

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
على الرغم من حديث (الرئيس عبد الفتاح السيسي) قبل سنة تقريبا حول ضبط إيقاع (الدراما المصرية)، وتخلصها من موبقات العنف والعشوائية والمخدرات وإهانة المرأة، والخيانة، وتجارة المخدرات، وكان قد أصدر سيادته تعليمات قبل انطلاق الموسم الحالي بضرورة مراعاة التقاليد التي تربي عليها المجتمع المصري، إلا أن هناك إصرارا غريبا في العصيان والتحدي لتعليمات الرئيس وضربها عرض الحائط، وكأن شيئا لم يكن.
كنا قد تفاءلنا بتعليمات الرئيس بأن مسار (الدراما المصرية) سوف يعتدل في موسم رمضان 2026، من خلال اختيارات مغايرة، لكن تمخض الجبل فولد فأرا، 22 مسلسلا أعلنت المتحدة أنها حصيلة موسم ضبط المعايير، لم ينجو منها سوي عدد لايزيد عن أصابع اليد الواحدة يمكن أن نستثنيها برغم النتوءات التي اعترتها، فما تزال الغالبية منها مليئة بذات الموبقات التي حذر منها الرئيس.
ولم نلمح في الأفق القريب أية علامات للجنة الدراما المنوطة بمسألة الضبط، واجتمعت لجنة الـ (67) عدة مرات، ولم تظهر لها أية علامات تفيد بتعديل مسار (الدراما المصرية) على أي مستوى كان!
لقد شهدت المواسم الخمسة الأخيرة في (الدراما المصرية) أكبر مغالطات في حق الوطن والمواطن على مستوى النصوص الرديئة، من تكرار مقيت لنفس الأفكار، فضلا عن تكرار النجوم الذين يخاصمون الأداء الجيد، وشاهدنا في مواسم ضبط المعايير نفس المشكلات وكأننا ندور في نفس الفلك العقيم من القمامة الدرامية الغارقة في براثن التردي المهني وعدم الاحترافية التي تربي عليها صناع (الدراما المصرية).
جاءت (الدراما المصرية) في موسم ضبط المعايير (2026) مثل الملابس المستعملة، التي تفتقد رونقها وزهاء ألوانها، فعلي الرغم من التقنيات المذهلة في التصوير والديكور والاستعانة بالذكاء الاصطناعي، إلا أن الجهل بمشاكل المجتمع الحقيقية كان ظاهرا في تحد سافر وفج على مستوى الشكل والمضمون، جراء أفكار بالية لا تغني ولا تثمن من جوع، بقدر تسجل قصورا كبير على جناح الترسيخ للتفاهة وضرب الهوية المصرية.




ظاهرة (تمثيل الجعير)
في هذا الموسم حدث ولاحرج عن العنف والعشوائية والمخدرات وتجارة الآثار والخيانة الزوجية، تلك التي أصبحت آفة (الدراما المصرية)، لكن ما زاد الطين باله أن ظاهرة (نمبر وان) وركوب الترند أصبحت هوس النجوم الذين تباروا في التراشق والحديث بشيفونية حول صعود أعمالهم سلم النجومية وتصدر المرتبة الأولى في المشاهدة، ونحن نعلم يقينا أنه ليس هناك إحصاءات دقيقة.. فهى لاتعدو أن تكون سوى تزييف متعمد لواقع الأرقام.
ويبدو ملحوظا أن ظاهرة (تمثيل الجعير) والصوت العالي، وخروج المرأة عن وقارها بشكل هيستري، والأداء (الأوفر) هو السائد في ثوب (الدراما المصرية) التي سجلت أكبر خروج عن المعايير رغم أنها كانت منوطة في موسمها الحالي، فهاهو (أحمد العوضي) – بديل المأسوف عليه محمد رمضان – بصوته الأجش راح يصول ويجول في ميادين الميولودراما الرديئة، ومعه نخبة من الممثلين الأوفر على جناح التشنج والزعيق.
وفي ذات السياق من الأداء الميلودرامي المبالغ فيه بادله (مصطفى شعبان، محمد إمام، عمرو سعد) نفس (تمثيل الجعير) في تحديات البطل الشعبي الذي يبدو مظلوما في الحلقات الأولى، ثم ما يلبث إلى الانتباه إلى ضرورة أخذ حقه بالدراع وتحدي القانون في غيبة من وعي مؤلفي هذه الدراما الرديئة، ناهيك عن مسلسلات مثل (الست موناليزا، أب ولكن، نون النسوة) وغيرها من أعمال تخاصم القانون والعدالة الاجتماعية، وأيضا تعنيف الأطفال، والمبالغة في المونودراما المعذبة.
إنه فعل درامي رجيم يثبت أن ورم الردءة السرطاني تمكن من جسد صناع (الدراما المصرية) وأصابه في مقتل، مما يستدعي تدخلا جراحيا كبير لاستئصال هذا الوروم الذي يكبر شيئا فشيئا ليأتي على القوى الناعمة المصرية، بتدعيات مخيفة تحقق أهداف من يكيد لنا من الأشقاء والغرباء على حد سواء.. فلننتبه هناك من يحاول النيل من قوانا الناعمة بطريقة دس السم في العسل.
المتأمل للمشهد عن كثب سوف يلحظ أن نفس الموضوعات هى هى.. فقط يتم تدوير الأفكار والملابس مع تغيير طفيف في الديكور الذي يسكن نفس الحارة أو البيئة الشعبية التي تخاصم الواقع المصري المعاش، ويصنع نفس الأحداث والتداعيات التي تحط من شأن المصريين، وتصورهم على أنهم مجرد شرزمة من البشر لا يدركون تاريخ بلاهم الحضاري العظيم.
لقد أصبح حال (الدراما المصرية) فوق احتمالنا، بعد أن هبط صناعها بنا إلى الدرك الأسفل من قاعدة هرم الإبداع، بدعوى أن (الجمهور عاوز كده)، وأن الدراما وظيفتها رصد الواقع وتجسيده بحلوه ومره، وهذا غير صحيح بالمرة.. فقط هؤلاء نصبوا أنفسهم أوصياء علينا بيد من حديد على جناح (احتكار المتحدة) التي تعبث بالدراما المصرية منذ عام 2017.

دور (الدراما) المحوري
نعم أقولها وبصراحة مطلقة: لقد أصبحت (المتحدة) عبئا كبيرا، بل تشكل خطرا جسيما على هذه الأمة، عندما خاصمت مبدعيها الحقيقيين، ولجأت إلى هزيان ورش الكتابة الزائفة، وسيطرة سلة بعينها من المسئولين عنها الذي يفتقدون العقل والمنطق، عندما راحوا يروجون لفكرة تسلية الناس لا تثقفيهم وتوعيتهم بتلك الأفعال الدرامية الرجيمة، وهو لا يدركون التطورات الحادثة في الدراما التليفزونية من حولنا.
كما بات واضحا أن صناع الدراما في (المتحدة) لا يدركون هذا النمو المطرد لدور (الدراما) في حياتنا المعاصرة هو ما أكد تلك الحقائق، حتى بات لمفهوم (الدراما) دور محوري في حياتنا المعاصرة وسياقاتها الثقافية المجتمعية، حيث يعتبرها أغلب علماء علم الاجتماع المعرفي (ظاهرة من ظواهر التاريخ الأدبي، ووثيقة من وثائق التاريخ الإنساني)، ولنا في موسم رمضان 2025، بعض العبرة والمثل.
ياسادة: مع تجسد الأحداث اليومية التي تشكل النواة الأساسية للتاريخ الإنساني، أصبح سرد (الدراما) التليفزيونى هو البديل المثالي لتسجيل حركة التاريخ القادمة من رحم تلك الأحداث، جراء تطور صناعة الفعل الدرامي، وتأثيرها كأداة للتغيير الاجتماعي.
وتأكيدا لنبوءة أرسطو في كتاب الشعر: التي تقول (إن التاريخ يكتب الأحداث كما وقعت، ولكن الدراما تكتب الأحداث كما كان ينبغي أن تقع)، وهى الحقيقة التي أدركها (الرئيس عبد الفتاح السيسي)، انطلاقا من وعيه بخطورة اللحظة الحالية، لذا دق ناقوس الخطر لإيقاظ الضمير، وتحويل الدفة نحو (الدراما) كفن راق يخطو نحو آفاق جديدة تعلي من شأن القيمة والمعنى.
وخاطب صناع الفن بوجه عام – قبل 10 سنوات – قائلا: (والله ربنا حاسيبكم)، وربما كان ذلك مرده أننا عشنا – وقتها – موسما دراميا في رمضان، يعد الأسوأ من ناحية الموضوعات التي غرقت في براثن العنف والغضب، وسفك الدماء وقتل الآباء وسب الأمهات، وسرقة المليارت، والذهاب بالخيال التجاري الواهي إلى داخل قصور فخمة.
أومقاعد وثيرة ومخادع مخملية لاتدنو من قضايا البسطاء والمعذبين في الأرض إلا على جناح العشوائيات، وأوكار المخدرات وإهانة المرأة المصرية، في تكرار ممل يخاصم جماليات الفن في جوهره الأصيل، والوطنية المفقودة في حربنا الحالية ضد الإرهاب والغلاء، ويصيب الناس في نهاية المطاف بالأذي، ولعل شيئا من هذا القبيل شاهدناه في دراما رمضان 2026، الذي شهد سقوطا مدويا من جديد.

الانطلاق الحقيقي نحو التصحيح
لأجل كل مامضى فتحت هذا الملف الشائك بتفاصيله المرعبة – قبل سنة – مؤكدا: حتى تكون (الدراما المصرية) طوق النجاة والخلاص، لابد لها أن تجسد لنا ملحمة رد الاعتبار للشاشة الفضية المصرية، التي كانت يوما صاحبة الريادة، ومنبرا حرا للتنوير، ووسيلة نظيفة للمتعة والتسلية والتسرية المفيدة التي تحمل تلك الرسائل التي لاتخدش الحياء في جلها، بقدر ما تجنح نحو آفاق تربوية تثقيفية بوعى من ضمير.
وأظن أن الحل الجذري لأجل أن تكون (الدراما المصرية) أداة فعالة في التغيير الاجتماعي، يكفل لنا الانطلاق الحقيقي نحو التصحيح، بأن نفتح الآفاق أكثر للشركات الخاصة، وهو أمر سيتيح الفرص لإنتاج فني على مستوى عالي من الجودة التي من شأنها استعادة ريادة مصر الفنية والإعلامية على النحو المطلوب.
وقبل سنة أيضا كنت أبني وجهة نظري على الدروس المستفادة من موسم رمضان 2025، فقد احتوى هذا الموسم على عدد من المسلسلات ذات الـ (15 حلقة) مثل (النص، الشرنقة، قلبي ومفتاحه، إخواتي، ولاد الشمس، 80 باكو، جودر2، الأميرة، لام شمسية، قهوة المحطة، عايشة الدور، حسبة عمري، منتهي الصلاحية)، وغيرها القليل من نوعية الـ 30 حلقة.
وأهم ما تميز به هذا الموسم هو براعة الكتابة، وروعة الأداء لدي الممثلين والمخرجين من أجيال الشباب المبشر، وهو أمر جاء بالمصادفة دون تخطيط، وما يؤكد ذلك أن نفس الموسم احتوى على مسلسلات رديئة على مستوى الشكل والمضون، ومن ثم فقد أساءت لهذا الموسم الجاد حقا.
ولكن يبدو أنه لاحياة لمن تنادي، فقد شهد هذا الموسم سقوطا مدويا لغالبية المسلسلات الـ (40) التي أنتجتها (المتحدة وبعض المنصات، وعدد محدود من الشركات الخاصة).. لاأستثني منها سوى عدد قليل مع انتهاء الموسم، منها: (صحاب الأرض، عين سحرية، حد أقصى، اتنين غيرنا، كلهم بيحبوا مودي، اللون الأزرق، حكاية نرجس، فرصة أخيرة).. فقط تلك هى الأعمال التي نجت من براثن التردي في موسم رمضان 2026، وربما هى أعمال كان يقصدها الرئيس عندما أشاد ببعض التغيرات التي حدثت في هذا الموسم.
وأقولها بصراحة: لابد من خطة محكمة الآن، فنحن بحاجة ماسة إلى قرار سيادي من جانب رأس الدولة، يلزم (المتحدة) أولا، ثم المجلس الوطني للإعلام في بحل مشاكل (الدراما) التلفزيونية والإعلام بشكل عام، حتى نتمكن من استعادة التوازن بين طرفي المعادلة (القطاع العام – القطاع الخاص)، أو تفكيك تلك الشركة التي أصبحت وصمة عار على الدراما المصرية بسبب ضيق الأفق والشلالية والمحسوبية.
ففي الماضي كانت هناك أعمال ضخمة لايقوى على الاقتراب منها القطاع الخاص، على مستوى التاريخي والاجتماعي، بينما الإنتاج الخاص كان له دور في تقديم الأجود من أعمال أخرى، لكن الخلل الذي أصاب بعض مسارات الإنتاج الدرامي وترك الساحة نهبا لشركات واحدة بعينها هو من خلف حالة التردي شكلا ومضمونا، وبالتالي تأثرت البنية الإبداعية بمفاهيم السوق الجديدة.. أقول كلمتي، والله من وراء القصد في تمنياتي الطيبة لبلادي.