
بقلم: رسمى فتح الله
في لحظة خاطفة، مع (أم كلثوم).. لحظة تلاقي نظرتين، لا يبدأ الحب فقط، بل يتشكّل عالم كامل من المشاعر.
هناك، في صمت الليل وعلى مسرح حديقة الأزبكية عام 1946، لم تبدأ أغنية (الآهات) بكلمات، بل بآه واحدة، ثم تتوالى الآهات حتى تصنع حكاية كاملة.
ستٌّ وستون آه – وربما أكثر – ليست مجرد تنهدات متشابهة، بل حالات شعورية متبدلة: دهشة، وله، خوف، فرح.. (بيرم التونسي) ينسج النص كأنّه خريطة للقلب، مليئة بالحنين والدهشة والأسئلة، بينما يمنح (زكريا أحمد) هذه الكلمات جسدها الموسيقي، لحنًا يتنفس ويتألم ويفرح مع كل انتقالة.
ثم تأتي (أم كلثوم).. لا لتغنّي الآهات، بل لتحياها.
تجعل (أم كلثوم) من كل آهة لحظة قائمة بذاتها، وتحوّل المستمع من متلقٍ إلى شاهد، ومن شاهد إلى شريك؛ كأنّه يقف معها وسط الطبيعة، يسمع الطير، يرى الزهر، ويصغى لقلبٍ يبوح أكثر مما يقول.
هنا، لا تعود الأغنية مجرد عمل غنائي، بل تتحول إلى قصة مكتملة، تُروى بالآهات، وتُحفظ في الوجدان.

أول لقاء: دهشة القلب
(آهِ من لقاك في أول يوم
ونظرتك لي بعنيك)
نظرة واحدة تغيّر كل شيء.. العينان تتحدثان قبل الشفاه، والدهشة تسبق الفهم، فيخاصم النوم القلب:
(خاصم عيوني ليلتها النوم
وبت أسأل روحي عليك
يا هل ترى راح يعطف على فؤاد متلهف
تقول لي روحي آه)
كل آهة هنا تمثل ارتباك اللحظة الأولى، دهشة اللقاء، وارتعاشة القلب أمام المجهول.
كلمات (بيرم التونسي) تفتح مساحات داخلية للأسئلة، ولحن (زكريا أحمد) يحرّك هذه المساحات برفق، بينما يمنح صوت أم كلثوم اللحظة كثافتها الإنسانية، فتبدو حقيقية وملموسة.

القلب والعقل: حوار داخلي
الحب أحيانًا صامت، لكن الصراع داخلي لا يهدأ.. لقلب يندفع، والعقل يتريث:
(وأقول لقلبي يا قلبي
حَبّة يعادل حِبّي
يقولي قلبي آه)
……………………
(وأرجع وأسأل عقلي
هوّه الزمان هيروق لي
يقولي عقلي آه
العقل يا ربي ضايع ومتبدد
والقلب في جنبي يسكت ويتنهّد)
كل آهة هنا ليست مجرد فاصلة لحنية، بل إجابة ناقصة، أو سؤال بلا يقين.
الأداء الصوتي لـ (أم كلثوم) يجعل الحوار الداخلي مسموعًا، ويحوّل الصراع النفسي إلى مشهد حي يشعر به المستمع كأنه جزء منه.
العشق: لحظة الفرح المشترك
تميل الأغنية إلى الضوء، ويظهر الفيض العاطفي حين يلتقي القلبان:
(واه لما بلغت آمالي وفرحت بك
والجو صفالي
ومليت كاساتك وسقيتها لي
آشرب بإيدي كاس يرويني
واشرب بإيدك كاس يكويني)
……………………
(بات السرور كله بيني وبينك متقسم
والزهر ويانا ينظر لنا ويتبسم
والطير يغني لي والموج يقول وياه)
الطبيعة هنا ليست خلفية، بل شريكًا كاملًا في المشهد، كما اعتاد (بيرم التونسي) في كثير من أعماله.
الزهر، والطير، والموج، كلها تعكس حالة العاشق و كل آهة تصبح احتفالًا، واللحن يلمس الفرح دون ابتذال، بينما يرفع أداء أم كلثوم المشهد إلى ما يشبه السينما الصوتية.

الانكسار: حين يختفي الحبيب
لكن الفرح هشّ، وسرعان ما يفسح المجال للغياب:
(واه لما منعت ودادك
والإنس ده اتبدل ببعادك
غالطت حسادي وحسادك
أصبر وأتظاهر بالأنس والبهجة
والصبر في الظاهر
والمر في المهجة)
……………………
(تعالى شوف الطير أهو نام
من قبل وقت النوم في ظلام
واتبدل الزهر البسّام
لا عطر ينعش ولا أنغام)
الطبيعة التي شاركت الفرح تنكسر مع الغياب.
الطير ينام، والزهر يفقد عطره.. كل آهة هنا موجعة، وصوت (أم كلثوم) يجعل الفقد محسوسًا، لا يُسمع فقط، بل يُرى ويُعاش.

الحقيقة النهائية: الحبيب هو كل شيء
تصل الأغنية إلى جوهرها العاطفي:
(ده الإنس كان إنت
والانسجام إنت
والزهر كان إنت
والابتسام إنت)
الحبيب لم يكن جزءًا من العالم، بل كان العالم كله.. ومع الغياب، ينهار المعنى:
(ما أحسبش ده كله في يوم يضيع مني
وأجري ورا ظله اللي ابتعد عني
ما تقول لي فين إنت)
يتحوّل الغناء إلى حديث داخلي، مزيج من حنين واستسلام، حيث تلتقي كلمات (بيرم) مع لحن زكريا أحمد في ذروة إنسانية، ويبلغ صوت (أم كلثوم) أقصى طاقته التعبيرية.

لحظات شعورية متكاملة
ستٌّ وستون آه ليست تكرارًا صوتيًا، بل بناء شعوري متكامل.
كل آه تحمل معنى مختلفًا، وكل انتقالة لحنية تُبرز حالة جديدة.. ضربة الوتر عند زكريا أحمد، وكلمة بيرم الدقيقة، وآه أم كلثوم، كلها تتضافر لتجعل المستمع جزءًا من الحكاية.
في النهاية، تبقى (الآهات) صدى للحياة نفسها: للحب، للفرح، للفقد، وللتسليم بما لا نستطيع تغييره.. ليست مجرد أغنية تُسمع، بل تجربة تُعاش؛ حيث تتشابك العاطفة مع اللحن، ويصنع صوت أم كلثوم المشهد كاملًا، حتى تصبح كل آه نافذة على قلب يئن، يفرح، يحن، ويستسلم في صمت.. آه .