
بقلم الكاتب الصحفي: محمد شمروخ
أظن أنه لن يبهرنا شيء في دراما مسلسلات رمضان، فما تقدمه لنا السوشيال ميديا من (دراما الواقع البشع) يمكن أن يغنينا عن الجلوس لساعات أمام شاشات التلفزيون، اكتفاءً بالعكوف على شاشات الموبايلات لتتبع ما يبث من مواقف حية من قلب الشارع المصري.
تظهر لنا في كل لحظة ما لا يقدر عليه فريق محترف من فرق الورش الدرامية ليخرجوا لنا ما يثير ويصدم ويستجلب مصمصة الشفاة الجافة أو إيغار الصدور الضيقة!.
ولو فكرت ملياً للحظات معدودات لوجدت أن ما ترصده كاميرات الموبايلات أو كاميرات المراقبة المثبتة في الشوارع والميادين والمبثوثة في كل ركن خاص أو عام، ستجد أنه ليس من شيء جديد وأن الكاميرات تظهر الآن ما كان مخفيا مجهولاً بالأمس، فصار مكشوفاً معلوماً اليوم من خلال (دراما الواقع البشع).
ولا داعى للادعاء بأننا انحدرنا إلى الدرك الأسفل بين يوم وليلة وكأننا أصابنا جنون داهم مجهول المصدر والهوية.
مع أن اختصار القصة، هو أن الجديد فقط هو انتشار الكاميرات ليس أكثر!
عندك مثلاً ما حدث في قرية (ميت عاصم) إحدى قرى مركز بنها بمحافظة القليوبية، بإجبار شاب على ارتداء بدلة رقص حريمي، عقاباً له من أهل فتاة على هروبها معه، فلم تكن واقعة إلباس رجل ملابس حريمي بالواقعة الأولى، فقد حدث مرتين على الأقل أن تم إجبار رجل على لبس (بيبي دول) في محافظتين آخريين منذ عدة سنوات.

أسطورة محمد رمضان
وغير خاف أيامها أن المشهد هو تطبيق واقعي لما فعله الممثل (محمد رمضان) في مسلسل (الأسطورة)، لكن مؤلف (الأسطورة) نفسه استقى المشهد من (واقع الدراما البشع)، ففي صميم الثقافة الشعبية احتقارٌ غير خفي للمرأة، ونحن نرى ونسمع ذلك كثيراً في حياتنا اليومية سواء في الجد أو في الهزل!
وأذكرك بالمشهد الشهير في فيلم (الأرض) فعندما تم القبض على (أبو سويلم) وعدد من الفلاحين قام العسكرى بوضع حذائه على عنق (دياب) بعد أن طرحه أرضًا وإمعانًا في إذلاله راح يصرخ فيه “قول أنا مرة”.
ولكن (دياب) كان يقاوم بكل ما أوي من قوة فهو لن يمتثل للأمر المهين ولو دفع حياته ثمناً لامتناعه عن تنفيذ أمر العسكري!
كذلك تم حلق شارب أبو سويلم نفسه كامتهان لركز الرجولة.
ولعلك سمعت التهديد الدائم في كل مشاجرة من طرف للآخر (هنلبسكم طرح).
وحدث بالفعل سواء في الواقع أو في الدراما أن يتم وضع طرحة على رأس الطرف المستضعف أو إلباسه ملابس نسائية قبل أن يطوفوا به في شوارع وطرقات البلد!
والحق أن من يفعل ذلك أو يفكر أو حتى يصمت عن فعل ذلك، لا يهين رجولة خصمه، بل يهين رجولته هو شخصياً وكل معانى الرجولة عامة على أثر هذا النوع من (واقع الدراما البشع).
لكن الذي كشف عنه حادث القرية الأخير يكشف بكل وضوح أن مجتمع القرية قد هوى إلى الحضيض وأن كلمة (أخلاق القرية) لا مكان لها إلا في أمنيات الرئيس الراحل أنور السادات التى كان يبثها في خطبه وأحاديثه.

معانى الرجولة الضائعة
وأكثر ما أثار حنقى الشخصى، ليس فقط اجتراء بضعة أشخاص على ارتكاب الواقعة ولا حتى سلبية أهل القرية حيال المشهد المخزى، لكنه الشاب نفسه باستسلامه المهين وامتثاله لتلك الفعلة النكراء التى لا يمكن أن يقوم بها من يعرفون أدنى معنى للرجولة.
فماذا أراد الشاب باستسلامه؟!
هل آثر الحياة على الكرامة؟!
أتراه يعرف كيف سيمشي على قدميه في طريق أُهينت فيه رحولته؟!
وماذا تعنى الحياة بالنسبة له بعد ذلك؟!
لقد جلب بسلبيته وجبنه وخذلانه العار لنفسه ولأهله، أما قريته فقد امتلأت عارًا منذ أن صمت الجميع حيال ما حدث!
لكن القرية يا سادة طوال تاريخها كانت مرتعاً للظلم والهوان في كل العصور، فلا كرامة للضعيف وتمارس ضده كل أنواع الظلم وأشكال القهر، فماله مباح وعرضه منتهك ما لم يحتمى باحد أقوياء القربة أو يرتضي بكل ما سيلاقي وليس له أن بشكو أو يئن كما كان من ذلك الشباب المخذول المتخاذل.
لقد كشفت كاميرات الموبايلات التى صورت (واقع الدراما البشع) في ميت عاصم من المخازى أكثر من مجرد وقائع جنائية يعاقب عليها القانون، كشفت الحقائق المخزية التى تدور في أعماق مجتمع القرية الذي مات ضميره وتعفن وتحلل وبات الفساد الخلقي ينخر العظام!