رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أحمد صبحي يكتب: (ريهام عبد الغفور).. القلادة الساحرة التي يتباهى بها الفن المصري

أحمد صبحي يكتب: (ريهام عبد الغفور).. القلادة الساحرة التي يتباهى بها الفن المصري
ليس حكاية شخصية إجرامية تجسدها (ريهام عبد الغفور) بقدر ما هو مرآة لمجتمعٍ اعتاد أن يهدم أفراده ببطء
أحمد صبحي يكتب: (ريهام عبد الغفور).. القلادة الساحرة التي يتباهى بها الفن المصري
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي

بداخل (نرجس) أو (ريهام عبد الغفور) مشاعر فيّاضة تختلط بإحساسٍ عميق بالوحدة وعدم القبول. تقف أمام المرآة، تنظر إلى انعكاسها، بينما تتردد في ذاكرتها كلمات الآخرين عن قبحها وعدم جمالها. كلماتٌ تسللت إلى روحها كالسُمّ، خاصة حين تأتي من أقرب الناس إليها. عندها لا تتألم فحسب، بل تنصهر من الداخل، كأن روحها تُصهر في نار خفية لا يراها أحد.

ما يقدمه مسلسل (حكاية نرجس) ليس حكاية شخصية إجرامية تجسدها (ريهام عبد الغفور) بقدر ما هو مرآة لمجتمعٍ اعتاد أن يهدم أفراده ببطء، دون أن يشعر.. تلك هي الحقيقة الأكثر إيلامًا.

كان (عوني/ حمزة العيلي) طفلًا يشعر بالعجز.. يقف وحيدًا بين الصبية، يتمنى فقط أن يناديه أحدهم ليشاركه اللعب.. أما نرجس، فكان حلمها أبسط وأكثر قسوة في آنٍ واحد؛ كانت تتمنى أن تنظر إليها أمها مرة واحدة وتقول: أنتِ جميلة.. أنتِ الأفضل.. أنتِ كل الدنيا في عينيّ.

حين تنظر نرجس إلى (يوسف) بكل ذلك الحب، فهي لا ترى طفلًا فحسب، بل تحاول أن تصنع إنسانًا يحبها بلا شروط. إنّها تبحث عن علاقة لا يسبقها حكم، ولا يلوثها نقد. تحاول أن تبني عالمًا صغيرًا تكون فيه مقبولة، بل ومحبوبة.

وحين تقرر أن تخطف طفلًا لتربيه وتعلمه وتحكي له، فهي في الحقيقة لا تتحدث إلى طفلٍ بقدر ما تتحدث إلى تلك اللحظات التي تمنت أن تختطفها من قلب العالم؛ لحظات الحنان التي حُرمت منها، والدفء الذي لم تعرفه.

أحمد صبحي يكتب: (ريهام عبد الغفور).. القلادة الساحرة التي يتباهى بها الفن المصري
نحن، دون أن ندري، نصنع نرجس كل يوم

تغيّر مصير إنسان

لو تأملنا مجتمعنا اليوم سنجد أن الفراغ الإنساني ينهش الجميع؛ كل جماعة، كل أسرة، كل فرد يحمل بداخله فجوة خفية.. وأحيانًا يمكن لجملةٍ واحدة أن تغيّر مصير إنسان.

نتذكر تلك القصة الشهيرة عن الأم التي أخبرت ابنها – الذي سيصبح لاحقًا مخترعًا عظيمًا – أن المدرسة تقول إنه أذكى من بقية الطلاب، ولذلك عليه أن يتعلم في المنزل حتى لا يشعر الآخرون بالغيرة منه. كانت المدرسة في الحقيقة تراه أقل من غيره، لكن أمه رأت فيه ما لم يره العالم، فصنعت بداخله يقين القوة.

نحن، دون أن ندري، نصنع نرجس كل يوم؛

حين نعطي الفرصة لمن لا يستحق،

حين نقهر الناجح،

وحين نغلق الأبواب في وجه من يحاول أن يثبت نفسه.

لو أن الجميع قال لنرجس يومًا:

أنتِ كاملة.. أنتِ رائعة.. أنتِ تستحقين أن تكوني أمًا

ربما كان الطريق مختلفًا.

ربما تبنت طفلًا… واثنين… وثلاثة.

ربما صنعت حياة بدلًا من أن تبحث عنها في الظلام.

حين تنظر نرجس – أو بالأحرى (ريهام عبد الغفور) – إلى (يوسف)، نرى فى  عيناها كل الحب.. لم تخطفه لتعذبه، ولم تجعله وسيلة لربحٍ أو انتقام. لقد خطفته لأنها أرادت أن تعيش.. أن تشعر بأنها إنسانة.

في شخصية نرجس التي تلعبها (ريهام عبد الغفور) جوانب مرعبة ومخيفة، وسيقول كثيرون إن ما تفعله لا يمكن تبريره، وأنها ليست إلا شيطانًا يسير على الأرض.. لكن حين ننظر إلى جذور الحكاية سنجد طفلة لم يرحمها أحد، وصبيًا لم يهتم به أحد.

كل منهما يحمل داخله فراغًا إنسانيًا لا يمكن سده.

نحن نصنع كل يوم نرجس جديدة؛

بنظراتنا القاسية،

وكلماتنا الجارحة،

ومشاعرنا السلبية.

الأم التي تقهر ابنتها،

والأب الذي يقلل من شأن ابنه،

إنما يصنعان إنسانًا مهزوزًا، يسعى لإثبات ذاته بأي طريقة.. حتى لو كان الثمن أعناق الآخرين.

وفي النهاية، ورغم أن كثيرين قد يلومونني على هذه الكلمات، أعترف أنني أحببت (نرجس).. بل وأعطيتها كل المبررات الممكنة.. ولو كنت قاضيًا، لحاكمت كل من حولها قبل أن أحاكمها، ولمنحتها حكم المخفف.

أما (ريهام عبد الغفور)، فهي القلادة الساحرة التي يتباهى بها الفن المصري؛ فنانة قادرة على أن تمنح الشخصية روحها، وأن تجعلنا – رغم الخوف – نرى الإنسان المختبئ خلف الجريمة.

أحمد صبحي يكتب: (ريهام عبد الغفور).. القلادة الساحرة التي يتباهى بها الفن المصري
سامح علاء
أحمد صبحي يكتب: (ريهام عبد الغفور).. القلادة الساحرة التي يتباهى بها الفن المصري
المخرج هو ذلك الإنسان الذي يحوّل الكلمات إلى صورة.. ويمنحها روحًا وحياة

هل أحب سامح علاء نرجس

يبرز في رأسي سؤال مهم: هل أحب سامح علاء نرجس؟

يُقال إن المخرج هو الشخص المسؤول عن تحويل النص المكتوب أو السيناريو إلى عمل مرئي، وأنه يقود كل عناصر العمل الفني. وهذه حقيقة لا جدال فيها.. لكن الحقيقة الأعمق أن المخرج، قبل كل شيء، صاحب رؤية.. صاحب وجهة نظر خاصة يرى بها العالم والنص معًا.

فالمخرج الحقيقي لا يكتفي بتنفيذ الكلمات، بل يقرأ ما بين السطور، ويعيد تفسير السيناريو من خلال رؤيته الخاصة.. هو الذي يوجه الممثلين في الأداء والحركة، ويختار زوايا الكاميرا، ويحدد طريقة تصوير المشهد، ويتعاون مع مدير التصوير والمونتير والموسيقى ليصنع من كل هذه العناصر نسيجًا واحدًا نابضًا بالحياة.

ببساطة شديدة، المخرج هو ذلك الإنسان الذي يحوّل الكلمات إلى صورة.. ويمنحها روحًا وحياة، ولعل دلالة كلمة مخرج نفسها تحمل هذا المعنى العميق؛ فهي تشير إلى كيفية خروج النص من على الورق ليصبح صورة ناطقة، صورة قادرة على أن تسكن الذاكرة، وأن تدفعك لإعادة مشاهدتها والتفكير في تفاصيلها وفلسفتها.

فمهما كان جمال النص على الورق، لن يصل إلى قلب المشاهد ما لم يجد مخرجًا واعيًا يمتلك عينًا مختلفة، وخيالًا واسعًا، ورؤية واضحة، ووجهة نظر خاصة.

وإذا استعدنا تاريخ الأعمال الفنية، سنجد أن هناك نصوصًا عظيمة ونجومًا كبارًا ضاع بعض من بريقهم حين وقعت أعمالهم في يد مخرج لم يدرك قيمة الكلمة، أو حين ضاعت الكلمات بين لسان ممثل لا يعرف من فن الأداء سوى حفظ الجمل وترديدها.

ما فعله (سامح علاء) في نرجس هو أنه لم يخرج القصة كميلودراما تقليدية، بل حاول تقديمها كحالة نفسية مظلمة تملك كل التناقضات انها تحب بقوة وتكره بقوة كما ركز على الجانب النفسى للشخيه اكثر من الحدث نفسه اى جعل المشاهد يعيش توتر نرجس وارتباكها الداخلى

لهذا كله:

شكرًا لسامح علاء، على أمانتك في نقل الكلمات من على الورق إلى الشاشة، وعلى رؤيتك الواعية، وقدرتك على توجيه الممثلين، ورسم كادرات تبدو وكأنها لوحات حية تتكلم.. مخرج يمتلك رؤية.. ووجهة نظر تستحق الاحترام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.