رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: (الملكية الفكرية) تبقى خالتك!

بهاء الدين يوسف يكتب: (الملكية الفكرية) تبقى خالتك!
كل ما لديك من أفكار ومقترحات وبراندات حق مستباح لأي فهلوي

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

في مصر يمكن أن نقول ببساطة ويقين لا يتزعزع أن حقوق المؤلف، أو قوانين الملكية الفكرية فريضة غائبة عن ثقافة المجتمع المصري الذي لا يعرف عن (الملكية الفكرية) سوى أنها خالتك، كل ما لديك من أفكار ومقترحات وبراندات حق مستباح لأي فهلوي، يستطيع أن يسرقه منك ويعرضه أمام عينك، دون أن تملك الحق، ليس في المطالبة بحقك الأدبي لا سمح الله، ولكن حتى حقك في الاعتراض على ما يفعله. 

وإذا أمرتك نفسك بالسوء لتطلق العنان لها في المطالبة بحق الـ (Copyrights) فعليك أن تعرف أنك بهذا تعرض نفسك لحملات من التنمر والسخرية، ليس فقط من المعتدين على حقوقك وأصدقائهم باعتبارهم أصحاب مصلحة في تدمير معنوياتك، ولكن في كثير من الأحيان ينضم لحملات التنمر نسبة غير قليلة من الأشخاص العاديين الذين يتصادف مرورهم بجوار المشكلة.

وفي أحيان أخرى يشارك فى التريقة عليك بعض الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم لمساعدة أصحاب الحقوق في الحفاظ عليها!

باختصار فإن حقوق الملكية الفكرية ليست ضمن أولويات الحكومات العربية، إلا من رحم ربك واعني هنا بعض دول الخليج، وكلما اتجهت شرقا زادت المساحات المتاحة للفهلوية وسارقي الأفكار، وتقلصت مساحة الإبداع الفعلي والحقيقي، فلا تكاد توجد رقابة على انتهاكات حقوق النشر، ويمكن بسهولة تداول أي محتوى دون مساءلة، في معظم الدول العربية حتى لو لديها قوانين تمنع ذلك.

بهاء الدين يوسف يكتب: (الملكية الفكرية) تبقى خالتك!
بلغت الاستهانة بحقوق المؤلف في بعض الدول حدا جعلها مادة للتندر

الاستهانة بحقوق المؤلف

بلغت الاستهانة بحقوق المؤلف في بعض الدول حدا جعلها مادة للتندر، ففي الجزائر مثلا تنتشر مقولة بين القراصنة تقول (اقتل المؤلف ينتهي الحق)، أما في سوريا فلا يخجل القراصنة من وضع الجملة الشهيرة (يحظر نسخ هذا الكتاب تحت طائلة المسؤولية) في صدر الكتب المنسوخة أصلا، عملا بمبدأ (السرقة حلال إذا قمت بها أنا، وحرام إذا قام بها غيري)

أتذكر أنني ذهبت قبل سنوات لتسجيل حق (الملكية الفكرية) لبرنامج مسابقات تليفزيوني مبتكر، ورغم انني ذهبت الى هناك محصنا باتصالات توصية من أصدقاء يعرفون وكيلة الوزارة المسؤولة عن إدارة (الملكية الفكرية)، ورغم أن السيدة نفسها أوصت موظفيها بي خيرا، إلا أن كل ذلك لم يكن كافيا لإقناع الموظف بـ (حقي) في حفظ (حقي!).

فعندما ذهبت الى الرجل المفترض أنه مدير ادارة (الملكية الفكرية)، وطلبت منه بكل أدب تسجيل البرنامج باسمي حفاظا على حقوقي الأدبية، باغتني الرجل بسؤال أمكنني أن ألمح فيه كمية غير قليلة من التهكم، كانت كفيلة باخراجي من نشوة التوصية التي ذهبت بها إليه، ما الذي يتميز به هذا البرنامج؟!

حاولت التجاوز عن تهكمه المبطن وبدأت أشرح له محتوى البرنامج وتفرده حيث لم يسبق تقديم شيء مشابه له سواء في مصر أو خارجها، لكنه عاد ليسأل مستعينا بميراث يفوق المائتي عام من الروتين والبيروقراطية الحكومية المصرية، طيب ما شوبير ومدحت شلبي بيقدموا برامج شبهه، وغيرهم وغيرهم.

تجمدت للحظات وأنا افكر هل يجب أن أرد على سؤال الموظف أم اقفز مباشرة للنهاية المحتومة وهى الانفعال عليه وعلى غبائه، فهو حتى لم يعط نفسه فرصة لسماع محتوى البرنامج، ولم يحترم حتى الواسطة التي دفعتني للجلوس أمامه، ولم يكتف بأداء وظيفته الروتينية بتسجيل طلبي وتحصيل الرسوم المطلوبة، حتى لو لعنني بعد رحيلي.

رددت عليه بلهجة تعمدت أن تظهر فيها الصلافة، بأنه مجرد موظف دوره أن ينجز للناس ما يريدونه منه أن ينجزه في حدود وظيفته، وأنني لم آت إليه لاطلب رأيه او تقييمه للبرنامج، ويبدو أن صلافتي المصطنعة أيقظت شبح الغرور بداخلي فوجدت نفسي اذهب بعيدا في التقليل منه.

بهاء الدين يوسف يكتب: (الملكية الفكرية) تبقى خالتك!
من حق اللصوص والمعتدين على حقوق (الملكية الفكرية)، أن ينعموا بسرقاتهم في (جنة القراصنة)

في (جنة القراصنة)

وقلت له مهاجما، إذا كان هذا موقف الإدارة المنوط بها مساعدة أصحاب الأفكار والمؤلفين على حفظ حقوقهم، فمن حق اللصوص والمعتدين على حقوق (الملكية الفكرية)، أن ينعموا بسرقاتهم في (جنة القراصنة) التي تديرونها.

بدأ الموظف يتمتم بكلمات مبهمة بصوت خفيض، على طريقة العالم الفلكي الإيطالي القديم (جاليليو) الذي كان من أوائل من اكتشفوا أن الأرض كروية تدور حول نفسها، فحين قدمته الكنيسة للمحاكمة بتهمة الهرطقة، بعدما قال أن الشمس هى مركز الكون والأرض تدور حولها، ونتيجة الضغط العنيف عليه تراجع عن كلامه علنا، لكن ظل يتمتم في جلسة المحاكمة بصوت خفيض، ولكنها تدور. 

من حسن الحظ أنني لم أكن أملك سلطة ولا قسوة محاكم التفتيش الأوروبية، فغادرت مكتبه غاضبا دون أن أتمكن من تسجيل حقي الفكري الذي جئت من أجله، وأدركت وقتها أن العشم في حماية الفكرة مثل السؤال الذي لغير الله.. كلاهما مذلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.