رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!

أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!
التضليل الإعلامي مصدره الرئيسي بيانات الناطق العسكري
أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!
أحمد الغريب

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب

في ظل التصعيد العسكري المتواصل بين (إسرائيل) وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، لا تبدو المواجهة الدائرة مجرد معركة عسكرية تقليدية، بل تمتد أيضاً إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية، هى ساحة الرواية والمصداقية.

فبينما كثّفت (إسرائيل) حملتها الإعلامية لتأكيد نجاح ضرباتها ضد إيران وامتداداتها في لبنان، بدأت أصوات داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه تطرح تساؤلات حادة حول حقيقة ما يجري على الأرض.

الحديث عن هذا الإتجاه منذ بداية الحرب كان ملحوظ للغاية، ورصده أكثر من كاتب ومراسل ومحلل، منهم الكاتب الإسرائيلي (نير كيبنيس) موقع (واللاه) الذى رصد من جانبه نمطاً متكرراً في العناوين الإخبارية التي تملأ الشاشات الإسرائيلية.

مثل الإعلان عن تدمير عشرات منصات الصواريخ التابعة لحزب الله، أو شن موجات واسعة من الهجمات ضد أهداف مرتبطة بالنظام الإيراني، أو إطلاق تحذيرات متكررة لسكان الضاحية الجنوبية في بيروت.

غير أن (كيبنيس) يرى أن هذه الرسائل الإعلامية المتكررة تعكس مشكلة أعمق تتعلق بمصداقية الخطاب الرسمي، خاصة في ظل استمرار الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة القادمة من إيران ومن الساحة اللبنانية، بما يكشف فجوة متزايدة بين ما يقال للجمهور وبين الواقع الميداني.

مشيراً إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تعكس نمطاً متواصلاً من التضليل الإعلامي مصدره الرئيسي بيانات الناطق العسكري، الذي دأب خلال السنوات الماضية على الإعلان عن تدمير نسب كبيرة من القدرات الصاروخية للخصوم، وصلت في بعض الأحيان إلى الحديث عن القضاء على ما بين 60 و90 في المئة من منصات الإطلاق.

أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!
ترديد عبارات نمطية مثل أن الجيش (مستعد لكل السيناريوهات)

الجيش (مستعد لكل السيناريوهات)

ومع ذلك، لا تزال هجمات (إسرائيل) مستمرة من أكثر من جبهة، الأمر الذي يثير تساؤلات داخلية حول مدى دقة هذه التقديرات.. ويضيف أن بعض المراسلين العسكريين ساهموا في ترسيخ هذه الصورة من خلال ترديد عبارات نمطية مثل أن الجيش (مستعد لكل السيناريوهات)، أو أن أنظمة الدفاع الصاروخي توفر حماية شبه كاملة للجبهة الداخلية.

ويرى (كيبنيس) أن الخطورة لا تكمن فقط في المبالغة الإعلامية، بل في ميل الجمهور الإسرائيلي إلى قبول تصريحات القادة العسكريين باعتبارها حقائق مطلقة، على عكس ما يحدث مع السياسيين الذين اعتاد الجمهور الشك في وعودهم.. ويستحضر في هذا السياق تصريحات سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية (بنيامين نتنياهو) (بعد انتهاء حرب 2024 مع حزب الله).

حين أعلن أن إسرائيل أعادت الحزب (عقوداً إلى الوراء)، في حين أظهرت التطورات اللاحقة أن قدراته ما زالت قائمة وقادرة على إلحاق الضرر بالجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ومن هنا، يدعو (كيبنيس) الجمهور إلى التعامل بحذر مع التصريحات العسكرية، محذراً من أن الإفراط في تزيين الواقع قد يؤدي في النهاية إلى صدمة أكبر عندما تتكشف الحقائق.

كما يطالب القادة العسكريين بالتخلي عن الخطاب الدعائي والبدء في مصارحة الجمهور بحقيقة الوضع، لأن استمرار الفجوة بين الرواية الرسمية والواقع الميداني قد يؤدي إلى مزيد من تآكل الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي، وهو ما قد ينعكس بدوره على إدارة الحرب نفسها في ظل صراع يبدو مفتوحاً على جبهات متعددة.

أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!
جدعون ليفي

الانصياع الطوعي للإعلاميين

لكن المشهد الإعلامي الإسرائيلي الراهن لا يقتصر على تضليل الناطق العسكري، بل يشمل ظاهرة أعمق تتمثل في الرقابة الذاتية والانصياع الطوعي للإعلاميين.

إذ يتقاطع ماسبق مع مقال رأى كتبه (جدعون ليفي) بصحيفة (هآرتس)، أكد فيه أن الرقابة الممارسة على وسائل الإعلام بلغت مستويات غير مسبوقة خلال الحرب على إيران، حيث يتسابق الصحفيون والمراسلون للحصول على موافقة مسبقة من الرقابة العسكرية قبل بث أي خبر أمني، رغم أن القانون لا يفرض ذلك.

ويرى (ليفى) أن هذه الممارسات ليست نتيجة أوامر مباشرة، بل خطوة طوعية لإظهار الولاء للسلطة وللجهاز العسكري، مما جعل الإعلام الإسرائيلي يتحول عملياً إلى (جنود أكثر التزاماً بخدمة الرقابة) من الناحية العملية.

مؤكداً أن غالبية الإعلاميين الإسرائيليين باتوا يعتبرون واجبهم الأول ضمان الأمن القومي قبل أداء دورهم الصحفي، وهو ما يعكس “جهلاً تاماً بدور الصحافة في الأنظمة الديمقراطية”، ومشيراً إلى أن هذا التملق لا يقتصر على السلطة فقط.

بل يشمل أيضاً الرأي العام، حيث يتعامل الإعلام مع الجمهور على مبدأ (لا تقلقوا، لن نخبركم بما يزعجكم)، متجاهلاً أحداثاً مأساوية كقتل آلاف المدنيين في غزة، أو أي معلومات قد تعتبر تهديداً للأمن القومي.

ويؤكد (ليفى) أن الرقابة الذاتية، التي اختار الصحفيون الالتزام بها بحماس، أصبحت أخطر من الرقابة الحكومية نفسها، لأنها لا تواجه بأي مقاومة، بل يُفخر بها ويُكرسها الإعلام ذاته، ما يزيد من أزمة الثقة العامة ويجعل الجمهور متشككاً في كل ما يُقدَّم له من أخبار.

أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!
الحرب على إيران تفتقد استراتيجية واضحة أو خطة خروج

الديمقراطيات الزائفة

مراسل الشؤون الأمنية والعسكرية (آفي يسخاروف) بصحيفة (يديعوت أحرونوت)، يرى هو الآخر أن طرح الأسئلة الصعبة هو جوهر مهمة الإعلام في الديمقراطيات، لكن في إسرائيل يتم وصف من يسأل عن أهداف الحرب أو خطة الخروج من العمليات العسكرية بـ (الضعف) أو (تسميم الآبار)، ويُتهم بالولاء للخصوم.

ويشير (يسخاروف) إلى أن الحرب على إيران تفتقد استراتيجية واضحة أو خطة خروج: هل الهدف تدمير البرنامج النووي؟ أم النظام؟ أم كلاهما؟ وما الخطة إذا لم يُسقط النظام؟ وما المدى الزمني المتوقع للحرب؟

ويذكر أن الإعلام الإسرائيلي يتعامل مع هذه الأسئلة بتسطيح وإخفاء المعلومات، كما حدث سابقاً في حروب غزة، حيث انتهت العمليات دون تحقيق أهداف واضحة بينما أعادت حركة حماس تسليح نفسها واستعادة قوتها.

ويؤكد (يسخاروف) أن تفكيك خطاب النصر الذي يروج له مقربو رئيس الوزراء بعد كل إنجاز جوي أو استخباراتي يشبه ما حدث في غزة، حيث كانت كل تصفية لمسؤول كبير تُباع للجمهور على أنها (انكسار الخصم)، بينما الواقع يثبت العكس.

ومن هنا، يرى أن الإعلام يجب أن يستمر في طرح الأسئلة الصعبة والمتكررة لضمان شفافية الحرب ومعرفة الجمهور ما يجري، حتى إذا كان يُعتبر “خيانة” من قبل بعض المحللين والسياسيين.

أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!
طائرات أمريكية من طراز (B‑2 Spirit)

مقاطع من ألعاب فيديو

الأكثر من هذا، وما عزز معه من مسألة التضليل الإعلامي الإسرائيلي خلال الحرب الدائرة الآن، كان بثّ القنوات الإسرائيلية مقاطع فيديو زعمت أنها تُظهر طائرات أمريكية من طراز (B‑2 Spirit) تقصف أهدافاً في إيران، مع تحليل من المعلق العسكري للقناة الـ12 (نير دافوري)، الذي أرفق الفيديو بمرافقة طائرات (F/A‑18 Hornet) لتضخيم الانطباع بالقوة الأمريكية الضخمة.

إلا أن الفيديو تبيّن لاحقاً أنه مقتبس من لعبة محاكاة طيران عسكري (DCS World) تعود إلى عام 2023، ما أثار موجة من السخرية والتشكيك في مصداقية القنوات الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي.

ويعد هذا المثال دليلاً إضافياً على ممارسة التضليل الإعلامي وتزييف الواقع العسكري لجمهور لم يعد من السهل خداعه بالكامل، بينما يُبرز دور الوعي الجماهيري في كشف الأخبار المزيفة والتمييز بين الحقيقة والدعاية الموجهة.

أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!
برزت إنتقادات إعلامية وإن كانت محددوة بشأن الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

التدمير الذاتى للاقتصاد والمجتمع

في السياق ذاته، برزت إنتقادات إعلامية وإن كانت محددوة بشأن الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، منها مقال رأى هام  للقاضية المتقاعدة (إيريس سوروكر) بموقع (زمان إسرائيل)، إذ أكدت أن الحرب المعلنة ضد إيران، رغم أهدافها المعلنة بتدمير المنشآت النووية الإيرانية، تأتي بتكاليف هائلة على إسرائيل من حيث الأرواح، الأموال، والبنية التحتية.

وتشير (سوروكر) إلى أن الانخراط في حرب جديدة، بعد أقل من عامين ونصف من حرب (السيوف الحديدية) على غزة، يعني استنزاف الموارد المالية والمادية، وتزايد العجز في الموازنة الوطنية، وتعطيل الحياة اليومية للمواطنين، من المدارس إلى الأعمال والشركات، فضلاً عن القلق المستمر للنساء والرجال والأطفال من تهديدات الصواريخ وإنذارات القصف.

وتلفت (سوروكر) إلى أن هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل صراع طويل الأمد بلا هدف واضح أو نهاية مرئية، ما يحول حياة الإسرائيليين اليومية إلى حالة طوارئ دائمة، ويضع ضغوطاً متصاعدة على الاقتصاد، والحقوق الأساسية في الأمن والحياة، في حين لا تُستثمر الموارد في تطوير البنية التحتية، التعليم، الصحة، والبحث العلمي.

وترى أن الحل السياسي، والسعي الحقيقي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، هو الطريق الوحيد لتفادي الحروب المتكررة وإعادة توجيه الموارد إلى ما يخدم مستقبل المجتمع والدولة.

أحمد الغريب يكتب: الحرب بين (إسرائيل) وإيران.. الرواية الزائفة!
تظهر الحرب الإسرائيلية على إيران باعتبارها صراعاً مزدوجاً ومعقداً

معركة على المصداقية الإعلامية

في المحصلة، تظهر الحرب الإسرائيلية على إيران باعتبارها صراعاً مزدوجاً ومعقداً: مواجهة عسكرية مفتوحة على عدة جبهات، معركة على المصداقية الإعلامية، استنزاف اقتصادي واجتماعي، وضغوط نفسية وجودية على الجمهور.

كما أن هذا الصراع يكشف هشاشة الثقة بين القيادة والمجتمع الإسرائيلي، ضعف الإعلام في ممارسة دوره الرقابي، واستمرار فجوة ضخمة بين الرواية الرسمية والواقع، بينما يظل السؤال الأهم معلقاً: ما أهداف هذه الحرب؟ وما هو ثمنها الحقيقي على الدولة والمجتمع؟

وفي الختام، تُعد الحرب الدائرة حالياً بين (إسرائيل) وإيران دليلاً دامغاً جديداً على استمرار سياسات التضليل الإعلامي والعسكري الإسرائيلي الممنهجة، من تزييف الحقائق العسكرية إلى الرقابة الذاتية والإخفاء المتعمد للمعلومات الحساسة، مروراً بإنتاج مواد مصورة مزيفة تهدف إلى تضليل الجمهور.

هذا الواقع يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على الرواية والسيطرة على المعلومات، حيث يصبح الجمهور أداةً للاستثمار في صورة النصر الوهمي.

من هنا، تبرز أهمية دور الإعلام المصري على وجه خاص والعربي بشكل عام في كشف الممارسات الإسرائيلية وفضحها، وعدم ترك المجال مفتوحاً أمام استمرار هذه الحملات الدعائية، لأن استمرار التضليل يهدد قدرة الشعوب على فهم الأحداث واستيعاب تداعياتها الحقيقية.

ويُعطي غطاءً لقرارات سياسية وعسكرية قد تكون باهظة الثمن على المستويين الإقليمي والإنساني، كما أن كشف هذه الحقيقة وتحليلها بشكل موضوعي هو خطوة ضرورية لمواجهة التضليل، وتمكين الرأي العام العربي من معرفة الحقيقة بعيداً عن الدعاية الموجّهة، وحماية مستقبل المنطقة من الانجرار خلف روايات مصطنعة لا تعكس الواقع.. وللحديث بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.