
بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
كان (خالد صالح) من أولئك الذين يدخلون الشاشة دون استئذان؛ كأن الكادر فُتح من أجله، وكأن الضوء يعرف اسمه قبل أن ينطق المخرج بكلمة (أكشن)، لم يكن ممثلًا يتعلّم التمثيل، بل رجلًا عاش الحياة حتى آخر قطرة، ثم جاء ليحكيها.
لذلك أحبّه الناس، لأنهم رأوه كما هو: قلبًا نابضًا، وجسدًا يعمل بالشغف، وروحًا لا تخاف الفناء.
وُلد (خالد صالح) في أبو النمرس، محافظة الجيزة عام 1964، وعاش طفولته وشبابه بين الدراسة والكفاح.. دخل الجامعة وفي داخله شيء يتكوّن؛ لم يكن طموح الشهرة، بل دهشة المسرح.
هناك، على خشبة مسرح كلية الحقوق، بدأ يلتقط أنفاس المتفرجين، لا بالصخب ولا بالاستعراض، بل بالصدق الهادئ الذى يجعل المشاهد يشعر أن هذا الرجل لا يمثل.. بل يعترف.
بعد التخرج، لم يدخل (خالد صالح) الوسط الفني مباشرة، بل عاد إلى الحياة كما يفعل الناس.. عمل مع شقيقه في إدارة مصنع للحلويات والمخبوزات؛ يفتحانه صباحًا ويغلقانه ليلًا؛ لكنه كان يختزن في قلبه مسرحًا آخر، يراقب الناس وحكاياتهم، كأنه يدوّن ملامح شخصيات ستولد لاحقًا على الشاشة.

طاقة تمثيل لا تخطئ
كان يرى التعب والفرح والقهر والأمل، يمتص وجوه من حوله، ويحوّل كل ذلك إلى طاقة تمثيل لا تخطئ.
وحين دخل السينما، دخلها كمن يقتحم بابًا يعرف أنه باب عمره.. مشهد أو اثنان كانا كافيين ليقول النقاد والجمهور: (هذا ممثل من العيار الثقيل)، أدواره كانت متنوعة، لكن بصمته واحدة: الحقيقة.. الحقيقة بكل ما فيها من قسوة ونعومة.
حين قدّم شخصية (حاتم) أمين الشرطة في فيلم (هىّ فوضى)، صنع واحدة من أعقد الشخصيات في تاريخ السينما.
رجل بسيط تكبر في يده سلطة صغيرة حتى تتحول إلى وحش، وتصبح عبارته الشهيرة «اللي مالوش خير في حاتم مالوش خير في مصر» أيقونة تتردد على ألسنة الجمهور.
لم يقدّمه كشرير تقليدي، بل كإنسان ينهار ببطء؛ نظراته اعتراف، وصوته صراع بين رغبة وقسوة، فبقيت الشخصية علامة لأنها صادقة.

ابتسامة هادئة، وكلمات محسوبة
وفي (عمارة يعقوبيان) انتقل من فساد السلطة الصغيرة إلى فساد السلطة الكبيرة؛ جسّد (خالد صالح) السياسي الذي يبتسم أمام الكاميرات ويغلق باب مكتبه ليعقد الصفقات.
لم يكن أداؤه مجرد إضافة، بل ركيزة أساسية؛ ذلك اللمعان الخبيث في عينيه، وتلك الثقة الزائفة التي تخفي هزيمته الأخلاقية، جعلا الشخصية مرآة لعصر كامل.
ثم جاء (الريس عمر حرب)، حيث لم يُقدَّم (خالد صالح) الشر كما في الأفلام التجارية، بل كفن.. رجل يستقطب شابًا إلى عالم القمار لا ليحتويه بل ليبتلعه، ويختبر ضعف البشر أمام الإغواء.
ابتسامة هادئة، كلمات محسوبة، وحضور يشبه السكين التي تلمع قبل أن تغرس.. هنا كان (خالد صالح) معلمًا في التمثيل، يضبط كل حركة وكل نظرة، كأن الشخصية تعيش داخله لا خارجه.
ورغم هذا الألق، كان خارج الكاميرا إنسانًا مختلفًا؛ بسيطًا، دافئًا، صاحب قلب يعرف من أين يؤتى الناس.
كان يزور المرضى، يساعد المحتاجين، ويمد يده بلا ضجيج، مدركًا أن العطاء الحقيقي لا يُعلن.
رحل (خالد صالح) عام 2014 بعد جراحة دقيقة في القلب، ورحل معه جزء من زمن جميل في السينما المصرية.
لم يعش طويلًا في الفن، لكنه عاش بكثافة تُساوي أعمارًا.. لم يكن يؤدي أدوارًا، بل كان يسكب روحه في كل مشهد، حتى شعرنا أننا نعرفه شخصيًا، لا كممثل.
لقد أثبت أن الفن ليس في طول المسيرة، بل في حرارة الخطوة؛ ليس في عدد الأعمال، بل في عمق الأداء.
لم يكن نجمًا بالمعنى الشائع، بل قيمة وحضورًا لا يشبهان أحدًا.. ولهذا نقولها كما يقول الشغوفون الحقيقيون بالفن: (اللي مالوش خير في خالد.. مالوش خير في الفن).