رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!
بدأت رحلته من بيته البيروتي في منطقة قريبة من مخيم صبرا الفلسطيني
جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!
جميل ضاهر

بقلم الإعلامي اللبناني: جميل ضاهر

يغيب اليوم عن مشهد الفن الملتزم بقضايا الشعوب المقهورة فنانٌ من طينةٍ نادرة: ابن مدينة بيروت (أحمد قعبور)، الذي وصلت أغنياته إلى أطفال الحجارة، فأشعلت فيهم شرارة الثورة في الضفة ونابلس.

(لينا كانت طفلةً تصنع غدها.. لينا سقطت، لكن دمها كان يُغنّي).

بدأت رحلته من بيته البيروتي في منطقة قريبة من مخيم صبرا الفلسطيني، ذلك المكان الذي شهد المجزرة الرهيبة (صبرا وشاتيلا) بعد اجتياح لبنان من قبل العدو الإسرائيلي عام 1982. هناك تفتّحت عيناه على الألم، وهناك أيضاً تشكّل وعيه الفني والإنساني.

كان والده عازف كمان شارك في حفلٍ لـ (أم كلثوم) خلال زيارتها إلى لبنان، لكن (أحمد قعبور) اختار طريقاً مختلفاً في الموسيقى؛ إذ تأثر بالفنانين الفرنسيين Jacques Brel  وCharles Aznavour.

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!
في إحدى الليالي حاول أن يكون حارساً خلف متراس. شعر بالملل، فأسند البندقية، وأخذ يدندن على الغيتار

حارس خلف متراس

كانت السبعينيات، سنوات الغضب والثورات.. لم يحمل رشاشاً، بل حمل غيتاره. وكانت أولى أغنياته (أناديكم).

يروي (أحمد قعبور) أنه في إحدى الليالي حاول أن يكون حارساً خلف متراس. شعر بالملل، فأسند البندقية، وأخذ يدندن على الغيتار.. فجأة، اقتحمت مجموعة مسلّحة متراسه، ووجّهت أسلحتها نحوه. نظر إليهم… وضحك. دعاهم إلى الجلوس والغناء.

وهذا ما حصل.

غنّوا معاً.. وغادروا دون مواجهة.

من تلك الدندنة الأولى، وُلدت أغنية سبقته إلى العالم قبل أن يعرفه الجمهور.

(أناديكم).. لم تكن أغنية تُغنّى فقط، بل حالة تُعاش؛ سكنت الشوارع، في بيروت كما في عواصم عربية أخرى، وتناقلتها الأجيال حتى يومنا هذا.

في أحد الأيام، حضر (أحمد قعبور) إلى نادٍ ثقافي في بيروت لتشكيل فرقة.. وكنتُ هناك.. كنّا مجموعة من الشبان والشابات نتدرّب على أغاني للأطفال، فانضمّ إلينا، وبدأ يدربنا على مسرحية (بدنا الشمس).. يومها، لم نتركه يغادر قبل أن نغني معه “أناديكم”. ومنذ تلك اللحظة، صرتُ فرداً من فرقته.

غنّينا في الملاعب والحدائق، نحاول أن نمنح الأطفال المهجّرين بسبب الحروب شيئاً من الفرح.. ثم انتقلنا إلى مرحلة جديدة، وكانت المرة الأولى التي نصعد فيها معه إلى خشبة مسرح بيت الدين، ذلك المسرح الذي استضاف كبار الفنانين، أمثال (صباح فخري وفيروز وآمال ماهر) وغيرهم.

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!
كانت تلك الليلة نقطة تحوّل. إلى جانب (أحمد كعبور)، لم يعد الجمهور مستمعاً فقط، بل صار شريكاً في الصرخة

صار شريكاً في الصرخة

كانت تلك الليلة نقطة تحوّل. إلى جانب (أحمد قعبور)، لم يعد الجمهور مستمعاً فقط، بل صار شريكاً في الصرخة:

(يا غضب الضفة لا تهدأ

أعلنها ثورة

حطّم قيدك

اجعل لحمك جسر العودة).

سافرنا معاً في جولة أوروبية شملت فرنسا وبلجيكا وهولندا، والتقينا بأيقونة الفن المغربي (جيل جيلالة)، كما اجتمعنا في حفل مع (الشيخ إمام)، وشاركناه أغنياته التي أشعلت حماس الجمهور: (هما مين وإحنا مين، جيفارا مات، شيد قصورك).

وكانت تلك الجولة دعماً للمستشفيات التي تعالج جرحى الحروب، فكان الغناء امتداداً للفعل الإنساني، لا بديلاً عنه.

عدنا إلى بيروت، واستمرت الرحلة مع (أحمد قعبور) في ألبومه الثاني (يا رايح صوب بلادي)، حيث شهدت تجربته تحولاً على مستوى الكلمة واللحن.. صارت المدن في أغنياته قصةً تُروى، وذاكرةً تُغنّى: (سلة ليمون، ما اخترت سواك يا وطناً بهجره الشعراء) وغيرها.

لاحقاً، كان لـ (أحمد قعبور) حضورا خاصا في حراك المدينة التي قاومت الاحتلال وأسهمت في خروجه.. كانت أغنياته تمنح الزمن طعماً ورائحة، وتحوّل اللحظة العابرة إلى ذاكرة حيّة.

كما وجد فرصة لاكتشاف أصوات من دار الأيتام، فقدم معهم مجموعة من الأغاني، أشهرها: (على البيارق علوها، وغنّوا للعيد).

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!

جميل ضاهر يكتب: (أحمد قعبور).. إرحل.. قالوا لي إرحل!
(أحمد قعبور) لم يكن مجرد مغنٍ، بل كان مسرحياً وإذاعياً وكاتباً وملحناً

لم يكن مجرد مغنٍ

وجاءت تجربته الفريدة مع تلفزيون المستقبل، حيث شكّلت ألحانه وكلماته جزءاً من هوية هذا الصرح الإعلامي: (يا حبيب الروح، لعيونك، والحكي ماشي والبلد ماشي ولا يهمك).

(أحمد قعبور) لم يكن مجرد مغنٍ، بل كان مسرحياً وإذاعياً وكاتباً وملحناً.. أعاد إحياء تراث بيروت حين قدّم بعض أغاني رائد المونولوج عمر الزعني، ومنها (بيروت زهرة بغير أوانها).. وفاءً لهذا الفنان ولمدينته.

عملتُ في الصحافة الفنية لسنوات، وغطّيت العديد من الفعاليات في المسرح والسينما والموسيقى.. وكان لي رأي في صناعة البرامج الموسيقية، بعد أن تخرّجت من تلك التجربة الغنية التي أسسها لي (أحمد قعبور): من صعود المسارح إلى دخول ستوديو (زياد الرحباني)، إلى المشاركة في أعمال فنانين حملوا قضايا الناس، وحرصوا على الذائقة الفنية.

لم يكن المال هدفه يوماً، بل كانت أوتار غيتاره وحبال صوته المجروح صوتاً لمن لا صوت لهم.

(أناديكم

وأشد على أياديكم

وأهديكم ضياء عيني

ودفء القلب اعطيكم

أناديكم).

وداعاً.. (أحمد قعبور).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.