رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(النقشبندي).. صوت من السماء التقى بعبقرية اسمها (بليغ حمدي) فولد ألبوم (مولاي إني بابك)

(النقشبندي).. صوت من السماء التقى بعبقرية اسمها (بليغ حمدي) فولد ألبوم (مولاي إني بابك)
ونظرا لجمال وعذوبة وتفرد صوته، ارتبط اسمه أول ما ارتبط بإحياء الليالي الدينية

كتب: أحمد السماحي

عندما يذكر شهر رمضان لابد أن تستدعي الذاكرة السمعية على الفور اسم صوت من السماء، هو الشيخ (سيد محمد النقشبندي) الشهير بـ (النقشبندي)، فهو أحد الملامح الرئيسية للشهر الكريم، مع الشيخ محمد رفعت، والمطرب محمد عبدالمطلب.

ورغم رحيل (النقشبندي) منذ خمسين عاما بالتمام والكمال، حيث رحل في 14 فبراير عام 1976، وظهور مئات من المنشدين لكن لم يستطع أحدا منهم ملأ الفراغ الذي تركه، هذا الصوت العبقري، الذي وصفه الدكتور (مصطفى محمود) بأنه مثل (النور الفريد الذي لم يصل إليه أحد).

ولد (النقشبندي) عام 1920 ببلدة دميرة مركز (طلخا) بمحافظة (الدقهلية)، ولقد نشأ نشأة دينية، وهام في عشق الرسول وآل البيت، حيث كانت نشأته الحقيقية في (سوهاج).

ولما بلغ الخامسة والعشرين من عمره، رأى رؤيا في منامه أن هاتفا يدعوه إلى السفر حيث المدد البدوي في رحاب السيد (أحمد البدوي) قطب طنطا، فشد رحاله من (طهطا) إلى مدينة (قلين) بمحافظة (كفر الشيخ) حيث استقر به المقام في مدينة طنطا.

ونظرا لجمال وعذوبة وتفرد صوته، ارتبط اسمه أول ما ارتبط بإحياء الليالي الدينية، والمأتم بتلاوة آيات الذكر الحكيم، قبل أن يكتشف قدراته في الإنشاد الديني في الموالد مثل مولد (سيدي أبوالحجاج الأقصري) بالأقصر.

و(سيدي عبدالرحيم القناوي) بقنا، وكان يصدح في هذه الموالد بأغنيات (أم كلثوم) الدينية مثل (نهج البردة، ورباعيات الخيام، وولد الهدى).

بدأت معرفة الناس بـ (النقشبندي) من خلال إحيائه لليلة الختامية لمولد الإمام (الحسين) رضي الله عنه، وكانت بدعوة من صديقة الحميم الحاج (سيد محمد محمد) من القاهرة، فلبى الشيخ (النقشبندي) الدعوة، وأقام حفلا ترنم فيه بصوته وشدا لمدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بإبتهلاته المتميزة في ساحة سيد الشهداء، فأدهش مستمعيه، فذاع صيته وعرفته وتناقلته الإذاعة المصرية عبر موجاتها.

(النقشبندي).. صوت من السماء التقى بعبقرية اسمها (بليغ حمدي) فولد ألبوم (مولاي إني بابك)
دخل الشيخ (النقشبندي) الإذاعة المصرية لأول مرة بعد  قدمه  الإذاعي مصطفى صادق إلى  محمد محمود شعبان

نبع سماوي يغزو القلوب

في عام 1966 سمع الإعلامي (أحمد فراج) الشيخ (النقشبندي) وهو ينشد في مولد سيدنا الحسين، وأعجب بصوته فاستضافه في حلقة من حلقات برنامجه التليفزيوني (في رحاب الله).

 وكان أول ظهور تليفزيوني للشيخ (النقشبندي)، وفي العام التالي 1967 دخل الشيخ (النقشبندي) الإذاعة المصرية لأول مرة بعد  قدمه  الإذاعي مصطفى صادق إلى  محمد محمود شعبان، الذي أعجب بصوت الشيخ (النقشبندي) واعتمده منشدا في الإذاعة.

 وأسند إليه إنشاد  الحلقات الإذاعية (الباحث عن الحقيقة سلمان الفارسي) عن قصة محمد عبد الحليم عبدالله، وأشعار محمد علي ماهر، وألحان محمد الموجي من أعداد عبد السلام عسرة وإخراج زكريا شمس الدين في رمضان من ذلك العام.

حيث أنشد بمصاحبة فرقة موسيقية وقدم في هذه الحلقات أغنيته المشهورة (يانور الحق يانور الإيمان) ليصبح بعدها شهر مضان موعدا سنويا لجمهور الشيخ حيث كان يقدم برنامجا يقدم فيه نحو 30 أغنية وابتهالا في رمضان من كل عام بمصاحبة فرقة موسيقية.

في رمضان من العام التالي 1968 قدم برنامجا من تلحين حلمي أمين، وفيما بعد من ألحان أحمد فؤاد حسن، ومحمد سلطان، وسيد مكاوي، وكل هذه الألحان وثقتهم شركة (صوت القاهرة) من خلال ألبومات.

كما قدم البرنامج التلفزيونى (فى نور الأسماء الحسنى) للكاتب محمد على ماهر، وكان عبارة عن إنشاد موسيقى للنقشبدى وتولى تلحينها عمالقة الموسيقى (محمود الشريف وعبدالعظيم محمد وأحمد عبدالقادر) كما كان الشيخ يغنى من أغانى أم كلثوم ومحمد قنديل.

وفي عام 1969 غني على المسرح في حفلة (أضواء المدينة) بمصاحبة الفرقة الذهبية بقيادة صلاح عرام ، ثم أصبح يغنى على المسرح في الحفلات  بمصاحبة فرقة للفنون الشعبية.

(النقشبندي).. صوت من السماء التقى بعبقرية اسمها (بليغ حمدي) فولد ألبوم (مولاي إني بابك)
مدحه نبعا سماويا يغزو القلوب فتتفتح لمدحه كل القلوب

التقوى والجمال والإنسانية

المثير والغريب أنه رغم وجود (النقشبندي) على الساحة الفنية والتليفزيونية، وشهرته العريضة في محافظات مصر، خاصة الصعيد، ولكنه لم يعرف الشهرة العريضة إلا مع نكسة يونيو عام 1967!

حيث بدأت الإذاعة في عمل برامج دينية كثيرة، وتكثيف الأناشيد والأبتهالات الدينية، وبعضها كان لـ (النقشبندي)، فبدأ الناس في المنازل تشعر بجمال وعذوبة صوته.

فكان مدحه نبعا سماويا يغزو القلوب فتتفتح لمدحه كل القلوب، حيث جمع في مدحه، بين صدقه وايمانه والتقوى والجمال والإنسانية، في التنقل بين المقامات الموسيقية، والمقدرة على التعامل مع قلوب وعقول المستمعين بصوته الساحر.

فقد كان له أسلوب خاص يعتمد على طبقاته الصوتية الواسعة في استعراض صوته في منطقة (الجوابات) في أثناء الإلقاء، وكان طبيعيا أن (يفتن) به الجمهور، ويطلبون أناشيده وابتهالاته في برامج (ما يطلبه المستمعين).

رغم أن الشيخ (النقشبندي) لم يكن دارسا لعلوم الموسيقى لكنه كان من المنشدين الذين يستطيعون السيطرة على النغمة، ويطوعونها لخدمة الدعوة في حب الرسول الكريم، وآل البيت.

وبدأت شهرة الشيخ (النقشبندي) تلفت أنظار وأسماع العبقري (بليغ حمدي)، وكان يتمنى أن تعانق ألحانه هذه الحنجرة العبقرية، لكن ظلت أمنياته أمنيات وأحلام، إلى أن جاء خطبة (لبنى) ابنة الرئيس محمد أنور السادات عام 1971.

ونترك الإذاعي الكبير (وجدي الحكيم) بحكم أنه ادعى أنه شاهد عيان على اللقاء بين (بليغ حمدي) والشيخ (النقشبندي) يحكي لنا عن هذا اللقاء الذي سنجد فيه كلاما غير حقيقي وهو قوله أن (النقشبندي) كان رافضا للغناء من ألحان (بليغ حمدي) بحجة أنه لم يغني من قبل، وكل ابتهالاته كانت بدون موسيقى!.

(النقشبندي).. صوت من السماء التقى بعبقرية اسمها (بليغ حمدي) فولد ألبوم (مولاي إني بابك)

(النقشبندي).. صوت من السماء التقى بعبقرية اسمها (بليغ حمدي) فولد ألبوم (مولاي إني بابك)
السادات ينادى لبليغ ويقول له: (عاوز أسمعك مع النقشبندي)

لقاء النور الفريد مع العبقري

الإذاعي الكبير (وجدي الحكيم) الذي حضر لقاء القمتين قال عن هذا اللقاء في أكثر من حديث إعلامي: (في عام 1972 كان الرئيس محمد أنور السادات، يحتفل بخطبة إحدى بناته في القناطر الخيرية، وكان النقشبندى موجودًا في الاحتفال الذي حضره الملحن بليغ حمدي، وكنت حاضرًا هذا الاحتفال كمسئول في الإذاعة المصرية.

 فإذا بالسادات ينادى لبليغ ويقول له: (عاوز أسمعك مع النقشبندي)، وكلفني بفتح ستديو الإذاعة لهما)، لكن (النقشبندي، وافق حتى لا يغضب الرئيس يوم فرح ابنته..

ويومها قال له (بليغ حمدي) في دماغى لحن دينى داخل فية التواشيح رد عليه الشيخ، وقال له: (أنت يابتاع الحب كله، وألف ليلة عايز تخلينى أغنى على مزيكا)!، فرد عليه بليغ قائلا: (هعملك لحن يعيش 100 سنة جايين).

لكن (النقشبندي) تحدث معي بعدها، وقال لي: (ماينفعش أنشد على ألحان بليغ الراقصة)، حيث كان )النقشبندي) قد تعود على الابتهال دون موسيقى!

وكان في اعتقاد الشيخ أن اللحن يفسد حالة الخشوع التي تصاحب الابتهال، وقال: (على آخر الزمن يا وجدي هاغنى؟)، وطلب منه الاعتذار لبليغ .

وتابع الإعلامي (وجدي الحكيم) رواية قصته فقال: (طلبت من النقشبندى أن يستمع إلى اللحن الذي أعده بليغ، واصطحبته إلى ستديو الإذاعة.

 واتفقت معه على أن أتركه مع (بليغ) لمدة نصف ساعة ثم أعود، وأن تكون بيننا إشارة أعرف من خلالها إن كانت ألحان بليغ أعجبته أم لا؟

ويستكمل (الحكيم) قائلاً: (اتفقنا أن أدخل عليهما بعد نصف ساعة فإذا وجدت النقشبندى خلع عمامته فإن هذا يعنى أنه أعجب بألحان بليغ، وإن وجدته مازال يرتديها فيعنى ذلك أنها لم تعجبه، وأتحجج بأن هناك عطلًا في الاستوديو لإنهاء اللقاء، ونفكر بعدها في كيفية الاعتذار لبليغ.

وتابع: دخلت فإذا بالنقشبندى قد خلع العمامة والجبة والقفطان، وقال لي: (يا وجدي بليغ ده جن)، وفي هذا اللقاء انتهى بليغ من تلحين (مولاي إني ببابك) التي كانت بداية التعاون بينهما.

بعد هذا الابتهال، طلب (بليغ حمدي) من الشاعر (عبد الفتاح مصطفى) كتابة ابتهالات وأغانى آخرى للنقشبندي، وبالفعل كتب وأرسلها لبليغ حمدي الذي عكف على تلحينها واتصل بالشيخ النقشبندي ليلتقيا في استديوهات الإذاعة ليسمعه إياها.

(النقشبندي).. صوت من السماء التقى بعبقرية اسمها (بليغ حمدي) فولد ألبوم (مولاي إني بابك)
النقشبندي مع ابنه أحمد

15 ابتهالا تحدوا الزمن

استمر التعاون بين (النقشبندى، وبليغ) وقدما نحو 15 عملا أذيعت فى شهر رمضان، من خلال برنامج (أنغام الروح)، وهذه الثروة من الألحان والابتهالات هى (كن لنا نعم المعين، أخوة الحق، عليك سلام الله، وأى سلوى، أيها الساهر، ما أعظم الذكرى ، يادار أرقم، مولاى ، أقول أمتى، ياربنا، ياليلة فى الدهر، حمدا لك الله، أشرق المعصوم يارب انا أمة ، رباه يامن أناجى).

وعن هذه الألحان قال (النقشبندي) فى حديث جمعه بالإذاعى الكبير وجدى الحكيم (لو مكنتش سجلتهم مكنش بقالى تاريخ بعد رحيلى).

ولقد توفى الشيخ (النقشبندي) رحمه الله في مبنى التليفزيون عقب انتهائه من تسجيل بعض الابتهالات والتواشيح الدينية، لتذاع في شهر رمضان الكريم، وكان ذلك في يوم 14 فبراير من عام 1976.

(النقشبندي).. صوت من السماء التقى بعبقرية اسمها (بليغ حمدي) فولد ألبوم (مولاي إني بابك)
جنازة الشيخ سيد النقشبندى رحمه الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.