


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
حين صادفني مسلسل (ألف ليلة وليلة) على اليوتيوب لم يكن ما شدّني إليه مجرد التقنيات البصرية أو قدرته على رسم عالم خيالي أخّاذ؛ بل لأن هناك عقولاً قررت أن تسلك طريقاً مختلفاً، أن تخلق لنفسها مساحة من الإبداع لا تشبه غيرها.. كان واضحاً أن صنّاع العمل لا يكتفون باستحضار الحكايات القديمة، بل يحاولون أن يمنحوها روحاً جديدة تجعلها قادرة على مخاطبة زمننا.
لكن الحلقة العاشرة من مسلسل (ألف ليلة وليلة) تحديداً كانت درّة تلك الحلقات التي تابعتها بشغف استثنائي.. فقد أخذتني الحكاية دون أن أشعر إلى قصر الأميرات، حيث يُوضع في يد البطل أربعون مفتاحاً، كل مفتاح يفتح باباً لغرفة مختلفة.
كان عليه أن يفتح الأبواب واحداً تلو الآخر، وأن يرى ويفهم ما تمنحه تلك الأبواب من إشارات ومعانٍ، حتى يصل إلى نتيجة يجب أن يعرفها كل من يجرؤ على فتح الباب والدخول.
كنت أظن أن تلك الأبواب ستقوده إلى تنين أو مخلوقات أسطورية أو حكايات من عوالم بعيدة، فهكذا تعودنا أن تكون حكايات ألف ليلة وليلة. غير أن ريم يونس ورامي عماد قررا أن يضعونا أمام أنفسنا بطريقة ساحرة وغير متوقعة.
فإذا بالبطل، ذلك الذي عاش على جبل المغناطيس وتحول إلى قرد وامتطى ظهور التنانين، يجد نفسه فجأة في قلب عالمنا الحديث.. عالم الحروب التي لا علاقة له بها، يشهدها بعين المندهش المرعوب.. يتحدث عن الأسلحة كما لو كانت وحوشاً من صلب، وعن الطائرات كطيور بلا رحمة. يحدّق في الأرض وقد امتلأت بالدمار، فلا يحتمل ما يراه، فيهرب إلى باب آخر.


يتحركون وفق شفرة خفية
لكن الباب الثاني لم يكن أقل قسوة.. هناك يرى الإنسان وقد تحوّل إلى آلة تمشي على الأرض، تتحكم فيها أجهزة صغيرة يحملها الجميع في أيديهم.. (الهواتف) جهاز يلمع بضوء بارد، لكنه يسرق الإنسان من واقعه ويجعله عبداً له.. ينظر البطل إلى الناس فيراهم وكأنهم يتحركون وفق شفرة خفية؛ المشاعر فقدت قيمتها، والعقول لم تعد قادرة على الفهم أو التأمل.
يرتعب البطل، ويهرب إلى باب ثالث.. في داخله سؤال مخيف: هل يمكن أن يكون هناك ما هو أبشع مما رأى؟
يفتح الباب، فيجد جزيرة ساحرة الجمال؛ قصور فارهة، وأفخم أنواع السيارات، وحياة تبدو مترفة وهادئة.. لكن خلف هذا الجمال يكمن الرعب الحقيقي: الإنسان نفسه صار سلعة تباع لمن يدفع أكثر.
عندها يدرك البطل أن كل ما عاشه من أساطير حيث البوم الذي يتكلم، والإنسان الذي يتحول إلى حيوان، والجن الذي يحكم الممالك، والسفن التي تغرق بتعويذة ساحرة لم يكن سوى أشياء بسيطة مقارنة بما رآه في عالم البشر.
للمرة الأولى تخرج حكايات (ألف ليلة وليلة) من عالم الجن والسحر والقصور المسحورة إلى عالمنا نحن.. يقف بطل الحكاية مذهولاً، غير مصدق أن الإنسان استطاع أن يصنع لنفسه عالماً يفوق في قسوته خيال الأساطير.
بل إن الحياة التي كان يهرب منها بين الجان والسحرة والبحار المظلمة والجبال التي تنهار على رؤوس العباد تبدو له الآن أكثر رحمة من عالمٍ يصنع فيه الإنسان الدمار بيديه.
تحية خاصة لصنّاع (ألف ليلة وليلة)، وتحية خاصة لـ (ريم يونس، ورامي عماد) فالأفكار البسيطة الصادقة، حين تحمل معنى حقيقياً، تستطيع أن تخترق الأزمنة.
وهنا نقف لحظة قصيرة للتأمل.. حين نعود إلى فيلم المصير للمخرج يوسف شاهين، نجد أننا أمام حكاية تبدو تاريخية في ظاهرها، لكنها في جوهرها رحلة فكرية عميقة. فالفيلم يحكي عن فيلسوف لم يكن يحلم بسلطة أو مجد، بل كان يتمنى شيئاً أبسط وأعظم أن يصبح العقل الواعي أساس الحياة، وأن يكون التفكير الحر هو الميزان الذي تُقاس به الأشياء.


عالم الفهم والحرية
كان يؤمن أن الإنسان حين يحتكم إلى العقل، ينتقل من عالم إلى عالم آخر؛ من عالم الخوف والظلام إلى عالم الفهم والحرية.. لكن الفيلم يكشف في الوقت نفسه حقيقة أكثر قسوة أن الإنسان كثيراً ما يخاف من الفكر. يخاف من السؤال، ويخاف من الجديد، ويخاف أكثر من كل فكرة تهز يقينه أو تهدد ما اعتاد عليه.
ولهذا كان عنوان الفيلم، المصير، وكأنه سؤال مفتوح أكثر منه إجابة.. سؤال يضع أمامنا اختياراً واضحاً إلى أين يمكن أن تمضي البشرية؟ هل تسير في طريق المعرفة والعقل، أم تنحاز إلى الخوف والإقصاء ورفض الاختلاف؟
ورغم كل الأفكار الثقيلة التي طرحها الفيلم، والتي قد تبدو أحياناً مقلقة أو حتى مرعبة، فإنه في النهاية يترك لنا كلمة بسيطة لكنها بالغة القوة الفكرة الجيدة، الصادقة، المبدعة، لا يمكن أن تموت.. قد تُحاصر، وقد تُحارب، وقد يحاول البعض إخمادها، لكنها في النهاية تمتلك القدرة على الطيران.. ولهذا جاءت العبارة التي أصبحت أيقونية في الفيلم الأفكار لها أجنحة.
ربما لهذا السبب أيضاً استطاعت بعض الأعمال الفنية أن تعبر الزمن.. فعندما تحمل الفكرة صدقها وعمقها، فإنها لا تبقى حبيسة لحظة إنتاجها، بل تستمر في التحليق من جيل إلى جيل.
ومن هنا يمكن فهم كيف استطاع مسلسل (ألف ليلة وليلة)، برؤية (ريم يونس، ورامي عماد) أن يصل إلينا بهذه القوة. فالأمر لم يكن مجرد استعادة لحكايات قديمة، بل محاولة لطرح فكرة إنسانية معاصرة داخل إطار أسطوري محبب.
تحية لهما، لأنهما أعادا تذكيرنا بحقيقة بسيطة لكنها عميقة: إن الفكرة الصادقة لا تقاس بضجيجها، بل بقدرتها على أن تبقى، وأن تتحرك، وأن تجد طريقها دائماً.. لأن الأفكار في النهاية، لها أجنحة.