

بقلم الكاتب والناقد: عمرو زويتة
في مسلسل (صحاب الأرض) نحن أمام عمل فنى درامى يرصد فيه جحيم مرئى لمحرقة هائلة حدثت لشعب أعزل فى تتابع بصرى شديد القسوة فى رصده وبالغ الجمال فى إمتلاك أدواته الفنية،
البطل فى هذه الرؤية الفنية هو الصورة التى تحمل سرديتها وتفاصيل الدمار فيها، على نحو فضائحى ليس للمحتل الذى إستباح كل حرمه فقط، بل أيضا لقيم المجتمع الدولى برمته الذى سكت وتواطئ على شعب أعزل وهو يواجه كل هذا النار، حتى صارت غزه مدينه للأشباح، نصها الفضائحى يطعن فى الضمير البشرى ويعيد تعريفه كوصمة عار على جبين النظام الدولى ومواسيقة وأعرافه، وستظل هذه المحرقة إدانة تطعن فى كل شرعية وتجردها من رتب الآدمية.
جسد ملحمة (صحاب الأرض) المخرج الكبير (بيتر ميمي)، أفضل مخرج استطاع أن يجسد المأساة الفسطينية فى غزة على نحو اقترب فيه من الأداء العالمى فى تكنيكه وقسوته وعنفه وتكوين كادراته الغنية بالتفاصيل، والأجمل إدارته للممثلين والحصول منهم على ذروة آدائهم التمثيلى ببساطة ودون التورط فى الميلودراما، أو المباشرة الخطابية الفجة.
الصورة هنا هى البطل الرئيسى الذى يحكى تفاصيل المعاناة لشعب أعزل دفع فاتورة تخاذل النظام العربى عليه.. الصورة هى المحرك للأحداث، والجميل أن الممثلين أصبحوا جزء من الصورة.

جردوا الحياة من مقومات البقاء
لم يستسهل (بيتر ميمى) في (صحاب الأرض) اللجوء الى مشاهد النار والقصف الحى للمجمعات السكنية وتفجيرها بالمدنيين كى يبتز المشاهد عاطفيا، بل رصد حجم الخراب الذى خلفه القصف وترك خيال المشاهد كى يؤول شكل المحرقة التى خلفته الآله التدميرية.
والتى غيرت عالم الأحياء السكنية والشوارع حتى بات من الصعب وصول الناس الى بيوتهم والتعرف عليها، المبانى تشبه بعضها بعضا، والشوارع يصعب التمييز بينهم، والألوان أصبحت للأسمنت فى عشوائية حطامه وحديد التسليح الذى يشبه جسد القنفد.
حتى المستشفيات لم تسلم من هذا الحقد الذى جسده المحتل بأبشع وأشنع مستوى من الغل واللاأدمية، مشاهد الأطفال فى الحضانات التى قطعت عنها الكهرباء وتركت لتموت وتتحلل لحومهم الطرية فيها.
جردوا الحياة من مقومات البقاء، قصفوا البيوت والمستشفيات ومنعوا المساعدات لم يتركوا خسة وندالة إلا وفعلوها، وكأنهم كانوا يتنافسوا للوصول الى أعلى نقطة فى سقف الإنحطاط والسفالة،
الموسيقى والآداء الغنائى كانوا إضافة مهمة وشكلوا مع الصورة بالغ الأثر فى تكامل وصول الإحساس وتدفق المعنى.
آداء الممثلين كان على أعلى درجة من الإنضباط وإحساس بمسئولية مايقدموه، وتحولوا داخل اللوكيشين الى مواطنين من لحم ودم حتى تلاشى الفرق بينهم كممثلين وبين أصحاب الأرض أنفسهم.

(منه شلبي) فى دور (سلمى)
(منه شلبي) فى دور (الدكتورة سلمى) الطبيبة المصرية التى قررت أن تكون إيجابية وتخاطر وتذهب الى غزة مع الطواقم الطبية للمساعدة، قدمت أداءا مذهلا فوق العادة فى بساطته، وعبرت عن الألم والقلق والرعب والإصرار والصمود والأمل فى نفس اللحظة، عيونها كانت بتنطق بالحوار وتحجر الدموع فى عينيها بتصرخ من الألم والحسرة، وقبلت التخلى عن أى مساحيق للتجميل رغبة فى المعايشة والمصداقية، فأدخلتنا معها فى تجربة شديدة القسوة والمرارة.
من المشاهد التى لاتنسى في (صحاب الأرض)، حين اجتمعت بالأطفال بغرض الترويح عنهم، وتقول لهم: (حنلعب لعبة حنبقى فيها كلنا مهندسين حنبنى مدينتين، واحدة على البحر وواحدة على الجبل مين حيسكن على البحر ومين حسيكن فوق الجبل)، فرد عليها طفل مصاب يجلس على كرسى متحرك: (طب وين الخيمة اللى حنسكن فيها)، فردت طفلة أخرى وقالت: (المدينة مش حيبقى فيها خيمة).
فقالت (الدكتورة سلمى): (وحيبقى فى المدينة عمارة طويلة وفيها أسانسير مين حيسكن معى فى أعلى حتة فى العمارة؟)، ردت الطفلة وقالت لها: (بلاش عشان الطيارة ماتقصفكيش)، فرد عليها طفل: (مش حتفرق إن كنتى تحت ولا فوق)، وسأل طفل آخر عن السوبر ماركت؟، ردت عليه الدكتور سلمى وقالت له: (حيبقى هنا السوبر ماركت فباغتها حيبقى فيه أكل).. حتى الأطفال لم يستطيعوا أن يخرجوا بخيالهم خارج مفردات الحرب حتى وهم يلعبون.
(إياد نصار) هو الآخر فى دور (ناصر)، الذى خرج من بيت أخيه ليتحدث فى الموبايل لسوء تغطية الشبكة فيه، وفجأة يقصف المنزل على أخوه وأولاده جميعا وهو على بعد خطوات من البناية، ولاينجو منهم أحدا سوى (يونس) إبن أخيه، ويخرج من تحت الأنقاض وفى حالة صحية على وشك النهاية، و(ناصر) كان موزع بين أهله تحت ركام التدمير فى غزة وأولاده فى الضفة، بأداء عالى الجودة ليس جديد على (إياد نصار).
(نجوى قندقجي) التى قامت بدور الطبيبة وهى حامل، التى كانت تعمل ثم تفاجأت بزوجها محمول وهو مصاب فدخلت غرفة العمليات رغم تحذيرات القوات الإسرائيلية بمغادرة المستشفى، لكنها رفضت أن تتخلى عن واجبها وتترك زوجها ليموت واستمرت فى إجراء العملية بكشاف الموبايل.
وأعطت أوامر لفريق التمريض أن يتركوها وحدها ويغادروا المستشفى، حتى قصفت المستشفى وهى تعمل العملية وإستشهدت معه، هنا التعبير الدرامى لايقل عن حقيقة ماجرى، وهنا العظمة تتجلى فى التناول.
(جوانا عريضة) التى قامت بدور الصحفية الأمريكية (كلير) التى أتت الى غزه معبأة إعلاميا بحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها من المجرمين القتلة، وحين ذهبت للمخيم الذى أعطى لها عنوانه ماجد المشغول بتوثيق الأحداث بالكاميره الخاصه به قبل استشهاده فتعاملت مع الدكتورة سلمى وناصر بفظاظة.


عدالة القضية الفلسطينية
وبعد أن غادرت المكان وذهبت للمكان المخصص لإقامة الصحفيين للمبيت تفاجأت بالضابطة الإسرائلية وهى تأخذ منها الكاميرا بعنف لكى تراجع الصور التى صورتها وتحذف منها مايدين إسرائيل، وهذه الواقعة كانت سبب لمراجعة الصحفية الأمريكية (كلير) فى موقفها من عدالة القضية الفلسطينية.
وهذا الموقف من أكبر إيجابيات المسلسل الذى استطاع أن يعكس تغير نظر الصحفية بدون خطابات وأن يجعلها تعيد وتراجع موقفها، وذهبت وحضرت عرس الشاب على واحتفلت معهم ووثقت ونشرت الاحتفال والرقص وسط مشاهد الدمار، وقالت وكأنه شعب مصر على الحياة، رغم كل ماحوله يؤدى للموت والهلاك، وتحولت الى التركيز على نشر فظائع الاحتلال وما اقترفوه من جرائم وإبادة.
(آدم بكري) فى دور (مجد) شقيق (ناصر) الأصغر والحريص على توثيق جرائم الاحتلال بالكاميرا الخاصة به، فى مشهد إستشهاده حين ذهب مع على العريس الشاب سائق الإسعاف اللى دخلته كانت منذ ساعات قليله، ورافقتهم الصحفية الأمريكية (كلير) التى أصرت على مرافقة ماجد ليفتشوا فى المستشفى المقصوفة عن حضانة لطفل رضيع.
وبعد أن وجدوا حضانه وسط ركام المستشفى وقبل أن يرحلوا شاهد (مجد) علبة حليب أطفال وسط حطام المستشفى فقرر أن يمشى خطوات للحصول عليها وإذا بطلق نارى يرديه قتيلا، (يا الله يابيتر ميمي.. أنا حسيت بالرصاص وهو يخترق جسد الشاب مجد، من أجل علبة حليب أطفال، أى مصير هذا؟ وأى محنة هذه؟ وأى تصوير وأى إخراج يارجل).. بيتر ميمى كنت على مقدار التحدى ورصد يكافئ فداحة وشناعة هذه الوحشية.


(كامل الباشا) والعم إبراهيم
أيضا (روان الغابة) التى قامت بدور الضابطة الإسرائيلية أدته بجودة عالية وأداء تمثيلى مثالى، وصلت به الى أقصى مدى للإستفزاز، و(العم إبراهيم) الذى قام بدوره الممثل الفلسطينى (كامل الباشا) بحرفيه وآداء مذهل عالى الجودة.
الرجل الذى ينتمى للجيل القديم الذى يحتفظ بمفتاح بيته القديم ورغم عوارض الزمن عليه نتيجة مرض الزهايمر ونسيان كل ماحوله حتى نسى حفيدة وكل شويه يسأله إنت مين، إلا أنه لم ينسى بيته، حتى عوارض الزمن لم تسلب منه إرتباطه بالبيت والوطن، ويريد الموت داخل داره رغم أنه مجرد حطام!
وحين أصر حفيده عمار وماجد صديق رامى حفيده على رحيلة من بيته المدمر بسيارة الى رفح، ظل يبحث عن شيئ ماه وعمار حفيده يستعجله إلى أن عثر على ضالته وهو مفتاح بيته القديم وصوره مع رفاق النضال، ولما نزل من البيت سألهمك (وين رايحين؟)، رد عليه حفيده: (إلى رفح ياسيدى)، فتعصب بعدوانية وقال له: (انتم مين.. أنا مش حغادر دارى وسأظل فيها إلى أن أموت، روح روح حل عنى).
وحين مكنه (مجد) من مشاهدة الفيديو الذى صوره لقوات الإحتلال وهم يزرعون الألغام بالقرب من بيته، وفجأة وكأن ألق ذاكرة المجاهد ردت إليه دفعة واحدة، حدد بسرعة مكان اللغم وفكه بكل إحترافية.
وفى مشهد ركوبه التروسيكل مع ناصر وحين تاه (ناصر) عن الطريق وعلى الفور أرشده لخريطة المكان دون تردد، وكأن عطب الذاكرة لم ينال من التصاقه بجغرافيا المكان وحلم العودة.
هذه الرمزية تؤكد المعنى الأساسى للعمل وتشرح ببساطه عمق النضال الوطنى الفلسطينى وتمسكه بأرضه والأهم عدم نسيانه رغم الزهايمر، ما كل هذا الوجع ياعم إبراهيم،

(عصام السقا) فى (سمير)
(عصام السقا) فى دور السائق (سمير) كان أفضل أداء لعصام السقا، بساطة فى الأداء عكس فيها روح المشاعر المصرية بصدق تضامنها، وبساطة جدعنة الفلاح المصرى ابن الدقهلية بشهامته والمتضامن مع عدالة القضية.. (واللى حاسس بالمحنة، ويقول الأرض عارفة ناسها، رغم أن واقعه ليس فى أفضل حال).
أيضا أعجبنى فى كتابة الورق رمزية الأسماء، (سلمى وناصر ومجد وإبراهيم الجد حتى كلير وفدوى وسمير وعمار)، وكل أسم له دلالته ويحمل ملامح صاحبه.

أخيرا:
كنت أتمنى أن ينتهى العمل مع نهاية الحلقة الرابعة عشر والدكتورة سلمى مع السائق سمير والطفل يونس والمولود ناجى الموجود فى الحضانة، وهم يعبروا من المواصى إلى معبر رفح مع مشهد استقبال سيارات الإسعاف والطواقم الطبية للقادمين من هذا الجحيم، وينتهى العمل هنا،
دون أن يكون هناك شبهه من التوظيف السياسى للعمل الذى خصصت له الحلقة الأخيرة، لأن ذلك يخرج العمل من بيئته الدرامية ويوظفه دعائيا لحساب من أوقف الجحيم والنار المستعرة.
والعمل لايحتاج إلى هذا، أليس كافيا أن يكون العمل إنتاج مصرى والبطلة الرئيسية فيه طبيبة مصرية خاطرت بحياتها مع طواقم طبية مصرية للذهاب والمساعدة، وحتى الموجودين فى مصر كأطباء لم يقصروا فى إرسال ماطلب منهم كأجهزة طبية طلبتها الدكتورة سلمى.
وأيضا مشهد الشاحنات التى تقف طوابير عدة كيلومترات انتظارا لدخول المساعدات وتعنت إسرائيل فى إدخالها، وقصف إسرائيل لمعبر رفح من الجانب الفلسطينى لعرقلة دخول المساعدات، والجمال أن كل هذا تم دون أن نشعر به كدعاية لمصر وتمت الإشارة اليه دون فجاجه بل كضرورة فنية وكل هذا يحسب كدور إيجابى محترم لمصر، وهذا كافى جدا وطبيعي.
فلماذا الإصرار على المبالغة فى تأكيد الدور المصرى برسالة مباشرة وخطابية تنال وتنتقص من قيمة ماتم إنجازه فنيا.
ومازاد إعجابى أكثر ببيتر ميمى أنه لم يتورط فى إخراج الحلقة الأخيرة الخامسة عشر التى شعرت أنها جسد غريب على العمل وأخرجها كريم الشناوى وأمير الشناوي.
لكن بالتغاضى عن ذلك، فالعمل أجمل مافيه أنه قدم تحفة فنية بإستثناء الحلقة الأخيرة، تضاف الى رصيد وقيمة وتاريخ الفن المصري، وكان على قدر التحدى فى التعبير عن حجم المأساة وتداعيتها.