(دموع الحب).. رائعة (محمد عبد الوهاب) و(نجاة علي) التى كانت أول من أظهر جمال لبنان (1/2)


كتب: أحمد السماحي
نحتفل هذه الأيام بعيد ميلاد موسيقار الأجيال (محمد عبد الوهاب) أحد الذين لهم الفضل على الموسيقى العربية، والذي استحدث أسلوبا متميزا في التلحين والغناء، وكان دائما ثائرا يبحث عن الجديد الذي يقدمه، وأحدث تحولا هاما في أسلوبي الغناء والتلحين، وفي ذوق الجمهور أيضا.
وكان يلتقط جمله اللحنية ـ كما يقول الموسيقار مدحت عاصم ـ كما يلتقط الصائغ الماهر فصوص الماس والجواهر الكريمة ليصوغ منها حلية ثمينة، أو كما يجمع البستاني الخبير زهور الروض اليانعة، وورده العطرة ليحيلها إلى باقة عذبة الشذى والأريج تسر بمنظرها وألوانها الناظرين).
هذا الأسبوع في باب (فيلم لا ينسى) نتوقف عند فيلمه الثاني (دموع الحب) تميمة موسيقار الأجيال الحزينة، ورغم أن (محمد عبد الوهاب) كان ممثلا ضعيفا، وليس موهوبا في التمثيل.
ولكن (محمد عبدالوهاب) استطاع أن ينجح في السينما بفضل صوته وألحانه والتجديدات التى أدخلها على الأغنية السينمائية، والتى خلصها من المقدمة الموسيقية، وجعلها تتوافق مع المواقف التمثيلية.
واستبدل الأغاني الطويلة بأغنيات قصيرة، وأدخل عليها الجديد من حيث الطابع والسرعة، كما نقل الديالوج الغنائي من المسرح إلى السينما فظهر في أفلامه الكثير من الثنائيات الغنائية.
وجاء فيلم (دموع الحب) ليرسخ قدم (محمد عبد الوهاب) كنجم سينمائي محبوب من جمهور الثلاثينات، بعد فيلمه الأول (الوردة البيضا)، وحقق الفيلم عام 1935 نجاحا كبيرا واستمر عرضه خمسة أسابيع في سينما (رويال)، ولم ينافسه في طول مدة العرض إلا فيلم (المعلم بحبح)، كما عرض بنجاح باهر في كل محافظات مصر.
وكان (محمد عبدالقدوس) أحد أبطال الفيلم الذي قدم شخصية ابن البلد الشهم خفيف الظل، المعلم (حنفى المأزأز) لا يستطيع السير في الشارع بعد النجاح الكبير للفيلم، ولدوره، حيث كان الجمهور يناديه في كل مكان يا (مأزاز).
وقد احتفت الصحافة والنقاد بالفيلم بشكل يتناسب مع قيمته وأهميته، وعذوبة وتطور ألحانه وأغنياته، وحققت الأسطوانات التى طبعت أغنيات الفيلم لحساب شركة (بيضافون) مئات الآلاف، وحققت أسطوانة أغنية (أيها الراقدون تحت التراب) وحدها عشرات الآلاف.


محمد كريم يحكي ظروف الفيلم
يقول مخرج الفيلم الرائد السينمائي (محمد كريم) في مذكراته عن ظروف مولد فيلم (دموع الحب): بعد النجاح الكبير لفيلم (الوردة البيضاء) اتصل بي (محمد عبد الوهاب) وطلب مقابلتي، في شركة (بيضافون).
وسألنى: (كم تريد أجر لإخراج فيلمي الثاني يا أستاذ كريم؟) فقلت: ثلاثة أمثال ما أخذته في فيلم (الوردة البيضاء)، أي 1500 جنيه، فوافق على الفور، ووقع العقد بهذا المبلغ.
وبدأت في البحث عن قصة له، وتذكرت رواية ترجمها كاتب العشرينات الكبير (مصطفى لطفي المنفلوطي)، وهي (ماجدولين) التى حملت في العربية اسم (تحت ظلال الزيزفون)، وقرأتها لـ (محمد عبد الوهاب) ونالت إعجابه.
وقبل أن أكتب حرفا واحدا في حوار وسيناريو القصة أرسلنا إلى جمعية حقوق المؤلفين بباريس، وطلبت منها التصريح بإخراج القصة في السينما، ووافقت الجمعية وطلبت إلينا سداد الرسوم المقررة، وقمنا بسدادها.


جمال بلاد الشام
يستكمل (محمد كريم) ذكرياته فيقول : عندما بدأت الكتابة فكرت أن تكون بلاد (الشام) التى تشمل (دمشق، ولبنان، والعراق) مسرحا لبعض حوادث القصة.
وقد حفزني إلى هذا الحافز ثلاثة عوامل جوهرية، أولها : تعزيز الروابط بين البلدان العربية، والسينما من أهم وسائل دعم الروابط.
وثانيا: أن البلاد العربية لاسيما لبنان حباها الله جمالا طبيعيا رائعا، وإظهار هذه المناظر الجميلة في السينما يعتبر كسبا فنيا للفيلم.
وثالثا: أن هذه البلدان تعتبر من أهم أسواق الفيلم المصري، فكان طبيعيا أن نشركها في أحداث ووقائع القصة، حتى يوجد التجاوب، وحتى يتوفر عنصر إجتذاب الجماهير.
ولكل هذه الأسباب، سافرت أنا و(محمد عبد الوهاب) في رحلة استكشافية إلى (لبنان، ودمشق، وطرابلس، وحلب، وحمص، وبغداد، وبيروت، وجبل لبنان) واستطعت في هذه الرحلة السريعة في ثلاثة أقطار عربية أن أكون فكرة صادقة عن مدى صلاحية المناظر الطبيعية في هذه البلاد، ولقد ذهلت لجمال المناظر وروعتها.
وعندما عدت إلى مصر كان قد استقر رأيي على إدماج مناظر لبنان على الوجه الآتي، تسافر (نوال/ نجاة علي) بطلة الفيلم، مع والدها (خيرت بك/ محمد توفيق وهبي) إلى لبنان، وترسل من هناك خطابا إلى صديقها وحبيها (محمد فكري/ محم عبد الوهاب).
وللمرة الأولى في تاريخ السينما في العالم كله، تم تصوير الرسالة بأسلوب مبتكر، فقد أظهرت وقائع الرسالة مصورة على الشاشة، فبدأت بصورة (محم عبد الوهاب) وهو يقرأ الرسالة، ويسمع في الوقت نفسه صوت (نجاة على)، ثم استعرضت المناظر والحوادث التى ترويها (نجاة على) مصورة، منذ بدء السفر في الباخرة من بورسعيد إلى أن تصل إلى (أوتيل ضهور الشوير) في جبل لبنان.


رامي يبدع في الأغاني والحوار
بعد رحلة اختيار أماكن التصور، وكتابة السيناريو، اتصلت بالشاعر (أحمد رامي) لأعداد الحوار، والأغاني، وبالفعل أنجز مهمته على أفضل وجه.
وكتب أغاني (أيها الراقدون، تحية العلم، وكروان حيران، وياما بنيت)، فضلا عن اثنين من الثنائيات الغنائية وهما (صعبت عليك)، و(محلى الحبيب) اللذين قدمهما (عبدالوهاب) مع (نجاة علي).
وكتب حسين أحمد شوقي ابن الشاعر (أحمد شوقي) قصيدة (سهرت منه الليالي)، أما موال (في البحر لم فتكم) فهو من الزجل القديم.

البحث عن نجاة وسعاد
يتابع (محمد كريم) سرد ذكرياته عن فيلم (دموع الحب) فيقول: بدأت البحث عن الممثلين، وكان مجال إختيارهم من جمعية (أنصار التمثيل والسينما)، وكانت في ذلك الوقت تضم نخبة ممتازة من الشخصيات التى قامت بدور هام في حياة السينما والمسرح.
وفكرت في اختيار ممثلة تجيد الغناء، تقوم بالدور النسائي الأول، وطلب منى (محم عبد الوهاب) أن أقابل المطربة (نجاة علي) وأبدي رأيي فيها، فذهبت وزرتها في منزلها.
فصدمت أول ما وقع نظري عليها، إذ وجدتها سمينة لدرجة كبيرة، كانت في غاية الرقة والأدب واللطف، وابتسامتها حلوة، ووجهها معبر، ولكن كان وزنها حسب تقديري من 80 إلى 90 كيلو.
وقلت لها شكل واضح وصريح: أنت تخينة جدا!، فردت أمها: رغم أنها لا تأكل كثيرا، إلا أنها تتخن دائما، طبيعتها كده!، فسألتها: (ليه بتاكل ايه؟)، فردت الأم في طيبة قلب: (ولا حاجة يا عيني، بتفطر بـ 23 بيضة بالزبدة!).
فرديت وأنا في ذهول وبشكل ساخر: (وليه 23 بيضة، مش 25 مثلا ولا 30؟)، فردت الأم: (ياريت يا ابني بس هى مترضاش تأكل كتير).
وتدخلت (نجاة علي) وقالت: (أنا عارفة أنى تخينة، وأرفع نفسي ليه؟ طالما التخن موضة، لكن عشان السينما أرفع نفسي حالا، في أسبوع واحد أقدر أخسس نفسي 10 كيلو).
ابتسمت مشجعا وقلت لها: (أنا موافق على اسناد البطولة لك، على شرط أن ترفعي، وتخسي 25 كيلو).
كانت (نجاة علي) قوية الأرادة، فبعد أسبوعين نزل وزنها عشرة كيلو جرامات، وبعد شهر ونصف هبط وزنها 23 كيلو جرام، وعندما أعددت عقدها أشترطت ألا يزيد وزنها عن 60 كيلو جرام.
وبعد اختيار (نجاة علي) لدور (نوال) كنا نريد لها صديقة، ورأيت كثيرا من البنات، ولكن الحاسة الفنية كانت مفقودة عندهن، وذات يوم اتصل بي صديقي الفنان (زكي رستم) وأخبرني أنه عثر على آنسة حلوة جدا وهاوية التمثيل لأبعد حد، هى (سعاد فخري).
وبعد نصف ساعة كان (زكي رستم) مع الفتاة، وما أن رأيتها حتى صحت: (يا آلهي تخينة جدا، وزنها لا يقل عن 80 كيلو)، فطلبت مهلة 3 أشهر، وعادت بعد أربعة أشهر، وكانت بدورها مفاجأة مذهلة إذ نزل وزنها إلى 52 كيلو.


سليمان، وفردوس وعبدالوارث
يواصل (محمد كريم) ذكرياته عن اختيار أبطال فيلمه فيقول : طوال أسابيع كنت منهمك في إختيار أبطالي، فبعد (نجاة، وسعاد)، كان هناك دور (حلمي بك) صديق البطل، وكان يحتاج إلى شخصية جذابة المظهر، جميلة الشكل.
ففكرت على الفور في (سولي) الشهير بـ (سليمان نجيب)، ومن غيره، يقوم بهذا الدور كفتى أول، لكن أيضا كان وزنه كبير، واجحتاحت موجة التخسيس (سليمان نجيب) أيضا، فقد كان لابد أن يهبط من وزنه حوالي 12 كيلو دفعة واحدة، وبالفعل نقص وزنه في مدة بسيطة.
أما شخصية (حنفي محمد المأزاز) ابن البلد الفهلاوي، فرشحت لها على الفور صديقي (محمد عبدالقدوس)، وكان لحنفي زوجة بنت بلد مثله، ولم أهتد إلى الشخصية النسائية التى تناسب هذا الدور، حتى عثرت على سيدة غاية في الرقة وخفة الدم اسمها (فردوس محمد) فتعاقدت معها على الفور.
ولفت نظري في (جمعية أنصار التمثيل والسينما) فنان كان نطقه سليم وأدائه متقن وشخصيته متميزة، وهذا الفنان كان اسمه (عبدالوارث عسر) فتعاقدت معه.
الأسبوع القادم ماذا حدث في باريس وبيروت لأبطال الفيلم، وماذا كتب عنه من نقد؟!