقى يتصل بى فرددت بتلقائية دون أن أحسب النتائج، وقبل أن يلقى السلام والتحية فوجئت به يسألنى صارخا: انت فين؟، أجبته أننى في منزلى، فصرخ مرة أخرى: أنا بسألك انت فين من اللى بيحصل؟، قلت له في براءة ايه اللى بيحصل؟
كانت إجابة صديقى عن سؤالى عبارة عن سيل من الاتهامات بأننى فقدت (حسى) الوطنى وتخليت عن دورى الاجتماعى، فلم أعد مهتما بما يحدث في الوطن وما يحدث للمواطنين، لأننى انفصلت عن واقعى وطبقتى نتيجة قصور الوعى عندى أو التخاذل.. ولما كانت الاتهامات ثقيلة وأضخم مما أحتمل سألته: علشان ايه ده كله؟.. ممكن تفهمنى بهدوء.
زفر صديقى زفرة حارة وقال: انت مش عارف ان (الحكومة) قررت تقفل كل حاجة الساعة 9؟: (سينمات ومسارح وقهاوى ومولات)، وتدى إجازة يوم الأحد من كل أسبوع؟
أجبته بأن معلوماته غير صحيحة، فيوم الأحد هو للعمل عن بُعد وليس إجازة، وأن قرار الإغلاق قرار مؤقت لمدة شهر نتاج للظروف الدولية وارتفاع أسعار المواد البترولية، كإجراء يهدف إلى ترشيد استهلاك الكهرباء وتقليل الضغط على موارد الدولة.

ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا
فمصر تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء، ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وزيادة تكلفة الاستيراد، أصبح من الضروري تقليل الاستهلاك، خاصة في أوقات الذروة.. من هنا جاء قرار تقليص ساعات العمل كوسيلة مباشرة وسريعة لتخفيف الأحمال الكهربائية.
صرخ صديقى: خلصت الكلمتين اللى انت حافظهم؟، أولا يا أستاذ الناس تتواجد في أماكن عملها ولا تعمل فما بالك بالعمل عن بُعد؟، ثم هل تتحمل شبكات الانترنت الغلبانة لدينا هذا الضغط؟ و لو تحملت فكيف يتحمل العاملين بالدولة تكلفة استخدام الانترنت المنزلى في اجراء أعمالهم؟
هل وفرت لهم (الحكومة) باقات مجانية؟، وهل هذه الشبكات لاتعمل بالكهرباء هي الأخرى؟، وماذا لو طلبت تلك الشركات رفع أسعار الاشتراكات نتيجة لرفع سعر البترول وزيادة سعر الدولار؟
قبل أن أجيب استكمل صديقى الغاضب حديثه: ياأستاذ (الحكومة دى بتبص تحت رجليها، هى بتحل المشكلة حل مؤقت ومفيد على المدى القصير، لكن على المدى الطويل هيخسرنا كتير، واقتصادنا هيتعب منه).
(انت مش واخد بالك إن معظم المدن الكبرى في مصر بتعتمد على النشاط المسائى، فلما تقلص ساعات العمل يعنى بتقلل البيع، وبالتالى هتنخفض الإيرادات وتقل الضرايب اللى الحكومة بتاخدها واللى بتشكل أكبر نسبة من إيرادات الدولة.
(الحكومة بتاخد ضريبة على كل قطمة انت بتاكلها في أى مطعم وأى مشروبات بتشربها في أى قهوة أو كافيه غير الضريبة المضافة.. وكمان فيه ناس كتير بتشتغل اكتر من شغلانه وناس تانية بتشتغل أكتر من وردية، دول طبعا مصيرهم الشارع، فالحكومة كده بتزود البطالة وبتخفض الأجور وبتقلل فرص العمل.. فلما تزيد بقى حوادث السرقة والنصب يبقى مين المسئول؟).
قلت في لهفة: (أوعى تقولى الحكومة هى المسئولة.. فرد في سخرية: لأ انت المسئول.. قلت: كيف؟، قال في ثقة: لأنك شايف الغلط وساكت، المفروض ان القرار يمسّك ويمسّ عملك كفنان، والمفروض تقول للحكومة ان اللى بتعمله ده غلط..
لما المسارح والسينمات تقفل الساعة 9 الناس تسهر فين؟، وتتعلم الوعى منين؟، والترفيه بتاعها يبقى ايه؟، وهل الحكومة كده بتوفر فعلا؟، الحقيقة هى العكس: المسارح هتستهلك نفس كمية الكهرباء اللى بتستهلكها سواء عرضت الساعة 6 أو الساعة 9 ، كل الفرق هيبقى ان الساعة 6 مش هيلاقوا جمهور وبالتالى الإقبال هيقل والفلوس اللى هتدخل للحكومة كضرائب من الجهات والافراد هتبقى اقل..

بالنسبة للسينما فهذه كارثة
لكن الاستهلاك مش هيقل، بل العكس الشبكة الكهربائية هتزيد الاحمال بتاعتها ومش هتتوزع على ساعات الليل، أما بالنسبة للسينما فهذه كارثة، لأن الحفلات المسائية هى اللى عليها الاقبال..
ياريت (الحكومة) تعمل زى ما واحد مخرج زميلك كتب على وسائل التواصل انها تقفل حفلات النهار وتسيب حفلات الليل وتبقى وفرت فعلا ووزعت الأحمال وما خسرتش الضرايب وما أضرتش صناعة قائمة ومهمة و بنقول عليها قوى ناعمة).
قلت لصديقى: حتى لو انا وغيرى قالوا كده، (الحكومة هتسمع كلامنا؟)، قال: أكيد هتسمع.. عارف ليه؟ لأنها هتكتشف بعد شوية ان الاستهلاك ما بقاش أقل بالنسبة المطلوبة، (الحكومة) ببساطة نقلت الاستهلاك من المحلات للبيو ، الناس اللى هتقعد في بيتها من الساعة 9 هتعمل ايه غير انهم يستخدموا أجهزة اكتر و يسحبوا كهرباء أكبر.
وبالتالى القرار مش هيبقى في مصلحة الحكومة.. غير بقى مشاكل كتير جدا أولها الازدحام المروري عشان المحلات والمولات والقهاوى والمسارح والسينمات هتقفل كلها مع بعض، والزحام ده هيخلى الاستهلاك أكتر في البنزين، و ضغط على البنية التحتيه للدولة والبنية الفوقية للمواطن!
قلت له: وايه هى البنية الفوقية للمواطن ؟ قال في ثقة: الناس في مصر اتعودت السهر سواء للشغل أو للتسلية، ولما انت كحكومة تضطره للمرواح بدرى هيزود حالة التذمر، لأنك يا إما قطعت عيشه أو عكننت مزاجه، و قدام قطع العيش وقلة المزاج هتزيد حالات الطلاق، أو هيزيد الانجاب، ما هو المواطن هيصرف غلبه فين بعد ما اديته إحساس إنه مربوط في البيت؟، وقفلت قدامه كل الطرق إلا وسائل التواصل..
ويقعد يتفرج على فيديوهات الله أعلم هدفها ايه؟.. مش كفاية ان المواطن حاسس ان الحكومة ما صدقت وقوع الأحداث عشان تزود عليه سعر البنزين والجاز والغاز، كأن القرار كان محطوط في الدرج ومستنى أى حاجة تحصل عشان يطلع، برغم انها عارفة كويس ان ده هيخلى كل الأسعار ترتفع!..
يا راجل دى حتى لم تنتظر ان ينتهى المخزون اللى عندها وتعامل المواطن بالسعر الجديد لما تستورد بالغالى، في حين دول تانية رخصت البترول أو عوضت مواطنيها بأساليب مختلفة).
قلت له: (هذه وجهة نظرك انت و انا ماليش دعوة بيها.. لم يعبأ بكلامى وأكمل: انت عارف أكتر فيديو منتشر على وسائل التواصل الاجتماعي ايه؟.. فيديو للدكتور مصطفى مدبولى بيقول فيه ان مصر في عام 2023 ستحقق الاكتفاء الذاتي ولن تضطر الى استيراد البترول أو أى من مشتقاته، بس يظهر ان عام 2023 جه ومشى من غير ما يقول للحكومة).
هنا قلت: تيييييييييت.. تيييييييت، وكأن الخط التليفونى قد انقطع وأغلقت تليفونى تماما و كمان شيلت منه الشريحة!