رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(ماغي تابيبي) و(ثروت شقرا).. المواجهة بين البندقية والكلمة!

(ماغي تابيبي) و(ثروت شقرا).. المواجهة بين البندقية والكلمة!
تتشابك الخطوط بين المهنية والمسؤولية الأخلاقية بشكل يفرض علينا، كقراء وشرائح مهتمة بالشأن الإعلامي
(ماغي تابيبي) و(ثروت شقرا).. المواجهة بين البندقية والكلمة!
أحمد الغريب

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب

في عصر تبدو فيه الصورة أقوى من الكلمة نفسها، تتشابك الخطوط بين المهنية الصحفية والمسؤولية الأخلاقية بشكل يفرض علينا، كقراء وممارسين وشرائح مهتمة بالشأن الإعلامي، أن نعيد طرح السؤال القديم الجديد: ما حدود عمل الصحفي؟ في ميدان يغدو فيه الإعلام سلاحًا، هل يصير الصحفي نفسه جزءًا من المعادلة القتالية؟

هذا سؤال يطفو على سطح النقاش بعد أن أثارت صورة مذيعة القناة 14 الإسرائيلية، (ماغي تابيبي)، وهي تحمل سلاحًا من نوع (إم-16) داخل مقر القناة، جدلاً واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي وبين المهتمين بالعمل الصحفي والإعلامي.

وهنا يكمن جوهر النقاش: ليس فقط في ما تمثّله الصورة بذاتها، بل في الدلالات التي تنبثق عنها عندما تقف مقابل نموذج آخر، مثل الصحفية (ثروت شقرا)، التي تمثل وجهًا آخر للعمل الصحفي في مساحات النزاع، حيث تلتقط الحقيقة من قلب الميدان ومن داخل أراضي الضفة الغربية المحتلة حيث قطعان المستوطنين اليهود وجنود الإحتلال، ولكن بعيدًا -أو بمحاولة الابتعاد -عن أدوات القتال.

(ماغي تابيبي) و(ثروت شقرا).. المواجهة بين البندقية والكلمة!
ما يُعتبر عملًا مهنيًا عند طرف، قد يُعتبر خروجًا صارخًا عن المهنية عند طرف آخر

الصورة: سلاح بين يدي الإعلام؟

لقد كان لظهور (ماغي تابيبي) وهي تحمل بندقية داخل مقر تلفزيوني وقعٌ صادم، ليس فقط لأنه تراجع عن ما نعتبره المألوف في عمل الصحفيين، بل لأنه يطرح سؤالًا جوهريًا حول أدوار الإعلام ودلالاته في سياق النزاعات المسلحة.. الصورة التي تداولتها منصات كثيرة تُظهر المذيعة وقد أمسكت ببندقية إم-16، وهو مشهد يُفترض أنه أقرب إلى غرفة عمليات عسكرية منه إلى استديو إعلامي.

ردود الفعل لم تقتصر على الاستغراب أو السخرية، بل تجاوزتها إلى تساؤلات أعمق حول ازدواجية المعايير في التعامل مع الإعلام: ففي الوقت الذي يستهدف فيه الصحفي الفلسطيني بمجرد حمله الكاميرا أو محاولة توثيق الحقيقة، يُسمح = كما يرى البعض – للمذيعة في قناة إسرائيلية (ماغي تابيبي) أن تظهر بمظهر تبدو فيه الصحافة قريبًا من العمل العسكري.

هذا النقاش يعكس عنصراً مركزيًا في المشهد الإعلامي الراهن: التحول في مفهوم حرية الصحافة. فالبعض يرى أن ما يُعتبر عملًا مهنيًا عند طرف، قد يُعتبر خروجًا صارخًا عن المهنية عند طرف آخر، خصوصًا عندما تلتقي الصورة بسياق سياسي وأمني حساس.

(ماغي تابيبي) و(ثروت شقرا).. المواجهة بين البندقية والكلمة!
الصحفي يجب أن يكون محايدًا، يبتعد عن التأييد الصريح لأي طرف مسلح أو سياسي

معايير المهنية: أخلاق أم اهتمامات؟

من وجهة نظر مهنية بحتة، هناك مجموعة من المبادئ المتفق عليها دوليًا بين المنظمات الصحفية والمؤسسات الإعلامية، أهمها:

الحياد والنزاهة: الصحفي يجب أن يكون محايدًا، يبتعد عن التأييد الصريح لأي طرف مسلح أو سياسي، وأن ينقل الأخبار دون تحيز ظاهر.

الانفصال عن القوة: حمل السلاح أو الظهور به في سياق مهني يُربك التعريف التقليدي للصحافة كوظيفة تهدف إلى نقل الحقيقة وليس المشاركة في العمل العسكري أو الدعائي.

السلامة المهنية: احترام القوانين والضوابط التي تنظم عمل الصحفيين تفرض أيضًا مستوى من الاحترام لمكانة الصحافة كمؤسسة ثقافية واجتماعية، لا كمتفرّع لقوة عسكرية.

عندما تظهر مذيعة في قناة إعلامية (ماغي تابيبي) وهى تحمل بندقية في مقر العمل، فإن السؤال الأخلاقي لا يكون فقط حول الصورة، بل حول الرسالة التي قد تنقلها: هل هو تقرير عن واقع حرب؟ أم هو تعزيز لفكرة أن الصحفيين جزء من منظومة القوة أكثر من كونهم ناقلين للخبر؟

النقاد الذين تناولوا الصورة رأوا أن هذا الفعل يهدد التمييز الواضح بين العمل الصحفي والعمل العسكري، وهو ما يُعد من أهم أسس المهنية الإعلامية.. ذلك لأن العلاقة بين الصورة والمضمون ليست علاقة سطحية فقط؛ بل هي علاقة تحمل دلالات ثقافية وسياسية عميقة.

(ماغي تابيبي) و(ثروت شقرا).. المواجهة بين البندقية والكلمة!
تأتي الصحفية (ثروت شقرا) بقناة الجزيرة كمثال عملي على الوجه الآخر للإعلام الميداني

ثروت شقرا: صوت الميدان وإنسانيته

في المقابل، تأتي الصحفية (ثروت شقرا) بقناة الجزيرة كمثال عملي على الوجه الآخر للإعلام الميداني. (شقرا) التي تعمل مراسلة ميدانية – وظهرت في تغطيات عدة تقارير وهي ترصد الأحداث على الأرض، مثل حالات الاقتحام والتضييق على الصحفيين – تبدو في صورها وتقاريرها كمن يواجه الحقيقة دون أن يكون جزءًا من آلة القوة نفسها.

شقرا، كمراسلة تُغطّي الأحداث في فلسطين، غالبًا ما تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال، ولا سيما حين تحاول توثيق الاقتحامات أو الاعتداءات، وتواجه التضييق بشكل يومي. إحدى واقعاتها الأخيرة كانت حين منعتها قوات الاحتلال من تغطية اقتحام في شمال القدس المحتلة، وطُلب منها مغادرة المكان بالقوة، رغم أنها كانت تعمل في موقع الحدث نقلًا للصورة الحقيقية.

هنا يظهر الفرق الصارخ بين أن يكون الصحفي منقلًا للخبر من قلب الحدث وبين أن يكون جزءًا من صورة يمكن تفسيرها كسلاح في يد الإعلام، كما حدث في الصورة المثيرة للجدل تصوير (شقرا) في الميدان، مع كل مخاطره، يستند إلى مجموعة من المبادئ المهنية التي تجعل الصحافة أداة للمعرفة والتحقيق، لا أداة للانخراط في الصراع بصفته جزءًا من القتال نفسه.

(ماغي تابيبي) و(ثروت شقرا).. المواجهة بين البندقية والكلمة!
هل يتحوّل الإعلام إلى ساحة من ساحات الصراع؟ أم يظل – كما كان وما يجب أن يكون – مرآةً تنقل الحقيقة بشفافية

الصورة ليست مجرد صورة

الصورة التي أثارت جدل (ماغي تابيبي) ليست حادثة عابرة في سياق ما يحدث في الإعلام اليوم، بل هي محطة تحليلية يجب أن تدفعنا لإعادة التفكير في مفاهيم المهنية، الحرية، والأخلاق الإعلامية. إن الجدل الذي أثارته تلك الصورة – عبر ما اعتبره البعض ازدواجية في المعايير بين الإعلام الإسرائيلي والفلسطيني – يضعنا أمام حقيقة مفادها أن الإعلام ليس مجرد نقل خبر، بل هو أيضًا عناصر ثقافية وسياسية تحمل رموزًا تتجاوز الكلمات نفسها.

من جهة أخرى، يعمل صحفيون مثل (ثروت شقرا) في الميدان، في ظروف صعبة وخطرة، دون أن يستخدموا أي من أدوات القوة، مصدّرين نموذجًا آخر من الاحتراف الصحفي الذي يركّز على نقل الحقيقة مهما كانت صعبة، وليس على إنتاج صور يمكن أن تُقرأ كتصريحات سياسية أو عسكرية.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكبر: هل يتحوّل الإعلام إلى ساحة من ساحات الصراع؟ أم يظل – كما كان وما يجب أن يكون – مرآةً تنقل الحقيقة بشفافية، وتحترم حدود المهنية والأخلاق؟ ربما تكون صورة (ماغي تابيبي)، مجرد بداية لطرح هذا السؤال، لا نهايته.. وللحديث بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.