رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: (محمد منير).. مشوار اسمه حياة

بهاء الدين يوسف يكتب: (محمد منير).. مشوار اسمه حياة

بهاء الدين يوسف يكتب: (محمد منير).. مشوار اسمه حياة
إنه بالنسبة لكل واحد منا (مشوار اسمه حياة) حلمنا ان نعيشها

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

من ينتمون لجيل الثمانينيات لا يمثل (محمد منير) بالنسبة لهم مجرد حالة غناء أو صوتا مختلفا، ولكنه يمثل قصة حياة متكاملة بكل أحلامها التى تحققت أو التى لم تتحقق.. بذكرياتها السعيدة وعلاماتها الحزينة التى تركت فى كل واحد منا أثرا غائرا لا تستدعيه وتداويه في نفس الوقت سوى أغانى الملك.

اذا أردت وصفا لما يمثله (محمد منير) في حياتنا لن أجد افضل من كلمات إنه بالنسبة لكل واحد منا (مشوار اسمه حياة) حلمنا ان نعيشها، فتمكن البعض من تحقيق ذلك واكتفى الآخرون بمتعة الاحتفاظ بالحلم.

أغنيات (محمد منير) مثل جلسات العلاج النفسى التى تستطيع وحدها أن تخرج من أعماقنا (وربما من اللاوعى أحيانا) كل مخزوننا العاطفى الذى توارى خلف تراكمات الحياة، وتطلق الدموع من محاجرها فنعود شبابا متمردين مثلما كنا ونحن نستمع إلى منير فى الزمن الماضي.

عندما ظهر (محمد منير) فى المشهد الغنائى فى النصف الثانى من سبعينيات القرن الماضى، كانت الساحة الغنائية تمر بفترة تحول بين جيل وجد نفسه مضطرا لتوديع زمنه السياسى والغنائى برحيل العندليب عبدالحليم حافظ، ومن قبله كوكب الشرق (أم كلثوم). 

ليكون غيابهما بمثابة إعلان رسمى عن نهاية المشروع السياسى والثقافى لثورة يوليو بأحلامها وانكساراتها، دون أن يكون على الساحة من يستطيع أن يشغل مكانة الفنانين الراحلين، أو يملك الكاريزما التى جعلت منهما أسطورتين هما من يحددان معالم الذوق الغنائى العام ولا يتأثران به مثل الآخرين.

بهاء الدين يوسف يكتب: (محمد منير).. مشوار اسمه حياة

بهاء الدين يوسف يكتب: (محمد منير).. مشوار اسمه حياة
ظهر (محمد منير) بمظهره غير المعتاد من مطربى ذلك العصر ليعبر عن كل ما كان يشعر به الشباب

تمرد على المألوف

على الجانب المقابل من الساحة كانت أضواء النجاح تسعى وراء من يلون أذواق النخبة الجديدة التى افرزها ما يعرف بالانفتاح الاقتصادى، والتى ضمت رجال أعمال مثيرين للجدل وحزمة من الحرفيين وتجار الشنطة، وساد الساحة مغنى الملاهى الليلية واغنياتهم التى كانت تناسب مفردات وثقافة النخبة الجديدة.

فى ذلك المناخ المضطرب ظهر (محمد منير) بمظهره غير المعتاد من مطربى ذلك العصر ليعبر عن كل ما كان يشعر به الشباب فى ذلك الوقت من تمرد على المألوف، وتزامن ظهوره مع بزوغ نجم أسمر آخر فى سماء الفن السابع هو الراحل (أحمد زكي) الذى كان قد أبدع فى تقديم شخصية الدكتور طه حسين فى مسلسل (الأيام). ليشكل الإثنان تفاصيل الحالة الفنية الجديدة التى تتخاصم مع الموروث الفنى بكل ما له وما عليه.

بدوره كان (محمد منير) ذكيا فى طلته على الناس، متصالحا مع بيئته البسيطة وثقافته النوبية، وتميز عن بقية أفراد جيله بكونه يمثل مشروعا فنيا متكاملا، فبجانب المظهر غير المألوف ونوعية الكلمات والألحان التى لا تنتمى لزمن الكلاسيكيات ولا لعصر الانفتاح.

قدم (محمد منير) نفسه مع مجموعة من الوجوه الجديدة أو غير المعروفة من الشعراء والملحنين والعازفين، بداية من (أحمد منيب وعبدالرحيم منصور ويحيى خليل وهانى شنودة)، وقد أعفاه هذا الخليط الجديد من عبء المقارنة مع الأساطير الراحلة، وأوجد له جمهورا جديدا من الشباب كان يبحث بدوره عمن يعبر عنه وعن مشاكله وحياته قبل أن يجد فى منير ضالته المنشودة.

يمكن القول أن أغانى (محمد منير) سواء فى ألبومه الأول (بنتولد)، أو الثانى (شبابيك) كانت مثل الصدمة الفنية الإيجابية، حيث عبرت عن كل ما يجول فى نفوس شباب ذلك الجيل وما كانوا يعانونه من ضياع بسبب الصراع الذى كان دائرا بين أحلام الثورة والثروة.

وكان من النادر فى ذلك الوقت أن تجد شابا لا يردد كلمات أغنية (شجر الليمون دبلان على أرضه)، التى رأوا فيها رمزية بالغة الدلالة على وضع الشباب المصرى فى وطنه، وأغنية (أشكى لمين واحكى لمين دنيا بتلعب بينا) نقضى ساعات فرحانين وساعات بتبكينا.

بهاء الدين يوسف يكتب: (محمد منير).. مشوار اسمه حياة بهاء الدين يوسف يكتب: (محمد منير).. مشوار اسمه حياةألبوم (شبابيك) عام 1981

كان ألبوم (شبابيك) الذى صدر عام 1981 فى وقت كانت مصر تموج بأحداث عاصفة فى نهايات عصر الرئيس الراحل أنور السادات، بداية من اعتقالات سبتمبر وصولا الى اغتياله خلال العرض العسكرى على أيدى أعضاء فى جماعات أصولية.

وظهر الألبوم ليخطف أبصار وقلوب شباب ذلك الجيل الذين تلقفوه باعتباره ثورة غنائية على المألوف، من ناحية الكلمات والألحان والتوزيع، كان أبرز ما ميز ذلك الألبوم أنه لم يكن يشبه أى عمل قبله لأى فنان آخر.

الكثير من أغنيات (الملك) تميل إلى الرمز أكثر من التصريح، مثلا أغنية (أنا منك اتعلمت) تصلح لأن تغنى للحبيبة أو للوطن الذى لا يحنو على أولاده أحيانا، والمفارقة أن حياة (محمد منير) الشخصية ومواقفه تشبه إلى حد كبير كلمات أغانيه.

غامضة ومشوقة تحتمل الكثير من التأويلات المتناقضة، فهو لم يشارك فى الحفلات التى كانت تقام أمام الرئيس الراحل حسنى مبارك، لكنه فى نفس الوقت لم يصرح أبدا بأنه معارض أو مؤيد له.

حتى أغنيته الشهيرة (إزاى) التي ارتبطت فى أذهان المصريين بثورة الخامس والعشرين من يناير لم تنتج من أجل الثورة ولا حتى فى وقتها، وإنما تم إنتاجها قبل ذلك بأكثر من عام دون أن تذاع لأسباب لا يعلمها أحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.