
بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
يبدو أن هوس (نمبر وان) صار عدوى تجتاح الوسط الفني بعد أن تحول عدد من نجومه إلى مدعين يرون أنفسهم على قمة غير موجودة ولا يرون غيرهم سوى في ذيلهم، هوس أفرز معارك وخناقات وفضح نفوساً وِهنت واستهانت وأهانت، وأكد المؤكد أن المتقاتلين على اللقب والقمة وأكبر عدد من المشاهدين هم أنفسهم الذين يقدمون الأسوأ درامياً ولا يقدمون جديداً ويدورون في فلك ذات التيمة عاماً بعد عام.
معركة بين (مي عمر) بطلة مسلسل (الست موناليزا)، وياسمين عبدالعزيز بطلة (وننسى اللي كان) على (نمبر وان) أقحم نفسه فيها زوج الأولى المخرج محمد سامي، ليثبت لزوجته أنه حامي حماها والحارس على نجوميتها.
محمد سامي استفزه أن تعلن ياسمين أن مسلسلها (نمبر وان) في نسب المشاهدة بعد انتهاء عرض مسلسل زوجته، وكأنه يريد أن تحتكر زوجته هذه الادعاءات كل الوقت، فانبرى مهاجماً ومعايراً، ومستخدماً أسلوب لا يتوافق مع مكانته ولا مع المكانة التي يدعيها لزوجته أو تدعيها هي لنفسها.
وردت ياسمين مدافعة ومهاجمة، ليتصدر ثلاثتهم (الترند) ليس كمبدعين، ولكن كأصحاب مهارات في التجاوز وتحقير ما دونهم، يجيدون التقليل من شؤون الآخر وتعظيم الذات أكثر من إجادتهم التمثيل والتشخيص، والغريب أن مسلسليهما يعرضان على ذات المنصة.
وبدلاً من أن يخرج المسؤولون عن هذه المنصة لحسم الخلاف وإعلان الحقيقة ارتأوا أن يتركوهم يتصارعون ويتنابذون ويتحولون إلى مادة للفرجة، وخاصة بعد أن لمسوا فتنة بين المعجبين بهذه وتلك على مواقع التواصل، تم فيها استخدام كل الممنوع والمكروه والمحرّم في القاموس العربي.


جمهور مي وجمهور ياسمين
وفي ظل حرب دائرة في المنطقة تهدد استقرار المنطقة وأمن وأمان جميع شعوبها وترسم ملامح جديدة لشرق أوسط جديد تريده إسرائيل وربيبتها أمريكا، اندلعت حرب بين جمهور مي وجمهور ياسمين، صرفت أنظار الخاوين فكرياً عن الحرب التي أشعلها الطامحون للسيطرة على المنطقة وشعوبها وثرواتها وكل مقدراتها.
هوس (نمبر وان) انتقل أيضاً من محمد رمضان إلى كل من (أحمد العوضي) بطل مسلسل (علي كلاي)، و(عمرو سعد) بطل مسلسل (إفراج)، وهو الهوس الذي بدأ من أول أيام رمضان بإعلان (العوضي) نفسه (نمبر وان) في نسب المشاهدة.
وإعلانه عن مسابقات يومية حول أحداث كل حلقة أملاً في أن تكون أداة جذب للناس ليتحقق ما يدعيه، ويبدو أن الأمر استفز عمرو سعد ليدخل في اللعبة وينصب نفسه على القمة.
الغريب أن المسلسلات الأربعة لهؤلاء النجوم لا تحمل جديداً، (الست موناليزا) لا تختلف عن (إش إش) التي لا تختلف بدورها عن سابقاتها، و(ننسى اللي كان) لا يعد فتحاً جديداً في عالم الدراما بل يذكرنا بأعمال سابقة لياسمين ولغيرها، و(علي كلاي) بكل ما يحمله من لا منطق لا يختلف عن (فهد البطل)، وكذلك (إفراج) مقارنة بأعمال عمرو السابقة.
لم يحدث تغيير في الصنعة الدرامية ولا في الأداء، والتغيير الوحيد هو أن جنون العظمة فقط هو الذي زادت مساحته وامتدت وتمددت ولا ندري إلى أين ستأخذ هؤلاء الفنانين وكل من يتخذون الدراما وسيلة للترويج للبلطجة وغياب القيم والتجاوز على المبادئ؟!
لم يشغل أديبنا العالمي صاحب نوبل في الآداب (نجيب محفوظ) باله يوماً بكونه أوغيره (نمبر وان)، وإنما شغل باله بإبداعه وفكره وطريقة سرده، ولم يكن يوسف شاهين ولا صلاح أبو سيف ولا داود عبدالسيد (نمبر وان)، وهم وغيرهم من أصحاب الروائع الذين ستظل الأجيال تستمتع بأعمالهم.
المبدع الحقيقي لا يشغله عالم (الترند) ولا يسلم نفسه لهوس القمة، لا يشغله شيء عن عمله ولو كان على القمة فهو خير وبركة، ولو لم يعتل القمة فإنه لا ينقص من قيمته شيئاً.


أعمال عظيمة بلا ضجيج
ومثلما لدينا فنانين أصابهم هوس (نمبر وان) لدينا فنانين يخلصون لفنهم، يختارون جيداً، يجددون ويطورن أنفسهم بشكل دائم، يتحدون قدراتهم لتقديم الأفضل، ويتركون الحكم عليهم للجمهور والنقاد.
هذا العام تابعنا أعمالاً عظيمة منها: (صحاب الأرض، اثنين غيرنا، عين سحرية، حكاية نرجس، فرصة أخيرة)؛ أعمال نجحت وتصدرت ولم يصب نجومها بهوس (الترند) ولم يخرج أي منهم ليجمد ذاته ولا ليقلل من غيره.
استمتعنا بـ (شريف منير وإياد نصار وكامل الباشا وباسم سمرة وحمزة العيلي ومحمود حميدة وطارق لطفي وماجد الكدواني وعصام عمر)، واستمتعنا بعظمة (منة شلبي وريهام عبدالغفور وسلمى أبوضيف ودينا الشربيني وفدوى عابد وسماح أنور)، وغيرهن ممن لم يصبهن هوس (التريند).
عدوى الهوس خلفت غضباً شعبياً وفنياً ومهنياً على المهووسين، ولأن الأمر زاد عن المعقول ولم يعد لدينا شخص واحد مهووس ولكن أشخاص مهووسين، أدركت نقابة المهن التمثيلية خطورة الأمر وأصدرت بياناً أعربت فيه عن أسفها لما وصفته بـ (حالة التراشق، والمهاترات) غير اللائقة بين بعض النجوم عبر (السوشيال ميديا)، مؤكدة أن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ الفن المصري وقيمته.
وقالت أن الساحة الفنية تشهد في الفترة الأخيرة انصراف بعضهم إلى (معارك وهمية)، هدفها خدمة الأنا والسعي وراء (الترند)، بدلاً من التركيز على تقديم أعمال فنية حقيقية تليق بتاريخ الفن المصري ومكانته.
كلمة حق من نقابة الممثلين ولكنها لا تكفي علاجاً للمهووسين!!!