رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!

من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!
جاء مسلسل (صحاب الأرض) ليعرض الواقع الإنساني لأهل غزة بعد 7 أكتوبر2023
من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!
أحمد الغريب

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب

في عالم يختلط فيه الإعلام بالسياسة، ويُستخدم الفن في كثير من الأحيان كأداة لتزيف وتشويه الواقع، يظل للفن المصري مكانة خاصة. فهو المرآة التي تعكس الحقيقة دون مواربة، والبوابة التي تكشف الحقائق المخفية عن أعين العالم.. مسلسل (صحاب الأرض) أيقونة الإبداع في رمضان هذا العام أثبت أن الفن ليس مجرد تسلية موسمية، بل رسالة أخلاقية وإنسانية، تحاول إسرائيل، كعادتها تشويهها قبل أن تصل إلى الجمهور.

جاء مسلسل (صحاب الأرض) ليعرض الواقع الإنساني لأهل غزة بعد 7 أكتوبر2023، وما لحق بهم من كارثة إنسانية غير مسبوقة ليضع العالم أمام حقيقة لا يمكن لموجات الحملات الدعائية أن تحجبها.

من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!
يروي وبكل بساطة قصة مأساوية وإنسانية في آن واحد

رواية إنسانية من قلب المأساة

(صحاب الأرض) أحد إبداعات الشركة (المتحدة للخدمات الإعلامية)، يروي وبكل بساطة قصة مأساوية وإنسانية في آن واحد. يجسد فيها الفنان (إياد نصار) شخصية فلسطيني يحاول جاهداً إنقاذ ابن شقيقه وسط أهوال القصف، بينما تؤدي الفنانة (منة شلبي) دور طبيبة مصرية تنضم إلى قافلة الإنقاذ، لتقدم العون الطبي لأهل القطاع.

وفي خضم الدمار، تتولد علاقات حب وأمل وضمير، لتتحول القصة من مجرد مواجهة الحرب إلى سرد إنساني نابض بالحياة، يعكس المقاومة الإنسانية في وجه الاحتلال.

من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!
سرعان ما أن خصصت هيئة البث الإسرائيلية فقرة خاصة ضمن برنامج (أخبار الليل) للحديث عن العمل الدرامى

فضح الرواية الإسرائيلية

لم يتأخر الاهتمام الإعلامى والأمنى الإسرائيلي بالمسلسل، إذ سرعان ما أن خصصت هيئة البث الإسرائيلية فقرة خاصة ضمن برنامج (أخبار الليل) للحديث عن العمل الدرامى، واعتبرته مراسلتها (أنستاسيا ستيكانوف) يعكس وجهة نظر فلسطينية واحدة، ولا يظهر إسرائيل بصورة إيجابية كما ينبغي كما يحلو لها دوماً.

أما القناة (12 الإسرائيلية)، فإعتبرت من جانبها أن بثه على القنوات المصرية ومن ضمنها التلفزيون المصري الرسمي خطوة سياسية محسوبة تعكس موقف القاهرة الحقيقي من إسرائيل.

الحملة الإسرائيلية الممنهجة التى طالت ( صحاب الأرض) لم تقف عند هذا الحد. بل راحت لأبعد من ذلك، فعلى سبيل المثال حاولت صحيفة (يديعوت أحرونوت) المس بطاقم العمل، بحديثها عن أن المسلسل يضم طاقمًا كبيرًا من الممثلين، من بينهم الفنان (آدم بكري)، نجل مخرج فيلم (جنين جنين) المعروف بمعارضته لإسرائيل، محذرة من أن المسلسل قد يتابعه عشرات الملايين من المشاهدين في العالم العربي، بما في ذلك المشاهدين العرب داخل إسرائيل، وهو بالطبع أمر ترى فيه تل أبيب أمراً من شأنه أن ينقص من روايتها الكاذبة المتعلقة بمسار الأحداث.

أما قناة (12) الإسرائيلية، التى عرضت مقالًا ينتقد العمل قبل عرضه بأيام، فحاولت الزعم بأن القاهرة تحاول تحسين صورتها من خلال السرد الدرامي، وتجاهلت القناة، شهادات وإشادات رموز العمل الوطني الفلسطيني وقيادات الفصائل وأهالي غزة بالدور المصري الإنساني منذ بداية الحرب وحتى وقف إطلاق النار.

وفى ذات السياق الهجومى الإسرائيلي، اعتبرت قناة (كان) أن المسلسل يعرض الحروب في غزة بعد 7 أكتوبر بصورة شديدة السلبية تجاه إسرائيل، وتناست هى الأخرى أن العمل يصور طبيبة مصرية تحاول تخفيف معاناة المدنيين، منتقدة تعرض العمل الدرامي للمشهد العسكري الإسرائيلي الواقع على الأرض داخل قطاع غزة، بما في ذلك الجنود الذين يواجهون مقاومة متواصلة من الفلسطينيين.

كذلك صحيفة (هآرتس) وصفت المسلسل بالطابع القومي، زاعمة أنه قد يحوّل الحرب المدمرة إلى عرض رمزي يركز على البعد القومي أكثر من البعد الإنساني، مع أن المشاهد توثق قوافل المساعدات الطبية المصرية التي تصل غزة عبر معبر رفح، وتظهر جهود ضباط مصريين لتسهيل إدخال المعدات الطبية، في مواجهة القيود العسكرية الإسرائيلية.

من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!
مشهد للفنان (عصام السقا)، الذي أدى دور سائق شاحنة مساعدات مصرية إنسانية

عصام السقا وروان الغابة والكابتن (إيلا)

الكثير من مشاهد (صحاب الأرض) فور بدء عرضه أثارت سخط إسرائيل، منها مشهد للفنان (عصام السقا)، الذي أدى دور سائق شاحنة مساعدات مصرية إنسانية، حيث ظهر وهو يضغط على بوق الشاحنة في تحدٍ للجنود الإسرائيليين الذين يمنعون دخول الشاحنات، وانتشر هذا المشهد بسرعة على وسائل التواصل، مع إشارات ساخرة إلى المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي (أفيخاي أدرعي).

وأظهر أن الفن قادر على تحدي إسرائيل وروايتها الرسمية، حتى وإن كان بمشهد درامي قصير.

كما أثير جدل واسع بعد حذف صفحة الفنانة والمخرجة المصرية (روان الغابة) من ويكيبيديا، عقب تجسيدها دور الكابتن (إيلا) المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، وحديثها بالعبرية خلال بعض المشاهد بطلاقة، وهو ما اعتبرته (روان) من جانبها (ضريبة النجاح) لما قدمته من أداء مميز وإتقان اللغة العبرية، تعقبياً منها على الإنتقادات الإسرائيلية.

تناول مسلسل (صحاب الأرض) لحرب غزة من منظور إنساني، وتسليطه الضوء على الانتهاكات التي طالت المدنيين والمستشفيات والمدارس ودور العبادة، وفق تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، لم يكن هدفه فقط الترفيه على المشاهدين خلال الشهر الكريم، بل التوثيق الدقيق لمعاناة الفلسطينيين.

وتقديم سردية واقعية ترفض تحويل الضحية إلى مجرم، أو الجاني إلى ضحية، وهو ما أكده السيناريست (عمار صبري) بقوله: أن الفكرة بدأت مع اندلاع الحرب، وسعى إلى تقديمها من منظور إنساني بعيد عن الأخبار المباشرة، وايده فى هذا الفنان (إياد نصار) بقوله (أن العمل يمثل توثيقًا للحقيقة، وليس مجرد دراما موسمية).

من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!
روان الغابة تؤدي دور الكابتن إيلا

الكابتن ( إيلا) وركوب الترند

اللافت والمثير للدهشة والسخرية فى آن واحد، أن كابتن (إيلا)، المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، والتى تحاول جاهدة أن تتبوء مكانة ما في عالم التضليل الإعلامي والعسكري الإسرائيلي، وجدت في (أصحاب الأرض) ضلتها المنشودة وكيف لا، والطريق أمامها للشهرة عبر بوابة الدراما المصرية للوصول إلى المشاهدين العرب عبر ركوب الترند كما نقول في مصر.

سرعان ما أن قامت كابتن (إيلا)، بإعداد مقطع مصور بثته عبر حسابها الرسمي التابع للجيش الإسرائيلي بكافة وسائل التواصل الإجتماعي، راحت تحدثنا فيه عن رسالة الفن الحقيقية، وقالت نصاً (الفن رسالة، لكن فقط عندما يكون صادقًا، وإلا فهو مجرد غسيل عقول وتزوير للحقائق).

زاعمة أن مسلسل (صحاب الأرض) يحوّل القاتل إلى ضحية والضحية إلى متهم، محاولًة بذلك تشويه الدور المصري والحقائق الموثقة على الأرض، ولم تقف عند هذا الحد، بل راحت لتدعى أن (أصحاب الأرض) الحقيقون هم (إسرائيل)، عبر إشارتها لعلم الجيش الإسرائيلي فوق زيها العسكري.

من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!
إسرائيل وجيش الإجرام والعدوان الإسرائيلي على وجه الخصوص أكثر ما يخشاه هو كشف الحقيقة

الجهل بالحقائق وبالتاريخ

المثير للسخرية هو أن كابتن (إيلا)، المولودة في 16 أكتوبر 1989، تنتمي كذباً إلى الأقلية العربية المسلمة في إسرائيل، حيث انضمت إلى الجيش الإسرائيلي عام 2013، وأصبحت أول امرأة (عربية مسلمة) تعمل كضابطة في وحدة المتحدث باسم الجيش، وفي فبراير 2026 تم تعيينها متحدثة باسم الجيش للإعلام العربي برتبة مقدم.

لكن المثير أكثر هو أن تلك المعتوهة كانت تبلغ من العمر 8 سنوات عندما عرض فيلم إسرائيلي وثائقي مثير للجدل باسم (روح شاكيد) (Spirit of Shaked)، عبر شاشة التلفزيون الإسرائيلي لمرة واحدة قبل أن يتم حذفه من منصات البث ويصدر قرار بمنع إعادة عرضه، أو الحديث عن تفاصيله في الإعلام الإسرائيلي.

لكن لم تعرفه الكابتن ( إيلا ) هو أن الفيلم يوثق بطريقة غير رسمية، جرائم ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الأسرى المصريين بعد حرب عام 1967، وقامت بإنتاجه هيئة البث الإسرائيلية في عام 2007، ويسرد تفاصيل ووقائع الجرائم التى ارتكبتها وحدة عسكرية إسرائيلية في سيناء.

وتضمن شهادات قدامى الجنود حول العمليات التي نفذوها بعد وقف القتال، من ضمنها الكشف عن وقائع قتل نحو 250 أسير حرب مصري على يد الجنود الإسرائيليين.

وما لم تعرفه كذلك هو أن مجلس إدارة هيئة البث الإسرائيلية، قرر عدم إعادة بث الفيلم، الأمر الذى أثار معه في هذا الوقت حالة من الجدل بين الصحفيين الإسرائيليين على خلفية فرض الرقابة على الإعلام، كما ترك الفيلم أثرًا على النقاشات الإعلامية والسياسية، وأعاد الجدل حول تجسيد الأحداث العسكرية في الإعلام الرسمي الإسرائيلي.

كذلك ما لم تدركه وما لم تعرفه هو أن إسرائيل وجيش الإجرام والعدوان الإسرائيلي على وجه الخصوص أكثر ما يخشاه هو كشف الحقيقة، وبث الحقائق على الملاء أمام جمهور المشاهدين سواء داخل إسرائيل أو خارجها، وغاب عنها كيف تدخل الجيش الإسرائيلي حينما كانت هى طفلة تلهو ليمنع إعادة بث فيلم (روح شاكيد) بعد أن خالفت الجهات التى إنتجته الرواية الرسمية الإسرائيلية.

من (صحاب الأرض) لكابتن (إيلا): نشكركم على حسن تعاونكم معانا!
كان له أثر إيجابي في إنتشار المسلسل والترويج له وزيادة نسبة المشاهدين في العالم العربي

دعاية للمسلسل وإشادة من غزة

الحقيقة الثابتة هى أن ما يجمع بين (صحاب الأرض) و(روح شاكيد)، هو أن كلاهما واجه محاولات رسمية إسرائيلية لإخفاء أو تشويه الحقائق، فالأول تعرض لهجوم إعلامي وسياسي بسبب نقل الواقع الإنساني في غزة، والثاني منع من العرض خوفًا من الكشف عن جرائم للجيش الإسرائيلي.

كما أن ما لم تدركه هو أن ما قامت به ورغم كونه أكاذيب وحملة مغرضة حاولت من خلالها ليس المساسل بالعمل الدرامى فحسب ولكن بمصر بشكل عام، كان له أثر إيجابي في إنتشار المسلسل والترويج له وزيادة نسبة المشاهدين في العالم العربي، من جمهور يتعطش لمشاهدة الحقيقية.

ويكفي ما ورد عبر وسائل التواصل الإجتماعي من مقاطع مصورة من داخل قطاع غزة، يشيدون فيها بمصر وما قدمته ولازالت تقدمه من أجل غزة وأهلها، والحقيقة الأكثر واقعاً هى أن الفن المصري نجح ومن جديد في نقل الحقيقة للجمهور بطريقة درامية مؤثرة، مع الحفاظ على المصداقية والحقائق.

ليظل الفن المصري والدراما المصرية مرآة للحقائق، تكشف الجرائم، وتوثّق المعاناة، وتفضح الظلم دون خوف في مواجهة الحملات الدعائية الإسرائيلية، وأنه سيبقى دائمًا صوت الحقيقة الذي لا يمكن إسكاته.

وأخيراً وبعد الحقيقة التي أراد صناع المسلسل عرضها من خلال هذا العمل الدرامى الرائع، ورغماً عن كل حملات التشويه والإساءة المتعمدة له من جانب القائمين على الإعلام والجيش في إسرائيل. نقول لكابتن (إيلا)، نشكركم على حسن تعاونكم معنا، وإلى اللقاء في المسلسل القادم.. وللحديث بقية!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.