


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
حاول مسلسل (سعادة المجنون) أن يكون واحدا من الأعمال الدرامية التي عمدت الخروج عن المألوف عبر طرق أبواب (الكوميديا السوداء) الممزوجة بالاضطرابات النفسية، ومن هنا فقد طرح المسلسل تساؤلا فلسفيا في جوهره: هل السعادة تكمن في الوعي بالواقع المرير، أم في الجنون الذي يمنحنا عالما موازيا مريحا؟!
اعتمد مسلسل (سعادة المجنون) على تيمة (البطل الهامشي) الذي يجد نفسه فجأة في مواجهة مجتمع يراه مجنونا، بينما يرى هو نفسه الوحيد العاقل، وفي هذا الصدد ربما بدت هذه نقطة قوة وحيدة من خلال النص في خلق مفارقات كوميدية ذكية نابعة من الموقف بدلا من الاعتماد على الإيفيهات اللفظية المستهلكة.
أما نقاط الضعف، فتتلخص في الإيقاع البطيئ في (منطقة الوسط) من بعض التطويل، حيث تكررت بعض المواقف الدرامية التي لم تضف جديدا للشخصية، وكان من الممكن تكثيف الأحداث في عدد حلقات أقل لضمان تدفق الإثارة.
ومن أهم عيوب النص: أن هناك انفصال في لغة الجسد عن النص، حين يتحدث الممثل بانفعال بينما تظل عيناه باردتين، أو العكس، مما يخلق فجوة في المصداقية، وربما جاء ذلك جراء (ارتباك النص) في المسلسل، والذي يعتبر الثغرة الأولى التي تسرب منها ترهل الأداء، وضعف الإخراج، فالحكاية التي لا تعرف أين تقف، وتجعل الممثل والمخرج في حالة من التخبط الدائم.
أكبر مظاهر الارتباك كانت في عدم حسم النص لهويته بين الكوميديا والتراجيديا، فأغلب الوقت يكون النص يبدو تائها بين الرغبة في إضحاك الجمهور وبين الرغبة في انتزاع دموعه.. هذا التذبذب جعل المشاهد في حالة (انفصال شعوري)، فلا هو استمتع بالكوميديا السوداء، ولا هو تعاطف مع المأساة النفسية.
أضف إلى هذا وذاك الضياع بين الواقعية والفانتازيا، فقد بدأ النص كأنه يتناول قضية اجتماعية واقعية، ثم قفز فجأة إلى مناطق فانتازية غير مبررة دراميا، مما أحدث (شرخاً) في منطق الأحداث.


رسم منحنى الشخصيات
كما أن النص عاني من ارتباك واضح في رسم منحنى الشخصيات، عبر التحولات المفاجئة، فنجد الشخصية تنتقل من حالة نفسية إلى نقيضها تماما دون تمهيد كاف أو (دوافع) مقنعة، مما يجعل التصرفات تبدو وكأنها مجرد (أوامر مؤلف)، وليست نابعة من روح الشخصية.
وبالضرورة أدى فقدان الحبكة المركزية إلى الغرق في قصص جانبية لا تخدم الخط الرئيسي، مما جعل (سعادة المجنون) يبدو كمجموعة من (الاسكتشات) المنفصلة بدلاً من كونه بناءً درامياً متصاعداً، كما وقع الحوار في المباشرة الفجة، بدلا من تجسيد الأفكار عبر الدوافع، بعدما لجأ النص إلى (المونولوجات) الطويلة والخطابات الإنشائية التي يشرح فيها البطل معاناته، وهذا أضعف من قوة الدراما.
كما بدا واضحا أيضا ذلك الحشو اللفظي، الذي أدى إلى وجود حوارات طويلة لا تهدف إلا لملء زمن الحلقة، وهو ما انعكس مباشرة على أداء (عابد فهد)، فجعله يبدو أحيانا (مترهلاً) لأنه يكرر معاني قيلت بالفعل من قبل.
ارتباك النص هذا انعكس في نهاية (سعادة المجنون)، فقد بدت النهاية وكأنها (هروب) من طرح الحلول أو التعمق في النتائج؛ حيث تم إغلاق الخطوط الدرامية بشكل متسرع لا يتناسب مع حجم الصراعات التي فُتحت في البداية، ومع ذلك يظل المسلسل علامة مميزة في الدراما التي تتناول الصحة النفسية بقالب ساخر.
ومع ذلك أرى: أن الأداء التمثيلي هو العمود الفقري في مسلسل (سعادة المجنون)، بل يمكن القول إن الأداء التمثيلي هو الحصان الرابح في هذا العمل، حاول الممثل الرئيسي الفنان المبدع (عابد فهد) في كثير من الأحيان تقديم أداء (زورباويا) متزنا، وإن وقع أحيانا في فخ (النمطية).
قدم (عابد فهد) الشخصية المضطربة نفسيا في أعمال سابقة، لكنه في (سعادة المجنون) تجنب الحركات الهستيرية المبالغ فيها إلى حد ما، لأنه ببساطة اعتمد على نظرات العين واضطراب لغة الجسد الهادئة، مما أضفى صدقية على الدور.
يذكرني (عابد فهد) هنا في (سعادة المجنون) بأدائه على طريقة (زوربا) في مسلسل (عرب لندن – 2008)، من إنتاج (أنور قودري)، ليؤكد أنه حين يكون الفنان مثقفا، يستطيع أن يلامس المشاعرالإنسانية الصادقة، ودون عناء يمكنه العزف على أوتار القلب والعقل معا في سيمفونية رائعة وصولا إلى بواطن النفس البشرية الخفية.

جمهور يتعطش للفن الراقي
وكعادته يترك (عابد فهد) أكبر الأثر، لدى جمهور يتعطش للفن الراقي في ظل أشواك وعثرات الدراما الحالية التي تكرس في غالبيتها لمناخ من الفوضى والعشوائية، وما بالك أن يملك نفس الفنان وعيا صادقا بقضايا وطنه وأمته، حاملا فوق أكتافه هموم وآلام وأحزان وانكسارات هذه الأمة في لحظة تاريخية أقل ماتوصف بالضبابية .
فنان بهذا المعنى والمبنى للشخصية لابد أن تقف أمامه بقدرهائل من التقدير، وتمنحه أوسمة من الفخار التي تزين صدره بالحب والاحترام، خاصة إذا كان فوق هذا وذاك يملك روح المغامرة بالمال والجهد والعرق الفني الخالص لعروبته.
أما (سلافة معمار) في (سعادة المجنون)، فكانت (ضحية) لصياغة سيناريو لم يمنحها المساحة لتكون شريكاً حقيقياً في الصراع، بل جعلها (صدى) لصوت البطل.. أداؤها كان فنيا وسليما، لكنه افتقد إلى (الشغف) الذي اعتدناه منها في أعمالها السابقة، وعندما نقول إن (سلافة) كانت مظلومة دراميا، فنحن نتحدث عن ثلاثة مستويات من الظلم الفني:
* ظلم (الرسم الورقي) للشخصية.. الممثلة الممتازة تحتاج إلى شخصية تمتلك (تحولات)، لكن في (سعادة المجنون)، كانت شخصية (سلافة معمار) أحادية البعد، فقد ظلت حبيسة رد الفعل على جنون البطل أو محاولة استيعابه.
* يبدو ملحوظا غياب التاريخ الشخصي، فلم يمنحها السيناريو مساحة لنفهم دوافعها الخاصة، أحلامها، أو انكساراتها المستقلة عن البطل، مما جعلها (شخصية وظيفية) لا (شخصية إنسانية).
* عرفت (سلافة معمار) بأنها تمتلك قدرة هائلة على أداء الأدوار المركبة، مثل أدوارها في (زمن العار، قلم حمرة) وغيرها من أعما تشهد لها بالكفاءة، لكنها في (سعادة المجنون) تم حصرها في حوارات مكررة لا تخرج منها طاقة تمثيلية جديدة، والنتيجة: عندما تسجن ممثلة بهذه القوة في دور (باهت)، يبدو أداؤها وكأنه (تحصيل حاصل)، وهذا ليس تقصيرا منها، بل فقر في المادة المكتوبة لها.
وظني أن المخرج (سيف السبيعي) في (سعادة المجنون) لم يدرك أن ممثلة بحجم (سلافة معمار) يجب أن يستغل (أدواتها الخاصة)، وذلك بملاحظة لغة العيون والصمت، بدلا من التركيز على ردود أفعالها الصامتة والعميقة، كان الإخراج يلهث وراء انفعالات (عابد فهد) الصارخة في بعض الأحيان، مما أضاع فرصا جمالية كان يمكن أن ترفع من قيمة العمل.
قدم (باسم ياخور) شخصية متماسكة وواقعية جدا، حيث وازن ببراعة بين (صرامة القاضي) و(ارتباك الأخ).. أداؤه أعطى العمل مساحة أخلاقية رمادية، مما يجعل من الصعب على المشاهد تصنيف شخصيته بسهولة (خير مطلق أو شر مطلق)، لكنه على أية حال أضاف عمقا كبيرا للصراع العائلي والقانوني في المسلسل.
إلى جانب الثلاثي المرعب، يضم المسلسل نخبة من النجوم الذين قدموا أداء متكاملا ساهم في نجاح العمل على مستوى التمثيل، مثل (عبد المنعم عمايري، خالد شباط، نظلي الرواس، ولاء عزام، جهاد سعد، ميسون أبو أسعد، وإيهاب شعبان)، رغم تقاعس المخرج (سيف السبيعي) في إدارة هؤلاء الممثلين واستخراج أفضل ما لديهم، كي تتشكل توليفة درامية نفسية وتشويقية متقنة.

تجربة درامية شجاعة
قد يرى البعض أن الإخراج لعب دورا محوريا في نقل الحالة الذهنية للبطل، عندما استخدم باليتة ألوان دافئة وزاهية في المشاهد التي تصور خيالات البطل (عالم السعادة)، مقابل ألوان باردة وباهتة في مشاهد الواقع، وهو توظيف بصري ذكي لخدمة النص، لكنه لم يتعامل مع (سلافة معمار) على نحو يماثل (عابد فهد).
نقطة مهمة في صالح مسلسل (سعادة المجنون)، وهى أن الموسيقى التصويرية جاءت متهكمة في كثير من الأحيان، مما ساعد المشاهد على فهم طبيعة العمل ككوميديا سوداء وليس كدراما تراجيدية صرفة.
وفي النهاية، ومع كل ما مضى، أعتبر مسلسل (سعادة المجنون) تجربة درامية شجاعة، نجحت في تقديم محتوى يحترم عقل المشاهد ويجمع بين الضحك والتأمل، رغم ما شابه من بعض الهنات في (المط الدرامي)، ما أصابه شيئا من الترهل، نتيجة فقدان (الآنية) ما جعل المشاهد يشعر أن الممثل (يسمع) الدور أو ينتظر دوره في الكلام، بدلا من التفاعل الحي مع اللحظة.
فضلا عن التكرار النمطي، وذلك عن طريق الاعتماد على لزمات حركية أو تعابير وجه ثابتة تم استهلاكها في أعمال سابقة، مما يجعل الأداء متوقعا ومملا في الحلقات الأولى وصولا للمنتصف.
ويمكنني القول أيضا: أن مسلسل (سعادة المجنون) لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كان نصا نقديا للمجتمع الذي يوصم المختلفين بـ (الجنون) لمجرد رفضهم الانصياع للقواعد المشوهة.. المسلسل يطرح صرخة صامتة ضد التهميش النفسي ويسلط الضوء على هشاشة النفس البشرية.