
بقلم المستشار: محمود عطية
أصبح (الإعلام) في العصر الحديث أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي وصناعة التصورات لدى الشعوب.. فالمواطن العادي لم يعد يعتمد فقط على ما يراه بعينه أو يعيشه في واقعه اليومي بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على ما تنقله وسائل الإعلام من أخبار وتصريحات وتحليلات.
ومع تطور وسائل الاتصال وانتشار المنصات الرقمية صار الخبر ينتقل بسرعة هائلة ويصل إلى ملايين الناس في لحظات قليلة. غير أن هذه السرعة صاحبتها مشكلة خطيرة وهي انتشار الإعلام المضلل أو الأخبار التي تقدم بصورة غير مكتملة أو بصورة تخدم أهدافا سياسية أو اقتصادية معينة.
(الإعلام) المضلل لا يعني فقط الكذب الصريح بل قد يكون في صورة انتقاء بعض المعلومات وإخفاء معلومات أخرى أو تقديم تصريح سياسي خارج سياقه أو تضخيم حدث صغير حتى يبدو وكأنه حقيقة كبرى.
وفي كثير من الأحيان يصبح المواطن العادي عاجزا عن التمييز بين الخبر الحقيقي والخبر المصاغ بطريقة تخدم رواية معينة. ولهذا أصبح النقاش حول صدقية الإعلام من أهم القضايا في العالم المعاصر سواء في الدول الكبرى أو في الدول النامية.
في مصر مثلا تظهر هذه الإشكالية عندما تصدر تصريحات تتعلق بالحياة اليومية للمواطنين، فحين يقال إن المواطن يمكنه أن يتسوق بمبلغ مائتي جنيه فقط يطرح المواطن البسيط سؤالا مباشرا وهو ما الذي يمكن شراؤه بهذا المبلغ.. هل المقصود احتياجات يوم كامل أم وجبة واحدة أم سلعة محددة.
هذا السؤال لا يعكس فقط اعتراضا على الرقم بل يعكس فجوة في الإدراك بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه الناس في الأسواق.. فالمواطن حين يذهب إلى السوق يواجه أسعارا للغذاء والسلع الأساسية قد تجعله يشعر بأن هذا الرقم لا يعكس حقيقة ما يراه يوميا. وهنا يتولد الشعور بأن الإعلام أو الخطاب الرسمي يقدم صورة لا تتطابق مع الواقع.

ساحة تبادل الأخبار غير المؤكدة
هذه الفجوة بين التصريح السياسي والواقع المعيشي تمثل بيئة خصبة لانتشار (الإعلام) المضلل.. فحين يشعر المواطن بأن الخطاب الرسمي لا يعبر بدقة عن واقعه فإنه يصبح أكثر استعدادا لتصديق روايات بديلة حتى لو كانت غير دقيقة.
وهكذا تنتشر الشائعات وتتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة لتبادل الأخبار غير المؤكدة.. ومع مرور الوقت يصبح من الصعب على المواطن أن يحدد أي رواية أقرب إلى الحقيقة.
ولا يقتصر هذا الأمر على مصر وحدها.. ففي العالم كله أصبحت التصريحات السياسية مادة للنقاش والجدل خاصة عندما تصدر عن قادة دول كبرى. ففي الولايات المتحدة مثلا كثيرا ما تتحول تصريحات الرؤساء إلى محور سجال إعلامي واسع.
وقد شهد العالم في السنوات الأخيرة حالات كثيرة من الجدل حول تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.. فقد كان معروفا بأسلوبه المباشر وتصريحاته المتغيرة أحيانا من ساعة إلى أخرى خاصة في القضايا الدولية. هذا التغير السريع في المواقف كان يخلق حالة من الارتباك في التغطية الإعلامية. فوسيلة إعلام تنقل تصريحا معينا ثم بعد ساعات يظهر تصريح آخر يختلف عنه في المعنى أو الاتجاه.
هذا النوع من الخطاب السياسي المتقلب يفتح الباب أمام (الإعلام) المضلل.. فكل جهة إعلامية قد تختار التصريح الذي يناسب توجهها السياسي وتبرزه على أنه الموقف الحقيقي. وفي المقابل قد تتجاهل التصريحات الأخرى التي قد تعطي صورة مختلفة.
وهكذا يجد المتابع نفسه أمام روايات متعددة للحدث نفسه. وكل رواية تبدو وكأنها الحقيقة الكاملة بينما هي في الواقع جزء من صورة أكبر وأكثر تعقيدا.
أما في الشرق الأوسط فإن قضية (الإعلام) المضلل تأخذ بعدا آخر بسبب طبيعة الصراعات السياسية والعسكرية في المنطقة. ففي أوقات الحرب يصبح الإعلام جزءا من المعركة نفسها.. كل طرف يسعى إلى إبراز نجاحاته وإخفاء خسائره. وكل طرف يحاول التأثير في الرأي العام المحلي والدولي من خلال الصور والتقارير والتصريحات.
ومن الأمثلة التي تثير كثيرا من الجدل ما يحدث في إسرائيل خلال فترات التصعيد العسكري. فكثيرا ما تتحدث تقارير عن قيود تفرض على التغطية الصحافية خاصة فيما يتعلق بالأضرار الناتجة عن الهجمات الصاروخية.

صورة دقيقة للوضع على الأرض
ويؤدي ذلك إلى طرح أسئلة حول مدى حرية الصحافة في نقل صورة كاملة عما يحدث داخل المجتمع الإسرائيلي.. فحين تمنع وسائل الإعلام من الوصول إلى بعض المواقع أو تصوير بعض الأضرار يصبح من الصعب على المتابع الخارجي أن يحصل على صورة دقيقة للوضع على الأرض.
هذا النوع من القيود الإعلامية ليس جديدا في تاريخ الحروب.. ففي معظم الصراعات تحاول الحكومات التحكم في تدفق المعلومات لأسباب تتعلق بالأمن أو المعنويات أو الحسابات السياسية.. غير أن المشكلة تظهر عندما يؤدي هذا التحكم إلى خلق صورة غير متوازنة للواقع. فالمتابع في الخارج قد يحصل على معلومات ناقصة بينما يعتمد في فهمه للأحداث على مصادر غير رسمية قد تكون بدورها غير دقيقة.
ومن القضايا التي يثار حولها جدل كبير أيضا مسألة العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية وحزب الله في سياق الصراع الإقليمي.. ففي بعض الأحيان تصدر تصريحات تدعو الحكومة اللبنانية إلى مواجهة سلاح حزب الله. ويقرأ بعض المراقبين هذه التصريحات باعتبارها دليلا على تعقيد الوضع في المنطقة.
فالدولة التي تعلن قدرتها على السيطرة العسكرية الكاملة قد تجد نفسها في الوقت نفسه تطالب طرفا آخر بالتحرك ضد قوة مسلحة داخل بلده.. وهذا التناقض الظاهري يصبح مادة للنقاش في وسائل الإعلام وفي التحليلات السياسية.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في التصريحات نفسها بل في الطريقة التي يتم بها تقديم هذه التصريحات للجمهور.. فالإعلام قد يختار زاوية معينة للخبر ويهمل زوايا أخرى. وقد يركز على جملة واحدة من خطاب طويل ويحولها إلى عنوان رئيسي.. وفي عالم الإعلام الحديث حيث يعتمد كثير من الناس على العناوين السريعة في مواقع التواصل يصبح هذا الاختزال عاملا أساسيا في تشكيل الرأي العام.
إن التعتيم الإعلامي أو الانتقائية في نقل الأخبار يؤديان في النهاية إلى نتيجة واحدة وهي إضعاف ثقة الجمهور في وسائل الإعلام. فعندما يكتشف الناس لاحقا أن بعض المعلومات كانت ناقصة أو غير دقيقة فإنهم يبدأون في التشكيك في كل ما يسمعونه أو يقرؤونه.. وهذا التشكيك قد يمتد حتى إلى الأخبار الصحيحة. وهكذا يدخل المجتمع في دائرة من عدم الثقة يصعب الخروج منها.

مواجهة (الإعلام) المضلل
ولهذا فإن مواجهة (الإعلام) المضلل لا يمكن أن تتم فقط من خلال نفي الأخبار الكاذبة بعد انتشارها. بل تحتاج إلى بناء منظومة إعلامية تقوم على الشفافية والوضوح وتقديم المعلومات الكاملة قدر الإمكان.. فكلما شعر المواطن أن وسائل الإعلام تقدم له صورة صادقة ومتوازنة للواقع كلما قلت فرص انتشار الشائعات.
كما أن على الجمهور نفسه دورا مهما في هذه المواجهة.. فالمواطن لم يعد مجرد متلق سلبي للأخبار بل أصبح مشاركا في نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولهذا فإن الوعي النقدي أصبح ضرورة.. ينبغي على كل شخص أن يسأل عن مصدر الخبر وأن يقارن بين أكثر من وسيلة إعلامية وأن يتجنب نشر المعلومات قبل التأكد منها. هذه الممارسات البسيطة يمكن أن تحد كثيرا من انتشار الأخبار المضللة.
وفي النهاية يمكن القول إن (الإعلام) المضلل ظاهرة عالمية لا ترتبط بدولة معينة ولا بنظام سياسي محدد. فهي نتيجة تفاعل معقد بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا.. غير أن تأثيرها يصبح أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تمس حياة الناس اليومية أو بالصراعات والحروب التي تشكل مستقبل الشعوب.
إن التصريحات السياسية سواء كانت حول أسعار السلع في مصر أو حول الحروب في الشرق الأوسط أو حول السياسات الدولية في الولايات المتحدة تصبح في لحظة انتشارها مادة إعلامية قابلة للتأويل والتفسير وربما التحريف. ولهذا فإن المسؤولية تقع على عاتق الجميع.
على السياسي أن يدرك أن كلماته قد تؤثر في ملايين الناس. وعلى الإعلام أن يلتزم بالدقة والتوازن. وعلى الجمهور أن يتعامل مع الأخبار بعقل نقدي لا يقبل كل ما يقال دون تمحيص.
فالحقيقة في زمن (الإعلام) السريع لم تعد تصل إلى الناس تلقائيا بل تحتاج إلى جهد للبحث والتحقق. وكلما زاد هذا الجهد من قبل الإعلاميين والجمهور معا اقترب المجتمع خطوة أخرى من إعلام أكثر صدقا وقدرة على خدمة الحقيقة بدلا من تشويهها
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع