
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
في مصر، لا يُقاس شهر (رمضان) المعظم بعدد أيامه، بل بفيض مشاعر الرحمة والتكافل في هذا الشهر الفضيل.. فمع غروب كل يوم من أيام الشهر الكريم، لا تُضاء المساجد والبيوت فقط، بل تُضاء أيضًا قلوب الناس بعادة قديمة متجذرة في المجتمع المصري: العطاء.
فمن يراقب المشهد في الشوارع المصرية خلال (رمضان) يرى صورة فريدة؛ موائد رحمن ممتدة، وكراتين غذائية توزع، ومطابخ خيرية تطهو آلاف الوجبات، ومبادرات فردية قد يقودها شخص واحد لإطعام حيّ كامل.
هذا المشهد ليس مجرد مظاهر اجتماعية، بل هو جزء من ثقافة راسخة في المجتمع المصري جعلت المصريين من أكثر الشعوب تبرعًا نسبة إلى دخلهم حتى في أوقات الأزمات الاقتصادية ، حيث أظهرت تقارير دولية حديثة أن المصريين يحتلون موقعًا متقدمًا عالميًا في ثقافة العطاء.
فوفق تقرير مؤشر العطاء العالمي (World Giving Index) الصادر عن مؤسسة ( Charities Aid Foundation) البريطانية، جاء المصريون في المركز الثاني عالميًا من حيث نسبة التبرعات إلى دخل الفرد، حيث يتبرع المواطن المصري بنحو 2.45% من دخله سنويًا.

نسبة التبرع لدى المصريين
ولفهم دلالة هذا الرقم، يكفي أن نعرف أن المتوسط العالمي للتبرعات لا يتجاوز 1.04% من الدخل، أي أن نسبة التبرع لدى المصريين تزيد على ضعف المتوسط العالمي تقريبًا، وهذا يعني أن المواطن المصري، رغم محدودية دخله مقارنة بكثير من الدول، يقدم نسبة أكبر من هذا الدخل للعمل الخيري.
وتقدر بعض التقارير أن التمويل والمنح الموجهة للعمل الأهلي في مصر تجاوزت 14.5 مليار جنيه في عام واحد عبر برامج ومنح مختلفة، لكن هذه الأرقام تشمل المنح والتمويلات الرسمية، وليس التبرعات الفردية.
أما إذا أضفنا تبرعات الأفراد، فالتقديرات الإعلامية المستندة الى مؤشرات دولية تقول إلى أن إجمالي إنفاق المصريين على التبرعات قد يصل إلى نحو 4.5 مليار دولار سنويًا عبر قنوات مختلفة مثل الجمعيات الخيرية والتبرعات المباشرة للأفراد والجهات الدينية .
لكن هذه الأرقام ليست إحصاءات حكومية دقيقة، بل تقديرات مبنية على تقارير دولية واستطلاعات رأي، لأن التبرعات في مصر غالبًا ما تتم عبر قنوات رسمية و غير رسمية يصعب حصرها كلها !!
فبرغم ضخامة حجم التبرعات، لا توجد حتى الآن إحصائية رسمية شاملة لقيمة ما يتبرع به المصريون سنويًا أو في شهر رمضان تحديدًا ، فكثير من المصريين يفضلون إعطاء الصدقات مباشرة للمحتاجين في الشوارع أو للأقارب والجيران دون المرور عبر الجمعيات.
وتلك تعتبر تبرعات مباشرة للافراد لا تدخل ضمن الاحصائيات، كما أن جزء كبير من التبرعات يأتي في صورة زكاة أو صدقات دينية تُدفع عبر المساجد أو صناديق غير رسمية ، الى جانب آلاف موائد الرحمن والمبادرات الخيرية مثل توزيع الطعام والملابس يقيمها أفراد أو مجموعات صغيرة دون تسجيل رسمي، وهي لا تسجل غالبًا كقيمة مالية.
لكن العامل الأكبر في عدم معرفة حجم التبرعات في مصر أن معظم المؤسسات الخيرية الكبرى لا تصدر بيانات واضحة عن حجم التبرعات التي تتلقاها!، لذا تعتمد الدراسات غالبًا على تقديرات أو عينات استطلاعية بدلاً من أرقام دقيقة.

(رمضان).. موسم التبرعات الأكبر
و إذا كان التبرع عادة مصرية طوال العام، فإن (رمضان) يمثل الذروة السنوية للعطاء. حيث تشير تقارير إعلامية ودراسات اجتماعية إلى أن نحو 90٪ من التبرعات السنوية في مصر تُقدم خلال شهر (رمضان) الذى يرتبط في الثقافة الإسلامية بالزكاة والصدقات.
ويحرص كثير من المسلمين على إخراج زكاة أموالهم خلال هذا الشهر، فبعض الناس يجعل رمضان موعدًا سنويًا ثابتًا لإخراج زكاة المال نظرا لروحانية هذا الشهر الفضيل، حيث يزداد اهتمام الناس بإطعام الفقراء خاصة لارتفاع تكاليف المعيشة أثنائه.
كما تنشط الجهات الخيرية الأهلية التي تجمع التبرعات في رمضان، والغريب أن بعضها ينفق ملايين على الإعلانات التليفزيونية أو على وسائل التواصل الإجتماعى لحث الناس على التبرع عن طريق استدرار دموعهم.
ومن المؤكد أن تلك الإعلانات تجذب لهم أضعاف تكلفتها ، فهذه الجهات تتصارع للحصول على اكبر قدر من (تورتة التبرعات) التى تقدر بحوالي 4 مليار دولار (حسب بعض التقديرات الأجنبية).
حيث لا يقتصر طلب التبرع على الجمعيات الخيرية فقط، بل تمتد إلى جهات متعددة، منها المستشفيات و الجمعيات الأهلية التي تعمل في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة، والمؤسسات التنموية الى جانب المؤسسات الدينية، ولكن المفارقة الكبرى أن بعض الجهات الحكومية أيضًا تجمع تبرعات.
ومما زاد من حصيلة التبرعات تطور التكنولوجيا، الذى ساهم في ظهور وسائل جديدة للتبرع في مصر، مثل التبرع عبر الرسائل القصيرة و التطبيقات الهاتفية والمحافظ الإلكترونية، وتشير بيانات إحدى المنصات إلى أن التبرعات عبر الهاتف المحمول في مصر بلغت24.6 مليون جنيه في عام واحد، وكان 41% منها خلال شهر رمضان.
وإذا كنا لا نملك إحصاءً دقيقا لحجم التبرعات فهل نعرف على وجه اليقين هل تصل هذه التبرعات الى مستحقيها أم لا؟
وبعيدا عن إجابة هذا السؤال الذى قد نختلف على اجابته، هناك سؤال آخر لا يحتاج الى إجابة : كيف استطاع مجتمع محدود الدخل مثل المجتمع المصرى أن يصبح أحد أكثر مجتمعات العالم سخاءً؟، وكيف أصبحت ثقافة العطاء متجذرة بعمق في المجتمع المصري، لدرجة أن ملايين الناس يقتطعون جزءًا من دخلهم لمساعدة غيرهم في ظل ضغوط اقتصادية لا تنتهى؟