رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

لم تكن (نرجس) مجرمة، بل كانت ضحية!

لم تكن (نرجس) مجرمة، بل كانت ضحية!
أنا لا أكره (نرجس)، بل أراها ضحية.. ضحية كل كلمة سيئة قيلت لها، كل اتهام بالنقص
لم تكن (نرجس) مجرمة، بل كانت ضحية!
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي

لا يعلم القاضي أن هدم مشاعر الطفل منذ الصغر يجعله تائهًا، لا يدرك أن المفر الحقيقي يبدأ حين يُمنح فرصة ليُعلن عن نفسه.. حين يقف المعلم ويقول له: (أنت لا تعي، أنت لا تفهم) فإنه يزرع داخله شكًّا قاتلًا في قدراته، ويغرس فيه شعورًا بالنقص.. هل تعلم ما معنى أن يشعر طفل بالنقص وبالوحدة، كما جاء في مسلسل (حكاية نرجس)؟.. هل تعلم كيف يبدو طفل لا يراه أحد؟ لا يلتفت إليه أحد؟.. طفل يتساءل طوال الوقت: أين أنا من هذا العالم؟

ثم يأتي من هو أقرب الناس إليه، فيصفه بقبح المنظر، أو بعدم القدرة، أو بالغباء، وأحيانًا يفضّلون عليه غيره.. وهو صغير، لا يفهم، لا يدرك، فقط يسأل: ماذا فعلت؟ هل لأن الله خلقهم أفضل مني؟.. هكذا نُقل إليه، أو هكذا أُجبر على أن يتوهم.

لماذا هم محبوبون؟ لماذا نالوا الرضا من الله، ومن الأهل، ومن الأصدقاء؟.. ولماذا أنا وحيد؟ لماذا أقف بعيدًا ولا يراني أحد؟

أسئلة قد تُحطم نفسيته، وقد يصبح أقصى حلم لديه  أن يصرخ: (أنا هنا) بحسب أحداث مسلسل (حكاية نرجس)، وقد تتحول تلك الانتقادات إلى دافع لا حدود له لإثبات الذات، فيسعى ليكون الأفضل، ينجح في عالمه الخاص، ويرفض أن يسمح لأحد بالدخول إليه. وحين يصل، يتهمونه بالغرور.

لكن غروره ليس تباهيًا، بل إعلان وجود.. لذلك، أنا لا أكره (نرجس)، بل أراها ضحية.. ضحية كل كلمة سيئة قيلت لها، كل اتهام بالنقص، كل نظرة جعلتها تشعر- وهي تسير في الشارع – أنها ليست امرأة كاملة.

لم تكن (نرجس) مجرمة، بل كانت ضحية!
في المناطق الشعبية، الألسنة لا ترحم، وخصوصًا النساء.. حين تقع إحداهن تحت أعينهن

لماذا أصبح قاسيًا أو حادًا؟

لنكن صادقين مع أنفسنا: في المناطق الشعبية، الألسنة لا ترحم، وخصوصًا النساء.. حين تقع إحداهن تحت أعينهن، لا يتركنها، تصبح حديثهن ليلًا ونهارًا.

(نرجس) هى كل إنسان رجلًا كان أو امرأة أو طفلًا – تعرض للسخرية، لنظرة كراهية، لكلمة جارحة جعلته يتألم ويسأل: لماذا كل تلك الكراهية؟

(نرجس) هى كل إحساس بالنقص وُلد لأن هناك من رفض أن يمنح صاحبه مكانًا في حياته.. وخصوصًا إن كان هؤلاء هم الأهل.

في مجتمعاتنا، نصنع النقص بأيدينا.. حتى حين نتحدث عن الدين، كثيرًا ما يكون الحديث قائمًا على الاتهام: هذا ناقص الإيمان، ذاك بعيد عن الله، وآخر كافر أو ملحد..

لا أحد يسأل: لماذا اختار هذا الإنسان هذا الطريق؟ لماذا أصبح قاسيًا أو حادًا؟

الإنسان الذي لا يرى الحنان في عيني أمه، ولا يشعر بمحبة أبيه، لن يكون مواطنًا صالحًا.. وفي مجتمعاتنا، الإنسان دائمًا ناقص في أعين الآخرين.. نخاف من بعضنا حتى في أبسط تفاصيل الحياة.

القوانين لا تُصاغ للحصول على الحقوق، بل كثيرًا ما تُصاغ للانتقام.. نضع قوانين الأسرة لصالح طرف على حساب آخر، ونغفل الحقيقة الأهم: الطفل هو الهدف.

يجب أن نختار الأفضل، لا الأضعف في نظرنا.. لا ننظر للمرأة ككائن ضعيف فننحاز لها، ولا للرجل كذلك، بل ننظر للإنسان، وللمصلحة الحقيقية، خاصة مصلحة الطفل الذي لا يملك حق الاختيار.. نحن نبحث عن المحبة بالكلمات، لا بالأفعال.

(نرجس) نموذج لامرأة كانت تتمنى أن تُحب وأن تُحب، وأن تعيش حياة عادية، لكن قسوة المجتمع جعلتها صلبة، وجعلتها ترى أن من حقها أن تنتزع سعادتها من الآخرين.. مجتمعنا آثم.. نعم، يجب أن نعترف بذلك.

(نرجس) قد تكون تلك الفتاة التي سُرق ميراثها لأنها أنثى، لأن عمها كان وليًّا عليها، فكبرت وهي ترى الفقر ينهشها، بينما غيرها يعيش في الغنى بمالها.. فتقرر الانتقام.. ربما تقتل عمها، أو تعيش في بيته وهى تهدمه، حتى لو انهار فوق رأسها.. وقد تكون تلك الطفلة التي تعرضت للتنمر في المدرسة، فقررت أن تنتقم بأبشع الطرق.

(نرجس) هى كل من تعرض للقهر والظلم.

ورغم قوة كلمة القاضي، فقد نسي أن قتل الإنسان نفسيًا – وجعله في صراع دائم لإثبات ذاته – هو أعظم جريمة يمكن أن تُرتكب بحق الإنسانية.. حين تنزع من الإنسان إحساسه بالحياة.. فقد قتلته بالفعل.

لم تكن (نرجس) مجرمة، بل كانت ضحية!
نعم، ما زلت في صف نرجس.. ولا أبرر الجريمة، لكنني ألوم من صنعها: المجتمع القاسي

ما زلت في صف نرجس

نعم، ما زلت في صف نرجس.. ولا أبرر الجريمة، لكنني ألوم من صنعها: المجتمع القاسي، والأهل الذين لا يدركون أن كلمة واحدة قد تهدم عالمًا كاملًا داخل إنسان.. الكلمة مفتاح الحياة.. ونحن نتفنن في استخدامها كأداة قهر.

حين قالت نرجس يومًا: (هل ترفض دار الأيتام أن تعطيني طفلًا لأنني فقيرة؟.. كان الرد: نعم أنت لا تصلحي أم.. لأنك فقيرة.. فحملت الفقر داخلها.. وفي عيون الناس.

قال القاضي: إن الله يمنع لحكمة.. لكن (نرجس) لم تكن تملك القدرة على فهم تلك الحكمة، ولا يمكن أن نطلب منها الإيمان بها بينما كل من حولها لا يرى في حرمانها إلا نقصًا.

مشكلتنا أننا نقدم الحلول في شكل نصائح ومواعظ، لكننا لا ننظر إلى الواقع.. الحل الحقيقي ليس صدقة.. بل فرصة عمل.. ليس عطاءً مؤقتًا.. بل إعادة تأهيل لعقل فقد القدرة على الحلم.

بيئة (نرجس) هى بيئة هذا المجتمع كله.. نحن نتوهم أننا أكثر الناس إيمانًا، وأكثرهم ثقافة، وأكثرهم تماسكًا.. لكننا نعيش وهمًا، خلق نماذج أخطر بكثير من (نرجس).

(نرجس) كان لها هدف واحد: أن تكون أمًا.. أما مجتمعها، فكان له هدف واحد: تدمير الآخرين.. طالما استطاع.. وللأسف.. تركنا من صنع الجريمة، وانشغلنا فقط  بمن ارتكبها.

لم تكن (نرجس) مجرمة، بل كانت ضحية!
ارحموا أولادكم.. فالطفل حين ينظر إلى أمه، لا يريد شيئًا من هذا العالم سوى ابتسامة تمحو عنه قسوته

رسالة نرجس

ارحموا أولادكم.. فالطفل حين ينظر إلى أمه، لا يريد شيئًا من هذا العالم سوى ابتسامة تمحو عنه قسوته، وتمنحه الأمان.. ولا تنسوا أن أبناءكم، مهما كبروا وبلغوا من العمر ما بلغوا، سيظلون يرونكم بعين الطفل.. حتى وإن وصل أحدهم إلى الستين أو السبعين، يظل حين يرى أمه، يتمنى منها كل شيء:

اللقمة الحلوة التي كانت تطعمها له.. الحضن الذي كان يخبئه من قسوة الدنيا، والأغنية التي كانت تغنيها له قبل النوم.

رسالة (نرجس) واضحة وصريحة: الطفل ليس كيانًا عاديًا.. بل هو كتلة من المشاعر، تنتظر كلمة واحدة فقط: أنت شاطر.. أنت أفضل إنسان في عيني.. أنت في قلبي.

أقولها بصدق: أنا لا أرى نرجس مجرمة ولا شيطانة، بل أراها نتيجة.. نتيجة لأسرة ومجتمع.. الأب والأم في حياة الطفل هم الحلوى.. هم السكر الذي يُحلي مرارة الدنيا.. فكيف نحرم الطفل منهم؟.. وكيف تسمح قوانين أن تُهدر قيمة الأسرة، وأن يُمنع الأب أو الأم أو حتى الجد والجدة من رؤية أبنائهم وأحفادهم؟.. أنتم بذلك تصنعون جيلًا مهزومًا من الداخل.

(نرجس)، حين خطفت يوسف، لم تكن تخطف طفلًا.. كانت تخطف فرحتها التي حُرمت منها، كانت تبحث عن حب افتقدته، وقررت أن تربي طفلًا، لعلّه حين يكبر، يحبها.. بعد أن كرهها الجميع.

لا تنظروا فقط إلى القوانين التي تُكتب في غرف مغلقة.. إن لم تكن عادلة، فارجعوا إلى قلوبكم.. إلى إنسانيتكم.. إلى عقولكم، قبل أن يتحول المجتمع كله إلى (نرجس) أخرى.. مكسورة، مقهورة، مريضة، ينهشها الألم.

وفي النهاية: هى ليست إلا نتاجًا لأسرتها ومجتمعها.. شكر خاص لكل من شارك في هذا العمل الرائع.. وشكر لكل المشاعر التي وصلت إلى قلوبنا، وتحية خاصة لكاتب أحب، وعاش، وتألم ليُخرج لنا هذا العمل الصادق.. ولمخرج يعرف كيف يحول الكلمة إلى صورة تنبض بالحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.