
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
الصييت في اللغة
جاء في مختار الصحاح للرازي: (ص و ت) – ( الصَّوْتُ) معروف و(صاتَ) الشيء من باب قال و(صَوَّتَ) أيضا (تَصوِيتا) و(الصَّائِتُ) الصائح.. ورجل (صَيّتٌ) بتشديد الياء وكسرها و(صَاتٌ) أيضا أي شديد الصوت.. و(الصييت) بالكسر الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس دون القبيح يقال: ذهب صيته في الناس. وربما قالوا انتشر (صَوْتُه) في الناس بمعنى صيته، كما يتم توظيفه في (المسرح الشعبي).
وعند احمد مختار عمر في معجم اللغة العربية المعاصرة ، أن (صَوْت مفرد): ج أصْوات (لغير المصدر): 1 مصدر صاتَ.. 2 كُلُّ ما يُسمع، وكلّ نوع من الغناء (رفعت النِّساءُ أصواتهن بالزَّغاريد).
من المعنى اللغوي للكلمة نجد أنها دالة على شخص قوي الصوت، أو ذو صوت جميل، كما أنها دالة على الذكر الجميل الذي ينتشر بين الناس ومنها القصص، ودالة أيضا على كل ما يروى و يغنى ويحدث بهجة في النفوس، ومن الدلالات السابقة نلاحظ أن للكلمة مفهوم يشير إلى عرض يجمع بين فنان وجمهور في مكان محدد.
ويطلق على هذا الفنان لقب الصييت، وهو مميز بقدرات فنية أدائية، لها قيمة جمالية تأثيرية على جمهوره، ومن هذا المفهوم نتعرض لماهية الصييت.

ماهية الصييت
يُعد القَصَص من أهم الفنون التي لها تأثير في النفس البشرية، وقد عرفته معظم الشعوب ومازالت تمارسه حتى عصرنا الحالي، ولقد أشار ابن الجوزي لهذا الفن بقوله: (إن لهذا الفن ثلاثة أسماء: قصص، وتذكير، ووعظ. فيقال: قاص، ومذكر، وواعظ).
ويوضح ابن الجوزي الفرق بين الأسماء الثلاثة (فالقاص هو: الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها وذلك القصص.. وهذا في الغالب عبارة عمن يروي أخبار الماضين من خلال (المسرح الشعبي).. وأما التذكير فهو: تعريف الخلق بنعم الله – عز وجل – وحثهم على شكره وتحذيرهم من مخالفته.
وأما الوعظ، فهو: تخويف يرق له القلب وهذان محمودان. وقد صار كثير من الناس يطلقون اسم القاص على الواعظ، وعلى القاص اسم المذكر والتحقيق ما ذكرنا، وهذا القول دال على وجود هذا الفن منذ القدم داخل الحياة العامة للناس.
وفي مصر يذكر المقريزي عن الليث بن سعد: (أن القصص قصصان: قصص العامة، وقصص الخاصة، فأما قصص العامة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس للقاص في (المسرح الشعبي)، يعظهم ويذكرهم قال: (وذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه).
وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، إذ ولي رجلا على القصص، فكان إذا سَلَّم من صلاة الصبح جلس وذكر الله عز وجل وحمده وصلي على النبي – صلي الله عليه وسلم – ودعا للخليفة ولأهل ولايته ولحشمه وجنده، ودعا على أهل خربه والمشركين.
ويقال: أن أول من قص بمصر (سليمان بن عتر النجيبي) في سنة ثمان وثلاثين وجُمِعَ له القضاء والقص ثم عُزِل عن القضاء، ومما ذكره المقريزي نستشف أن القصص كان نوعان، الأول: خاص تسمح به الدولة، ومن يقوم بالقص شخص قد عينته الدولة لهذا الغرض، والثاني: قصص خاص بالعامة، والذي يقصص عليهم شخص منهم لم يكن معين من قبل الدولة.
ويوضح ابن الجوزي الطرق التي كان يؤدي بها القصص في زمانه وهو ينقدها بقوله: (ومن ذلك: من يُظهِر من التواجد والخشوع زيادة على ما في قلبه، وكثرة الجمع توجب العمل، فتسمح النفس بفضل البكاء والخشوع، فمن كان منهم كاذبا فقد خسر الآخرة، ومن كان صادقا لم يسلم صدقه من رياء يخالطه).
وهنا يتحدث ابن الجوزي عن الأداء لهذا القصص، والطريقة التمثيلية التي يتبعها القصاص في أدائه كي يؤثر في المُشاهِدين من خلال (المسرح الشعبي).
ويشير ابن الجوزي إلى نوع آخر من القصاصين وهم الذين يستخدمون الألحان في قصصهم، ويكون أداؤهم في غاية التأثير على الجمهور، ونلحظ هذا في قوله: ومنهم: (من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان، والألحان التي أخرجوها اليوم مشابهة للغناء، فهي للتحريم أقرب منها إلى الكراهة..

تحريك الطباع وتهييج النفوس
والقارئ يطرب، والقاص ينشد الغزل، مع تصفيق بيديه وإيقاع برجليه، فتشبه السكر، ويوجب ذلك تحريك الطباع وتهييج النفوس وصياح الرجال والنساء وتمزيق الثياب لما في النفوس من دفائن الهوى، ثم يخرجون فيقولون: كان المجلس طيبا، ويشيرون بالطيبة إلى ما لا يجوز).
ونفهم من هذا حدوث تطوير في هذا الفن؛ حيث استخدم القصاصون الألحان الموسيقية أثناء روايتهم للقصص في (المسرح الشعبي)، مما يضفي تأثيراً أكبر على الجمهور، ولم يقتصر جمهور هذا الفن على الرجال فقط بل كانت النساء من ضمن جماهير هذا الفن.
وقد أشار ابن الجوزي إلى هذا بقوله: (ومن القصاص من يخلط في مجلسه الرجال والنساء، وتري النساء يكثرن الصياح وجدا على زعمهن؛ فلا ينكر ذلك عليهن جمعا للقلوب عليه).
والذي نفهمه من ذلك أن القصاص يقدم عروضه أمام جمهور يشمل النساء والرجال، وأن الأداء الذي يقوم به ذو تأثير كبير على الحاضرين، ويجعلهم يعيشون حالات مختلفة، ويعبرون عن تلك الحالات التي يعيشونها من خلال أدائه بالصياح كما وصفها ابن الجوزي.