
بقلم المستشار: محمود عطية *
في كل موسم (الإعلانات) الرمضانية تتكرر المسرحية نفسها، وتتبدل الوجوه، وتبقى الحقيقة واحدة: أموال طائلة تتدفق كالسيل على حملات دعائية صاخبة لشبكات الاتصالات التي بلانا الله بها، بينما يقف المشترك في طابور طويل يشكو سوء الخدمة، وانقطاع الشبكة، وارتفاع الأسعار بلا جدوى.
نحن أمام مشهد عبثي مكتمل الأركان في موسم (الإعلانات) الرمضانية، شركات اتصالات تتفاخر بأرباحها الخرافية، وتتنافس على خطف النجوم، وجمع عدد غير قليل من المحظوظين سنويًا ليظهروا في (الإعلانات) البراقة تلمع كقطع الحلوى في واجهات المتاجر، فيغري بريقها البسطاء، ويخدعهم الصوت العالي، والألوان الصارخة، والأغاني السريعة.
تدفع هذه الشركات الملايين لتصنع وهمًا اسمه (السعادة الرقمية)، وتشتري دقائق من حضور فنان أو لاعب أو شخصية عامة في هذه (الإعلانات)، فتتحول المنصات إلى سيرك كبير يُصفق فيه لمن قبض أكثر، لا لمن قدّم خدمة أفضل.
ويبدو أن إحداها نجحت في إغراء ممثلة معتزلة، بعد غياب طويل، لتشترك في إعلان مع آخرين، فعادت فجأة إلى الضوء بعد صمت سنوات، وكأن الاعتزال كان مجرد استراحة محارب ينتظر عرضًا لا يُرفض.
وأظن – وإن بعض الظن إثم – أن المقابل لا يُرفض مطلقًا؛ فحين يتكلم المال تصمت المبادئ، وحين تتراكم الأرقام في الحسابات البنكية تتراجع الشعارات إلى الصفوف الخلفية.
وزادت الطرافة حين نشرت إحدى الصحف أن مغنيًا شهيرًا ظهر في إعلان بصحبة والدته وأولاده، في مشهد عائلي دافئ يوحي بالثقة والاطمئنان، وكأن الشركة فرد من أفراد الأسرة، وكأن الإشارة تصل بدفء الأم قبل أن تصل بقوة الشبكة.
صورة محسوبة بعناية، ورسالة عاطفية مدروسة، لكن السؤال البسيط الذي لا يريد أحد أن يطرحه: من الذي سيدفع ثمن هذه (العائلية) المصنوعة؟، ومن الذي سيتحمل ملايين الأجور والإنتاج والإخراج؟

باقة تُستنزف سريعًا
إنه المواطن البسيط نفسه، الذي يُخاطَب بالعاطفة ويُحاسَب بالأرقام، ويدفع من جيبه تكلفة هذه الملايين، ثم يتلقى خدمة لا تليق بما يدفع.. يُخاطبونه بالمشاعر، ويواجهونه بالفاتورة، ويُترك وحيدًا أمام شبكة ضعيفة وباقة تُستنزف سريعًا، ثم يُطلب منه أن يصدق أن كل شيء على ما يرام.
نحن في زمن صار فيه القرش هو السيد المطاع، بعد أن تراجعت القيم وتكسرت الأخلاق على صخرة الطمع.. لم يعد السؤال: ماذا أقدم للناس؟ بل: كم سأجني من ورائهم؟
لم تعد المنافسة على جودة الخدمة، ولا على سرعة الإنترنت، ولا على شفافية الفواتير، بل على من يصرخ أعلى في الإعلان، ومن يلمع أكثر على الشاشة، ومن يشتري نجمًا أكبر يردد اسمًا محفوظًا في عقول الناس منذ عقود.. وكأن الشركة تقول للمشترك: لا يهمنا أن تنقطع مكالمتك أو يتعطل اتصالك بالشبكة، يكفينا أن تحفظ لحن إعلاننا وتردد كلمات أغنيتنا.
المفارقة المؤلمة أن هذه الشركات التي تصرف الملايين على دقيقة في (الإعلانات)، تعجز عن إصلاح برج إرسال في حي مزدحم، أو تطوير بنية تحتية متهالكة، أو تخفيض سعر باقة أنهكت جيوب الشباب.. الخدمة أسوأ من بعضها، وكأنهم يتسابقون في سوء الأداء بدل أن يتسابقوا في تحسينه.
وكأن الرديء معيار يُقاس به الرديء الآخر.. فلا تكاد تجد مشتركًا إلا ويشكو من ضعف الشبكة، أو بطء الإنترنت، أو ارتفاع الأسعار، أو الغموض في احتساب الاستهلاك. أما خدمة العملاء فحدّث ولا حرج: ساعات من الانتظار، وموسيقى مملة، ووعود تتكرر بلا تنفيذ.
فهل الأولى أن تُصرف كل هذه الملايين لتوضع في جيوب البعض، بينما تُترك الخدمة على هذا الحال البائس؟، أم أن العمولات والبهرجة أهم من رضا الناس؟، سؤال يفرض نفسه بقوة حين ترى الفجوة الهائلة بين ما يُقال في الإعلان وما يعيشه المشترك في الواقع.
في (الإعلانات) كل شيء سريع وسلس ولامع، والابتسامات تملأ الوجوه، والإشارات قوية في كل مكان. وفي الواقع: مكالمة تنقطع فجأة، ورسالة لا تصل، وإنترنت يتجمد في لحظة احتياج، وفاتورة تلتهم الراتب قبل منتصف الشهر.

اللوم على المشتركين
قد يقول قائل إن (الإعلانات) جزء من السوق، وإن المنافسة تفرض ذلك، وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن حين يتحول الإعلان إلى ستار كثيف يخفي عيوبًا جوهرية، ويستنزف موارد كان يمكن أن تُوجَّه لتحسين الخدمة، يصبح الأمر مهزلة ثقيلة الدم.. نحن لا نعترض على حق الشركة في الترويج لنفسها، بل نعترض على اختلال الأولويات، حين يكون البريق أهم من الجوهر، والواجهة أهم من الأساس.
ومع ذلك، ورغم كل هذا الهجوم، لا بد أن نعترف بحقيقة مُرّة إنه العيب ليس عيب الشركات وحدها، بل العيب – واللوم كل اللوم – على المشتركين والمشاهدين.. نحن الذين نصفق، ونشارك الإعلان، ونعيد نشره، وننجذب إلى النجوم، التي تستفيد من كل شىء حتي خدمات الدوله لهولاء دون غيرهم وننساق خلف الأغنية الرائجة.
نحن الذين نشتكي في المجالس ونصمت عند الدفع، نقول إن الخدمة سيئة ثم نجدد الاشتراك بلا تردد، وكأننا نتعايش مع الرداءة ونبررها.
أقولها بوضوح: لا أحد يجبرنا على تصديق كل ما يقال في (الإعلانات)، ولا على متابعة كل حملة صاخبة، ولا على مكافأة الرداءة بالاستمرار معها.. الشركات – كغيرها من الكيانات – تعلمت درسًا بسيطًا: حين تتأكد أن التفاهة هى السائدة، فإنها تستثمر فيها بلا تردد.
حين ترى أن الناس تنجذب إلى السطح وتترك العمق، فإنها تقدم مزيدًا من السطح وتقلل من العمق.. وحين تلاحظ أن الضجيج يحقق أرباحًا أكثر من الجودة، فإنها ترفع صوت الضجيج إلى أقصى حد.
انظروا إلى ما يحدث كل عام من ترويج لبرامج تقوم على الإثارة الرخيصة والسخرية الفجة والتنمر المقنّع بالمرح.. شاهدنا التنويه عن برنامج المقالب السنوي الفج الذي يقدمه (رامز جلال)، والذي يجسد – في نظر كثيرين – قمة الانحدار الأخلاقي.
حيث يتحول الخوف إلى سلعة، والإهانة إلى مادة للضحك، ويُدفع المال بسخاء لشراء لحظات صدمة تُسوَّق على أنها ترفيه.. (بعلم كل المقاطيع) يعني فقرات متفق عليها ومجاملة الضيوف بسبوبة.
في مثل هذا المناخ، لا تستغرب أن تنجح حملة (الإعلانات) لشركة اتصالات مهما كانت خدمتها سيئة؛ يكفي أن ترتبط باسم لامع، أو أغنية تعلق في الأذن، أو مشهد طريف يتداوله الناس، ليغفروا بعدها كل تقصير.. نحن نعيش زمنًا تختلط فيه الأولويات، حتى لا يكاد المرء يميز بين المهم والتافه، بين القيمة والسعر، بين الكرامة والعائد المادي.
شركات الاتصالات ليست جمعيات خيرية؛ هى كيانات تبحث عن الربح، وهذا حقها.. لكن الربح لا يعني الاستهتار بعقول الناس، ولا الاستخفاف بحقوقهم، ولا التعامل معهم كأرقام في جداول أرباح.. حين يتحول المشترك إلى مجرد رقم، يفقد اسمه واحتياجه وكرامته، ويصبح من السهل تجاهل معاناته ما دام العائد السنوي في ازدياد، وما دامت الحملات الدعائية تحقق انتشارًا واسعًا.

ليس الغضب على ممثلة عادت
الغضب هنا ليس على ممثلة عادت من اعتزالها، ولا على فنان قبل عرضًا مغريًا؛ فكل إنسان حر في اختياراته.. الغضب على منظومة كاملة تضع المال فوق كل اعتبار، وتبيع الوهم في علب ملونة، وتغلف الرداءة بورق لامع.. الغضب على عقل جمعي يقبل أن يكون متلقيًا سلبيًا، يستهلك ما يُعرض عليه بلا مساءلة ولا محاسبة.
لو أن جزءًا بسيطًا من هذه الملايين وُجّه لتحسين البنية التحتية، أو لتدريب موظفي خدمة العملاء، أو لخفض الأسعار، أو لزيادة سعات الإنترنت، لكان الأثر أعظم، والرضا أوسع، والثقة أرسخ.. لكن الثقة لا تُشترى في إعلان مدته دقيقة، ولا تُصنع بأغنية موسمية؛ الثقة تُبنى بصمت، وبعمل متواصل، وباحترام حقيقي للمشترك.
المشكلة أننا تعودنا على الصخب والوضاعه والسفه حتى صرنا نظنه دليلًا على النجاح، وتعودنا على البهرجة حتى حسبناها معيارًا للجودة. صرنا نقيس قيمة الأشياء بعدد المشاهدات لا بعمق الفائدة، وبعدد النجوم في زمن ليس به نجوم ومعروف بضاعتهم الرخيصه لا بصدق الرسالة.. في هذا المناخ يزدهر الرديء، ويتراجع الجيد، ويعلو صوت التافه، ويخفت صوت العاقل.
الهجوم هنا ليس دعوة لليأس، بل دعوة للاستيقاظ؛ دعوة للمشترك أن يسأل قبل أن يصدق، وأن يحاسب قبل أن يجدد، وأن يقارن قبل أن يختار. دعوة للمشاهد أن يغلق الشاشة حين تُقدم له إهانة مغلفة بالضحك، وأن يرفض أن يكون رقمًا في معادلة تفاهة مربحة. حينها فقط ستدرك الشركات أن اللعبة تغيرت، وأن الناس لم تعد تنخدع بسهولة، وأن الجودة الحقيقية هي الطريق الأقصر إلى الربح المستدام.

المال سيظل سيد هذا العصر
أما إذا بقينا على حالنا نصفق لـ (الإعلانات) ونلعن الخدمة، ونضحك على برامج الانحدار الاخلاقي ثم نشكو من تدني الذوق العام، فلا نلومن إلا أنفسنا.. المال سيظل سيد هذا العصر ما دمنا نحن من منحناه العرش، وما دمنا نبيع وقتنا واهتمامنا ووعينا بثمن أغنية عابرة أو مشهد مثير للجدل.
القضية في جوهرها ليست إعلان شركة اتصالات، ولا عودة ممثلة معتزلة، ولا برنامج مقالب موسمي؛ القضية في منظومة قيم اختلت، وفي وعي جمعي تراجع، وفي سوق يديره الطلب قبل العرض.. حين نرفع سقف توقعاتنا، ونصر على خدمة تليق بما ندفعه، سيتغير العرض تبعًا لذلك، وحين نقاطع الرداءة ستُجبر على التراجع، أما ما دمنا نكافئها بالمشاهدة والاشتراك والتفاعل، فستتمدد وتزداد جرأة.
كفى تصفيقًا للفراغ، وكفى انبهارًا بالبريق الزائف، وكفى قبولًا بخدمة لا توازي ما يُدفع فيها من أموال.. من حق المشترك أن يحصل على خدمة محترمة، ومن حقه أن يرى أمواله تنعكس جودة حقيقية لا إعلانات صاخبة، ومن حق المجتمع أن يرتقي بذوقه، فلا يجعل من التفاهة نجمة، ولا من الإهانة مادة للتسلية.
الهجوم الحاد ليس غاية في ذاته، بل صرخة في وجه سبات طويل؛ صرخة تقول إن المال ليس معيار القيمة الوحيد، وإن الشهرة لا تعني الاحترام، لأن معظم مشاهيرنا هدفهم الأسمي الجنيه والدولار والريال وأن الإعلان – مهما بلغ بريقه – لا يستطيع أن يخفي سوء الخدمة إلى الأبد.
قد ينجح في خداع البعض لبعض الوقت، لكنه لن يخدع الجميع كل الوقت إذا قرروا أن يفتحوا أعينهم، ويرفعوا أصواتهم، ويطالبوا بحقهم في خدمة تليق بكرامتهم وعقولهم قبل جيوبهم.. وينطبق هذا علي كل ما يمثل خدمه مباعه للمواطن .. ألا قد بلغت اللهم فاشهد.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع