

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
خطر لي بمناسبة حلول شهر رمضان بما سوف يتضمنه من مسلسلات وأعمال درامية عربية ومصرية، تمجد البلطجة والسلوكيات المنحرفة، وتبتعد عن كل ما يمس حياة الناس وانحرافات السلطة، أن اكتب عن المسلسل البريطاني (على طريقة المقبرة) أو (Down Cemetery Road).
المسلسل يكرس حالة درامية غير تقليدية بالنسبة للمشاهدين في دول العالم الثالث رغم أنه بات نمطا مألوفا في الدراما البريطانية في السنوات الأخيرة، حيث قدمت العديد من الأعمال التي تنتقد مؤسسات أمنية مهمة هناك مثل جهاز الأمن الداخلي MI5 ووزارة الدفاع التي يتناولها هذا المسلسل تحديدا بالنقد.
ربما هناك سؤالا يطرح نفسه خلال مشاهدة المسلسل عن سبب ازدهار نقد المؤسسات الاستخباراتية البريطانية في الدراما خصوصا في السنوات الأخيرة، حيث يعد (على طريق المقبرة) مجرد حلقة من سلسلة ممتدة لأعمال مشابهة أنتجت في السنوات الاخيرة، كلها تعالج التوتر العميق بين الدولة وأفرادها، وتقدم نقدا حادا لأداء المؤسسات الامنية دون ان تفقد احترامها لفكرة الدولة.

التصرف بشكل غير أخلاقي
لعل الإجابة تكمن في قناعة البريطانيين بأن الأعمال الفنية من حقها أن تضع السلطة تحت الضوء، وان قدرتها على مساءلة المؤسسات ليست خيانة بقدر ما هي ضرورة لتقوية النظام نفسه، تحت شعار يرفعه البريطانيون ويتفاخرون به يقول أن (المؤسسات قوية لأنها تنتقد، لا لأنها محصنة من الانتقاد).
مسلسل (على طريقة المقبرة) مأخوذ عن قصة للكاتب البريطاني (ميك هيرون) الذي اكتسب شهرة شعبية واسعة بعد قصته (Slow Horses) التي انتقدت بقسوة جهاز الأمن الداخلي البريطاني MI5.
وأظهرته كجهاز بيروقراطي مليء بالصراعات، يخطئ باستمرار ما يدفع المسؤولين عنه للتصرف بشكل غير أخلاقي أحياناً، وبرر هيرون قصته بأن الهدف ليس مهاجمة MI5، بل كشف كيف تتصرف المؤسسات عندما تصبح مصالحها فوق الصالح العام.
يبدأ مسلسل (على طريق المقبرة) بانفجار في أحد المنازل في حي بسيط يسكن فيه أبناء الطبقة المتوسطة وما دونها في منطقة أكسفورد في لندن، يحمل نفس اسم المسلسل (Down Cemetery Road)، حيث تعيش (سارة) التي تجسد دورها الممثلة البريطانية روث ويلسون.
تعرض سارة توصيل رسمة رسمها ابن جارتها الطفل يبدي فيها تعاطفه مع زميلته في المدرسة التي اصيبت في الانفجار وفقدت والديها، لكنها عندما تمر بالمستشفى لزيارة الطفلة وإعطائها الرسم، تلاحظ سلوكا غير اعتيادي، وإنكار من الاطباء لوجود الطفلة، مما يثير فضولها لاكتشاف ما يحدث.
تستعين سارة بمخبر خاص لمساعدتها في اكتشاف ما حدث للطفلة والعثور عليها، لكنه يتعرض للقتل بعدما بدأ يتوصل الى خيوط مبدئية تقود الى اكتشاف حقيقة حادث التفجير، وبعد مقتله تتولى زوجته (زوي) التي تؤدي دورها النجمة الكبيرة أسما وسنا (إيما ثومبسون) متابعة التحقيق في القصة، ما يقربها من سارة.

التكهن بالإشارات الخفية
تكشف الأحداث أن الانفجار دبره اشخاص يعملون في وزارة الدفاع البريطانية للتخلص من محاربين قديمين في افغانستان، وان هدف التفجير رغبة كبار مسؤولي الوزارة في إخفاء فضيحة تورطوا فيها خلال الحرب، بموافقتهم على تجربة نوع من الاسلحة الكيميائية ضد الأفغان، لكنها بالصدفة أثرت على بعض الجنود البريطانيين عندما تم استخدامها لتخليصهم من كمين نصبه لهم الأفغان.
من التفاصيل التي تستحق التوقف في مسلسل (على طريقة المقبرة) ، شخصية (حمزة) الموظف المكلف بالتخلص من كل الأدلة على الفضيحة، حيث يصعب التكهن بالإشارات الخفية من وجود موظف مسلم من أصل آسيوي في السياق الدرامي، خاصة أن المسلسل يقدمه في صورة شخص تافه عديم الضمير والاخلاق، لا يتورع عن الأمر بقتل الكبار والأطفال للتغطية على فضائحه.
هل الهدف هو الإيحاء بأن مصائب الأجهزة السيادية في بريطانيا تحدث بسبب الاستعانة بأشخاص ذوي اصول اجنبية (دونية) لم يتربوا على القيم البريطانية المزعومة؟! أم أن الهدف هو إبراء ذمة الغربيين من الكوارث التي تتعرض لها دول العالم الثالث، وان ما يحدث لتلك الدول “منهم فيهم” يتسبب فيها ابناؤها الذين هاجروا إلى الغرب؟!
نهاية (على طريقة المقبرة) تؤكد حقيقة مهمة سعى طاقم العمل لتكريسها لدى المشاهدين، أن محاربة الفساد ليست مسؤولية الهيئات او الدولة فقط، وإنما مسؤولية كل مواطن مثلما فعلت سارة وهي مواطنة بريطانية عادية تعمل مرممة لوحات فنية في معرض فني، وتعيش في منزل بسيط في حي أكثر بساطة.