رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

سحر الحسيني تكتب: (نرجس).. حين تنتصر الدراما للإنسان.. لا للحكاية فقط

سحر الحسيني تكتب: (نرجس).. حين تنتصر الدراما للإنسان.. لا للحكاية فقط
(نرجس) لا يقدم جريمة خطف.. بل يضعنا أمام سؤال أكثر تعقيدا

بقلم الكاتبة والروائية: سحر الحسيني

ليست كل الأعمال تُمنح فرصة أن تعلو.. لكن (نرجس) لم يصعد لأنه أراد.. بل لأنه استحق الارتفاع.. هنا، لا نتحدث عن مسلسل (جيد) أو (مؤثر).. بل عن عملٍ أعاد الاعتبار لفكرة التمثيل نفسها.. حين يتحول الممثل من مؤدٍ.. إلى كائن يعيش على حافة الانكسار.. في زمنٍ تستهلك فيه الدراما الحكايات كوقودٍ سريع الاشتعال.

يأتي (نرجس) ليعيد تعريف العلاقة بين الواقع والفن.. لا بوصفه نقلًا أمينًا لقضية.. بل إعادة خلق إنساني لها.. هذا العمل لا يكتفي بأن يحكي جريم.. بل يذهب إلى ما هو أبعد.. كيف تتحول الحاجة إلى خطيئة.. وكيف يتحول النقص إلى قدرٍ مأساوي؟.. محاولة لفهم خلل إنساني حين يتجاوز حدوده، فيرتدي قناع الحاجة، ويبرر نفسه باسم الوجع.

(نرجس) لا يقدم جريمة خطف.. بل يضعنا أمام سؤال أكثر تعقيدا.. متى تتحول الفطرة إلى ادعاء؟.. ومتى يصبح الاحتياج تعديا؟.. المسلسل يشتبك مع مفهوم الأمومة، لا بوصفها وظيفة بيولوجية.. بل كرابطة فطرية تتجاوز الجسد إلى المعنى.

(نرجس) لا تعجز عن الإنجاب فقط.. بل تعجز عن تقبل هذا العجز.. وهنا تبدأ الأزمة.. حين يتحول  ما لم يُكتب  إلى شيء يجب انتزاعه بالقوة.. إنها لا تبحث عن طفل.. بل عن تعريف لنفسها.. وهنا يكمن الخطر.. حين يصبح الإنسان مستعدا لإعادة تشكيل الواقع.. ليتوافق مع صورة يريدها عن ذاته.

أبدع صانع الحبكة (عمار صبري).. فلم يكن النص مجرد تتبع لأحداث قضية حقيقية.. بل كان تفكيكا بطيئا لنفسٍ تتآكل.. (عمار صبري)، لا يبرر الجريمة.. لكنه يكشف بنيتها النفسية.

(نرجس) لم تبدأ كشر مطلق.. بل كإنسانة أُنهكت تحت ضغط اجتماعي متراكم.. حتى فقدت قدرتها على التمييز بين التعويض المشروع، والتعدي المحرم.. وهنا تصبح الجريمة ليست فقط فعلا قانونيا.. بل انحرافا عن قانون الفطرة.

سحر الحسيني تكتب: (نرجس).. حين تنتصر الدراما للإنسان.. لا للحكاية فقط
(ريهام عبد الغفور) وأداء يُكتب بماء الوجع.. تقدم ريهام أداء يتجاوز التمثيل إلى التجسد الكامل

كيانات نابضة بالتناقض

إنها لحظة اختلال في ميزان الرحمة.. رحمت نفسها، فظلمت غيرها.. العبقرية هنا لم تكن في الحدث.. بل في تأجيله.. في جعل السقوط تدريجيًا مقنعا، ومخيفا لأنه مفهوم.

الشخصيات ليست أدوات للحبكة، بل كيانات نابضة بالتناقض.. الحوار مكثف، يقال فيه أقل مما يُفهم.. الصمت محمل بدلالات تفوق الكلمات.. إنه نص يراهن على وعي المتلقي.. ويكسب الرهان.

(ريهام عبد الغفور) وأداء يُكتب بماء الوجع.. تقدم ريهام أداء يتجاوز التمثيل إلى التجسد الكامل.. هى لا تدافع عن (نرجس).. ولا تدينها.. بل تتركنا نراها كما هى.. امرأة تنهار بهدوء.. تحكم استثنائي في التفاصيل الدقيقة.. صمت ناطق، ونظرات تحمل تاريخا كاملا.. تحول داخلي متدرج يفتك بالمشاهد دون صخب.. إنه أداء يدرس.. لا يشاهد.

ما قدمته (ريهام) في شخصية (نرجس) لا يمكن اختزاله في كلمة (إبداع).. لأن الإبداع هنا كان خطراحقيقيا.

(ريهام) لم تؤد الشخصية.. بل نزعت عنها الحماية، وتركتها عارية أمامنا.. كل نظرة كانت تحمل تاريخا من القهر غير المنطوق.. كل صمت كان اعترافا لا يحتاج إلى كلمات.. كل ارتعاشة داخلية كانت كفيلة بفضح انهيار كامل

(ريهام) لا ترفع صوتها.. لكنها ترفع إحساسك حتى الاختناق.. الأصعب؟.. أنها لم تقع في فخ التعاطف السهل.. لم تجمل (نرجس)، ولم تبررها، بل جعلتنا نراها في قسوتها.. ونفهمها رغم ذلك.. هذا ليس تمثيلا.. هذا تفكيك حيّ للروح على الشاشة.

سحر الحسيني تكتب: (نرجس).. حين تنتصر الدراما للإنسان.. لا للحكاية فقط
(حمزة العيلي): ثقل الحضور.. ودقة السيطرة.. حضور ثقيل بوعي

(حمزة العيلي).. مركز الثقل

(حمزة العيلي): ثقل الحضور.. ودقة السيطرة.. حضور ثقيل بوعي.. يعرف متى يتراجع ليترك المساحة، ومتى يتقدم ليصنع الفارق.

إذا كانت (ريهام) هى العاصفة الصامتة، فإن (حمزة العيلي) هو مركز الثقل الذي يمنعها من الانفجار الكامل.. أداؤه قائم على فهم عميق لفكرة مهمة هى الاقتصاد في التعبير.. نظرات محسوبة.. لا تهدر ولا تستعرض.. حضور يشعر المشاهد بالضغط دون افتعال.. قدرة على الوقوف أمام أداء متفجر دون أن يذوب فيه.

العيلي لا ينافس.. بل يوازن.. وفي هذا التوازن، تتولد واحدة من أندر الحالات التمثيلية.. انسجام لا يلغي الاختلاف.. بل يجعله وقودا دراميا.

سحر الحسيني تكتب: (نرجس).. حين تنتصر الدراما للإنسان.. لا للحكاية فقط
(تامر نبيل): أداء متزن، يُضيف طبقة إنسانية ناعمة داخل عالم قاس
سحر الحسيني تكتب: (نرجس).. حين تنتصر الدراما للإنسان.. لا للحكاية فقط
أحمد عزمي) و(عارفة عبد الرسول، و(سماح أنور).. شكلوا نسيجا دراميا متكاملا

نسيج درامي متكاملا

(تامر نبيل): أداء متزن، يُضيف طبقة إنسانية ناعمة داخل عالم قاس.. ثم  بقية الطاقم.. مثل (أحمد عزمي) و(عارفة عبد الرسول، و(سماح أنور).. شكلوا نسيجا دراميا متكاملا،.. حيث لا يوجد (دور صغير).. بل تفصيلة ضرورية في بناء الألم.

الإخراج: كاميرا تصغي أكثر مما تظهر.. في رؤية (سامح علاء).. لا تستخدم الكاميرا لتزيين المشهد.. بل لكشفه.. بل أحيانا لفضحه.. لقطات قريبة تعري الانفعال.. إيقاع بطيء يمنح الألم زمنه الطبيعي.. فراغات بصرية تعكس عزلة الشخصيات.. الإخراج هنا لا يسعى لإبهار بصري.. بل لتحقيق صدق شعوري، وهو خيار أصعب.. وأكثر أثرا.

ما بعد المحكمة ولحظة العلو الحقيقي.. القرار بعدم إنهاء العمل عند المحكمة، لم يكن تفصيلا.. بل لحظة عبقرية سردية.. هنا، تحولت الدراما من جريمة.. إلى سؤال وجودي.. من أنا.. إذا اكتشفت أن حياتي لم تكن لي؟.. كيف يحبني من استعادني.. وأنا لا أعرفه؟.. وهل يمكن لوهم أن يستمر.. رغم انكشافه؟.. في هذه المنطقة، ارتفع العمل من حكاية  إلى تجربة إنسانية كاملة.

(نرجس) ليس مسلسلا يضاف إلى قائمة المشاهدة.. بل تجربة تضاف إلى الذاكرة.. عمل ينجح في أن.. يؤلم دون ابتذال.. يفكر دون تعقيد.. ويترك أثرا لا يمحى بسهولة

إنه دراما تنقذ نفسها من الاستهلاك.. وتصعد إلى ما هو أندر.. أن تكون صادقة.. حد الوجع.. لا يبرئ العمل المجتمع.. لكنه لا يدينه بشكل مباشر.. بل يكشفه.. في أسئلته الجارحة.. في مقاييسه القاسية.. في تعريفاته الضيقة للأنوثة والأمومة.

(نرجس) لم تخلق في فراغ.. بل في بيئة تدفع نحو الكسر.. ثم تعاقب عليه.. (نرجس) ليس عملا عن الجريمة.. بل عن الحد الفاصل بين ما هو لك.. وما ليس لك.. عن تلك اللحظة.. التي يختار فيها الإنسان.. أن يمد يده إلى ما لم يكتب له.. فيكسر شيئا أعمق من القانون.. يكسر نظام المعنى نفسه.. إنه عمل يضعنا أمام مرآة صعبة.. ليس لنرى (نرجس).. بل لنرى أنفسنا.. حين نرفض حدودنا.. ونبرر ذلك باسم الألم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.