
* الفن ليس مجرد صناعة.. بل حكاية إنسانية تجمعنا مهما اختلفت مواقعنا!
بقلم الدكتور: إبراهيم أبو ذكري*
بعد أن نشرت مقالي هنا بـ (بوابة شهريار النجوم) تحت عنوان (صلاحيات نقابة المهن التمثيلية بين نص القانون وإرادة البرلمان)، كتبت فيه بصدق القلب عن القوانين المنظمة للنقابات الفنية في مصر، وعن حقيقة الوضع القانوني لـ (المنتج الفني)، الذي لا تحميه في كثير من الأحيان سوى قواعد النظام العام والقانون العام، إلى جانب صفته القانونية كتاجر يحمل بطاقة ضريبية وسجلًا تجاريًا، بدأت ردود الفعل تتوالى.
كنت في هذا المقال أحاول أن أضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن أذكر الجميع بأن (المنتج الفني) – رغم كونه طرفًا رئيسيًا في صناعة الدراما – ظل لسنوات طويلة يعمل في مساحة تنظيمية غير مكتملة، وهو ما دفعنا منذ سنوات إلى محاولة لملمة شتات المنتجين وإيجاد إطار مؤسسي يعبر عنهم.
ومن هنا جاءت خطوة إطلاق الشعبة العامة للإعلام ومنتجي الأعمال الفنية ضمن منظومة الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، وهى خطوة أردنا من خلالها أن نضع (المنتج الفني) في مكانه الطبيعي داخل المنظومة الاقتصادية للدولة، باعتباره مستثمرًا وصانع صناعة، لا مجرد طرف ثانوي في العملية الفنية.
كان الهدف واضحًا: تدعيم صناعة الدراما المصرية، وإعادتها إلى موقعها الذي تستحقه في العالم العربي، من خلال التنسيق بين جميع عناصر العمل الفني؛ من الفنانين والفنيين إلى المنتجين، بحيث تصبح الصناعة كلها منظومة متكاملة لا صراعًا بين أطرافها.

عمق العلاقات المهنية المحترمة
وقد تلقيت ردًا على مقالي بقلم الدكتور أشرف زكي نقيب الممثلين بعنوان (حول مغالطات ما نشر بعنوان: حدود صلاحيات نقابة المهن التمثيلية) يبين فيه تفسيراته حول القانون المنظم للنقابات الفتية في نفس (بوابة شهريار النجوم) ، دون أن أكون قد اطّلعت عليه في حينه.
لكن الأهم أن الأمور لم تبقَ في إطار المقالات والردود، بل حولها المنتج (محمد فوزي) نائب رئيس الشعبة العامة للإعلام ومنتجي الأعمال الفنية بالاتحاد العام للغرف التجارية.. إلى لقاء مباشر جمعني بالدكتور أشرف زكي.
نقلت تفاصيل ما دار فيه إلى الكاتب الصحفي محمد حبوشة رئيس مجلس (بوابة شهريار النجوم) – الموقع الذي استضفنا – والذي طلب مني أن أكتب – وبوضوح – ما انتهت إليه هذه الحوارات، حتى تُحسم الصورة أمام الرأي العام.
في مستهل الحديث، يطيب لي أن أتوقف أمام تلك العلاقة المهنية الهادئة التي جمعتني بالدكتور أشرف زكي منذ أن حمل أمانة نقابة المهن التمثيلية وحتى يومنا هذا.
علاقة لم تذهب يومًا إلى دفء الصداقة الحميمة كما كان الحال مع بعض النقباء الذين سبقوه، لكنها ظلت دائمًا علاقة لها نُبلها الخاص؛ علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، وعلى تقدير إنساني ومهني صادق، يشبه في رصانته ذلك الهدوء العميق الذي تسكن فيه الثقة دون ضجيج.
كانت دائمًا علاقة تشبه – في جوهرها – علاقة (المنتج الفني) بالفنان؛ علاقة يولدها الشغف ذاته بصناعة الدراما، وتغذيها الرغبة المشتركة في أن تظل هذه الصناعة مرآة لروح المجتمع. لكنها، مثل كل علاقة حقيقية في عالم الإبداع، لم تكن دائمًا طريقًا مفروشًا بالهدوء، لأن الدراما نفسها كائن حي يتنفس مع الزمن، ويتبدل مع تحولات الواقع.
ففي السنوات الأخيرة، تبدلت ملامح المشهد الدرامي كثيرًا.
أصبح الممثل في مصر – بفعل سطوة شركات الإعلان – أقرب أحيانًا إلى موقع رب العمل، بينما وجدت قنوات البث نفسها تميل مع رياح السوق حيث تميل مصالح الإعلان ونفوذه.
ومع هذه المعادلة الجديدة، بدا وكأن المسلسل المصري يفقد شيئًا من ذلك البريق العربي القديم؛ لا لأن مصر فقدت موهبتها أو تراجع تاريخها، فمصر كانت وستظل منبع الحكاية العربية الأولى، ولكن لأن بعض ما يُصدَّر من محتوى ثقافي وأخلاقي لم يعد دائمًا منسجمًا مع ذلك الذوق العربي الذي اعتاد أن يرى في الدراما المصرية مرآة لوجدانه، وصوتًا قريبًا من روحه.

علاقة ربما لم تكن صاخبة
وهكذا، ومع تغير الموازين، تبدلت أيضًا الصيغة القديمة للعلاقة بين نقابة المهن التمثيلية والمنتجين.. لكن ما بقي ثابتًا، وسط كل هذه التحولات، هو الإيمان العميق بأن الدراما لا تزدهر إلا حين تتعانق أطرافها بروح من الاحترام والتوازن؛ تمامًا كما ظلت تلك الروح تحكم علاقتي المهنية بالدكتور أشرف زكي عبر كل هذه السنوات.. علاقة ربما لم تكن صاخبة، لكنها كانت دائمًا نبيلة، هادئة، وعميقة كالماء الذي يعرف طريقه دون أن يعلن صوته.
وهكذا تبدّلت، مع مرور الزمن، صيغة العلاقة القديمة بين نقابة المهن التمثيلية والمنتجين.. فبينما صعدت حقوق أعضاء النقابات الفنية، مدعومة بالقوانين والتعديلات الإدارية والحضور الإعلامي، تراجعت – في المقابل – بعض حقوق المنتج؛ ذلك الطرف الذي يتحمّل عبء المغامرة، ويضع رأس المال على طاولة الحلم، ويخوض رهانات السوق بكل ما فيها من مخاطر.
ومن هنا جاءت المواجهة بيني وبين الدكتور أشرف زكي.. مواجهة لم تكن يومًا شخصية، بقدر ما كانت اختلافًا في العقيدة المهنية.. هو، بحكم موقعه ومسؤوليته، يقف حارسًا لحقوق الجماعة الفنية التي يمثلها، مدافعًا عن أعضائها وعن مصالحهم.
وأنا، من موقعي وتجربتي الطويلة، أحاول أن أحمي ما تبقى من حقوق المنتج، وأن أفتح نوافذ أمل لاستمرار الاستثمار في صناعة الدراما المصرية، تلك الصناعة التي لا يمكن أن تعيش إن اختلّ توازن أطرافها.
ولقد كادت حرارة هذا الاختلاف أن تعصف بما تبقى من دفء الود بيننا، وكادت المواقع الوظيفية أن تدفع بالعلاقة خارج المسار الذي اعتدته منذ سنوات بعيدة؛ منذ الأيام الأولى التي أسست فيها جمعية المنتجين المصريين في مطلع الثمانينيات، حين كنا نحلم جميعًا بصناعة دراما قوية، عادلة، تحمي المبدع والمنتج معًا.
كان ذلك زمن الأحلام الكبيرة، حين أدركنا مبكرًا أن الدراما ليست مجرد فن محلي، بل سلعة ثقافية عربية عابرة للحدود، تخاطب وجدان الأمة كلها. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء تجمعات إنتاجية مصرية وعربية ترعى هذه الصناعة وتمنحها إطارًا مهنيًا يحفظ توازنها.


جلسة بلا بيانات رسمية
وعلى امتداد العقود، شاركت في تأسيس كيانات عديدة تهتم بصناعة الدراما، كان معظمها تحت رئاستي، لكنها جميعًا حملت الفكرة نفسها: أن تبقى هذه الصناعة جسدًا واحدًا تتكامل فيه الأدوار ولا تتصادم.
وفي كل تلك التجارب، ظل هناك دائمًا خيط رفيع من التعاون يمتد بيننا وبين نقابة المهن التمثيلية.
خيط من الاحترام المتبادل والتقدير الصادق، لأننا – رغم اختلاف المواقع – ندرك أن ما يجمعنا في نهاية المطاف هو الإيمان ذاته: أن الفن المصري يستحق أن نحميه جميعًا، كلٌ من موقعه، وكلٌ بطريقته.
مددنا أيدينا للتعاون منذ زمن بعيد.. منذ أيام النقيب الكبير (حمدي غيث)، مرورًا برموز فنية عظيمة حملت مسؤولية النقابة مثل (زكريا سليمان وعبد الغفار عودة ويوسف شعبان ويوسف فخر الدين).. وصولًا إلى النقيب الحالي أشرف زكي.
كانت تلك الرحلة الطويلة ومن بداياتها إلى الآن تقول دائمًا إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.. لكنه أحيانًا يترك مسافة صامتة بين القلوب يوصلها أصدقاء مشتركين ولذلك كان لابد أن يتدخل القدر – أو ربما الأصدقاء – ليعيدوا ترتيب المسافات، فجاءت تلك الأمسية الهادئة في منزل الصديق المشترك المنتج (محمد فوزي).. جلسة بلا بيانات رسمية، ولا أوراق عمل، ولا عناوين صحفية.
جلسنا كرجال يعرف كل منا تاريخ الآخر.. وكان حضور الفنان الرقيق (أيمن عزب)كأنه موسيقى خفيفة تعيد للقاء روحه الإنسانية.
في تلك الليلة اكتشفت شيئًا بسيطًا.. أن الخلاف حين يبتعد قليلًا عن ضجيج المناصب، يعود إلى حجمه الطبيعي: اختلاف وجهات نظر.. لا أكثر.. ضحكنا قليلًا.. وتذكرنا كثيرًا.. وتحدثنا عن الدراما كما يحبها القلب لا كما تفرضها الحسابات.
وفي نهاية تلك الجلسة الهادئة التي امتزج فيها الود بالعقل، والذكريات بالرغبة الصادقة في الإصلاح، خرجنا باتفاق بسيط في كلماته.. عميق في معناه.
اتفقنا على أن تكون هذه الأمسية الجميلة بداية لا نهاية.. بداية لسلسلة من الجلسات الحوارية المنتظمة التي تجمع بين المنتجين التجاريين من صناع الدراما وأعضاء مجلس إدارة نقابة المهن التمثيلية، في مساحة من الصراحة والاحترام المتبادل.
جلسات لا يُرفع فيها صوت المصالح الضيقة، بل يُرفع فيها صوت الدراما المصرية نفسها.. تلك الصناعة التي لم تكن يومًا مجرد تجارة أو مهنة، بل كانت دائمًا جزءًا من القوة الناعمة لمصر، ورسالة ثقافية شكلت وجدان العالم العربي لعقود طويلة.

المبدع و(المنتج) إلى مائدة واحدة
وكان الهدف واضحًا بيننا جميعًا: أن نبحث معًا عن السبل التي تعيد الريادة الفنية المصرية إلى مكانها الطبيعي، وأن نعمل على تذليل العوائق التي تراكمت في طريق هذه الصناعة الاستراتيجية؛ سواء كانت عوائق تشريعية أو تنظيمية أو اقتصادية.
فالدراما المصرية لا يمكن أن تزدهر إلا إذا جلس المبدع و(المنتج الفني) والنقابة إلى مائدة واحدة.. يتحاورون لا يتصارعون، ويبحثون عن التوازن الذي يحفظ حقوق الفنان… ويصون في الوقت ذاته حق المنتج في الاستثمار والاستمرار.
وهكذا انتهت الجلسة كما بدأ.. بابتسامة، وبوعدٍ بأن الحوار الصادق قد يكون أحيانًا أقوى من أي قرار.. لأن من يحب هذه الصناعة حقًا… لا يبحث عن الغلبة، بل يبحث عن مستقبلٍ يليق بتاريخ الفن المصري.
وفي نهاية السهرة أدركت أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى أن تصبح صداقة كاملة.. يكفيها أن تبقى مسافة ود.. مسافة تحفظ الاحترام، وتترك الباب مفتوحًا للحوار، وتذكرنا دائمًا أن صناعة الفن أكبر من خلاف، وأن القلوب التي تحب مصر لا يجوز أن تفترق طويلًا.
لأن الفن – في النهاية – ليس مجرد صناعة… بل حكاية إنسانية تجمعنا مهما اختلفت مواقعنا.
* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب