هل كانت (شادية) محقة في رفض غناء أغنية (ألف ليلة وليلة) لبليغ حمدي قبل (أم كلثوم)؟!

كتب: أحمد السماحي
تمر هذه الأيام ذكرى رحيل المعجزة الخارقة (أم كلثوم) الـ 51، التى شغلت الدنيا في حياتها، وبعد مماتها، خاصة العام الماضي، بعد عرض فيلم (الست)، ومسرحية (دايبيين في صوت الست).
(أم كلثوم) هذه البنت الفلاحة التى خرجت منذ مائة عام من قرية (طماي الزهايرة) لتسكن القاهرة، شغلت العالم العربي كله منذ بداية العشرينات، وحتى الآن، لتصبح في النهاية قدسا من الأقداس التى اتفق عليها العرب، ولم يختلفوا حولها أبدا.
في مشوارها الفني تعاونت (أم كلثوم) مع عدد محدود من الملحنيين، كان من أبرزهم الموسيقار العبقري (بليغ حمدي)، ومنذ اللحظة الأولى التى قابلت (ثومه)، (بلبل) آمنت بموهبته، وكانت ترعاه وتخشى عليه، وتغار عليه من علاقاته العاطفية المتعددة خوفا أن يهدرأو يضيع موهبته خلال هذه العلاقات.
وخلال رحلة التعاون بين (بليغ حمدي) و(أم كلثوم) التى استمرت منذ عام 1959، وحتى عام 1975، قدما هذا الثنائي الأسطوري 11 أغنية، كل أغنية (حدوتة)، وكل لحن (حكاية)، كان أول هذه الأغنيات (حب إيه؟!) وآخرهم (حكم علينا الهوى).


حكاية ألف ليلة وليلة
من أجمل الألحان التى وضعها (بلبل) لـ (ثومه) لحن أغنية (ألف ليلة وليلة) كلمات الشاعر المبدع (مرسي جميل عزيز)، هذه الأغنية الخالدة التى ملأت الدنيا منذ غنائها، وحتى الآن.
وأصبحت أيقونة في كل الحفلات التى شاهدناها في السنوات الماضية، كتبت ولحنت في البداية لـ (شادية)! بتقولوا ايه يا ولاد؟ لمين؟! لشادية، لكنها…؟
ولا أقولكم تعالوا بنا نرجع إلى عام 1968 لنعرف من (بليغ حمدي) تفاصيل سر رفض (شادية) غناء (ألف ليلة وليلة).
قال بليغ حمدي: أن شادية طلبت منه منذ فترة طويلة أن يبحث لها عن كلمات بعض الأغاني لتسجلها على أسطوانات لحساب إحدى شركات التسجيل في القاهرة.
وفي هذه الفترة صادف أن إلتقى بصديقه الشاعر (مرسي جميل عزيز) فطلب منه تأليف عدد من الأغاني لـ (شادية)، فأسمعه الشاعر الكبير مطلع أغنية (ألف ليلة وليلة)، وشرح له الفكرة التى يعالج فيها الأغنية.
ثم اتفقا على أنها فكرة لطيفة، وأن مطلع هذه الأغنية يتفق مع طابع (شادية) في أغانيها الخفيفة، وذهب (بليغ حمدي) مع صديقه الشاعر إلى فندق (عمر الخيام)، وتناولا طعام الغداء، وما كاد (بليغ) ينتهي من تناول الطعام، حتى جلس يدندن كلمة (يا حبيبي).
فهلل (مرسي جميل عزيز) للموسيقى التى لحن بها (بليغ) هذه الكلمة، وقال لـ (بليغ) أن (شادية) لو غنتها بهذه الطريقة، فسوف تثير ضجة، وسوف تجري هذه الأغنية على ألسنة الناس فور إذاعتها.
وفي النهاية تواعدا على اللقاء بعد أسبوعين، وعاد (مرسي جميل عزيز) إلى بلدته (الزقازيق) لإستئناف نشاطه التجاري، وكان يتابع وضع كلام الأغنية إلى أن انتهى منها خلال أسبوع.
فعاد إلى القاهرة ليقرأ الكلام لـ (بليغ) الذي هلل لها، ثم أسرع إلى التليفون يتصل بـ (شادية) ويبلغها ذلك، ثم توجه مع الشاعر لزيارتها في منزلها.
وراح الشاعر (مرسي جميل عزيز) يقرأ كلام الأغنية لـ (شادية) و(بليغ) يبتسم مرة، ويهلل مرة أخرى، ويصرخ من الأعجاب أحيانا، أما (شادية) فكانت تستعيد الكلمات، مما يدل أنها لم تكن راضية عن الأغنية ومعانيها


شادية لا توافق على (ألف ليلة وليلة)
بعدما انتهى الشاعر (مرسي جميل عزيز) من قراءة كلام الأغنية قال لـ (شادية) : أيه رأيك؟ فقالت : دلوقتي نشرب الشاي، وبعدين نتكلم! وبعد شرب الشاي، بدأت (شادية) تتحدث عن عظمة ألحان (بليغ) في فيلمها (شيئ من الخوف)، ولم تتحدث إطلاقا عن أغنية (ألف ليلة وليلة).
وانصرف (بليغ، ومرسي) من بيت (شادية) دون أن يعرفا رأيها بالأغنية، ولكن (بليغ) وبعد أن ودع (مرسي جميل عزيز)، عاد واتصل بـ (شادية) تليفونيا، وسألها رأيها فقالت له : بصراحة الكلام خفيف، ومش عجبني!.
وبدأت تقرأ له مطلع الأغنية الذي تركها عندها (مرسي جميل عزيز)، وقالت لـ (بليغ) يعني ايه أقف على المسرح وأغني وأقول:
يا حبيبى، الليل وسماه، ونجومه، وقمره، وسهره
وأنت وأنا يا حبيبى أنا، يا حياتى أنا، كلنا فى الحب سوا
و الهوا، آه منه الهوا، سهران الهوا، يسقينا الهنا، ويقول بالهنا
وأضافت (شادية): أن الجمهور صعب أن يتجاوب مع هذا الكلام الخفيف، وطلبت من (بليغ) أن يطلب من (مرسي جميل عزيز) كلاما غيره، وعبثا حاول (بلبل) أن يقنعها بكلمات الأغنية، لكنها لم توافق، وأصرت على رفضها.
وفي النهاية قال لها (بليغ حمدي): يعني أقول لـ (مرسي جميل عزيز) يتصرف في هذا الكلام، ويعطيه لمطرب آخر؟ قالت: أيوه مش عيزاه!

أم كلثوم تعجب بـ (ألف ليلة وليلة)
بعد شهر من كلام (بليغ) مع (شادية) كان يتحدث في أحد الأيام بالتليفون مع كوكب الشرق (أم كلثوم) وسألته : عندك أيه جديد يا بلبل؟ فأسمعها عدة مقاطع من أغنيات عنده، كان من بينهم مطلع أغنية (ألف ليلة وليلة).
فأعجبت به (أم كلثوم)، فقالت له : قول تاني!، فأعتقد أنها تريد أغنية أخرى، فانتقل إلى مطلع أغنية جديدة، ولكن (أم كلثوم) استوقفته، وقالت له: (قول تاني يا حبيبي الليل وسماه)، فقاله، فقالت قول تالت، فقاله، فقالت له: أطلب (مرسي جميل عزيز) وتعالوا نتقابل بكره عندي في (الفيلا) ضروري.
وفي اللقاء أعجبت (أم كلثوم) بكلمات أغنية (ألف ليلة وليلة) وطلبت تعديل بعض الكلمات فقط، خاصة أن لديها حساسية للكلمة، وتتدخل عندما تشعر أن هناك كلمة ليست موظفة في مكانها، فلديها كما يقول بليغ حمدي : (شفافية غريبة ناحية الحرف).
وبعد إعجاب (أم كلثوم) بالكلمات بدأ (بليغ حمدي) التلحين، وأبدع في اللحن، وقدم أسلوب جديد في التلحين وظف من خلاله إيقاعات موسيقية قديمة مثل (المصمودي)، واستخدم آلات جديدة ـ وقتها ـ مثل (السكسفون) و(الأوكورديون).
وجعل (أم كلثوم) تغني لأول مرة موال والذي تقول فيه :
يارب لا عمر كاس الفراق المر يسقينا
ولا يعرف الحزن مطرحنا ولا يجينا
وغير شموع الهنا ما تشوف ليالينا
يا حبيبي.

شادية تغلق التليفون في وجه بليغ
يوم أن غنت (أم كلثوم) الأغنية لأول مرة، كان (بليغ حمدي) في (صومعته) بالزمالك، يستمع إلى الأغنية مع إحدى صديقاته، ويرافق صوت (الست) بأعصاب الملحن الخائف على لحن كبير من ألحانه.
ما كادت كوكب الشرق (أم كلثوم) تنتهي من تأدية الأغنية، حتى فوجئ (بليغ) بعدد من أصدقائه يزورونه في (الصومعة) ليقدموا له التهاني لمناسبة ولادة الأغنية، وكان (بلبل) يستمع إلى تعليق الأصدقاء حول الأغنية كلاما، ولحنا، وأداء، وموسيقى.
وفجأة رن جرس التليفون، فرفع (بليغ) السماعة، وسمع الساهرون الحوار التالي، من طرف بليغ: أهلا وسهلا، أشكرك جدا، طيب ما أنا قلت لك الكلام ده من زمان يا شادية، أنتى اللي قولتي الكلام مش عجبني عشان خفيف.
يا ستي الله يخليكي على الكلام الحلو ده عن لحني، وصدقيني كلام (مرسي جميل عزيز) مش خفيف، بالعكس جديد تماما، وتوتر الكلام بين (شادية) و(بليغ) حتى أنها أغلقت (التليفون) بوجه (بليغ حمدي).
وبعد هذه المكالمة، وفي العدد التالي للمجلة اللبنانية، أكدت أن (شادية) زارت (بليغ حمدي)، واعتذرت له عن عصبيتها، وغلق التليفون بوجه، ولم تتركه إلا بعد أن وعدها بأن يلحن لها لحن جديد.