
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
ذكرنا في المقالة السابقة أن اشعار السيرة الهلالية كنوع من (المسرح الشعبي) لم يتم تعريف ماهيتها ، وفي هذه المقالة نقف على تحديد ماهية أشعار السيرة الهلالية، ونحددها بأنها نصوص أدبية شعرية تمثيلية، ويستنبط هذا التصنيف من تعريف الشعر التمثيلي لأحمد حسن الزيات في كتابة تاريخ الأدب العربي:
حيث عرف الشعر التمثيلي بأنه شعر تمثيلي (Dramatique)، وهو أن يعمدَ الشاعر إلى واقعه فيتصور الأشخاص الذين جرت على أيديهم، ويَنطق كلٌ منهم بما يناسبه من أقوال ويَنسِبُ إليه ما يلائمه من أفعال، ودلالة على ذلك نسوق بعض الامثلة:
مثال رقم (1):
رزق: قال يا نجاح
نجاح: قال لبيك
رزق: قال ايتني بالغلام
نجاح: جاله يا سيدي لم يتم الأسبوع
رزق: جاله لن أحمل الانتظار لغايه الأسبوع، هات لي غلامي أسميه بين العرب
مثال رقم (2):
نجاح: وجال يا شريفة
يا ستي سيدي باعتني عاوز الغلام
يسميه والجمع حاضر
علشان يعرفه الجميع بنظام
والكل حاضر وناظر
الشريفة: فجالت الشريفه
خضره: وما يسمهوش وهو معايا هنا ليه
صغير ما عليه ملامة
ومين اللي جال على الراي ده ليه
من الله نرجو السلامة
جالوا لها النساء
نساء: يا خضره يا نور العين
يا حرة ومن أصل طايل
أصل دي عادة عند العرب وعارفين
بيسموا الولد بين الجبايل
ومن الأمثلة السابقة يتضح أن السيرة فن شعري شعبي، وهذا الفن الشعري ينتمي إلى الشعر التمثيلي، وهذا الشعر له طريقة في العرض والأداء في (المسرح الشعبي)، بمعنى أنه تم إبداعه ليمثل من خلال ممثل فرد.
وبناءً على تلك النتيجة السابقة يضع الباحث تعريفاً إجرائياً خاصاً بفن السيرة المسرحي، وهذا التعريف دال على الصفة الأدبية والأدائية التمثيلية للسيرة الهلالية في (المسرح الشعبي)، والتعريف هو:
السيرة الهلالية: عمل تمثيلي لفعل بطل شعبي، في زمن معين، ولغة شعرية نثرية.
ويتم هذا العمل التمثيلي في صورة عرض من (المسرحي الشعبي) أو (دراما شعبية)، يمثل الصورة التاريخية للبطل أبو زيد الهلالي، وتمثيل هذا العرض يتم عبر ممثل فرد (شاعر السيرة).
وهذا النوع من الدراما الشعبية أو (المسرح الشعبي) يعتمد على النظرية التمثيلية الشعبية النابع من مفهوم التمثيل في اللغة العربية، ويجمع نصه الأدبي التمثيلي بين الشعر والنثر، وأحداث هذا العمل تثير المتعة الجمالية في نفوس المُشاهِدين

الأجزاء الكيفية للسيرة الهلالية
أولا: المديح النبوي
من الأجزاء الخاصة بنص السيرة الهلالية المديح النبوي، إذ لا يخلو عرض من عروض السيرة بدون نصوص خاصة بالمدح في الرسول صل الله عليه وسلم وعلى آله، وهذه النصوص لابد من أي شاعر للسيرة أن يبدأ بها قبل الدخول في تمثيل السيرة الهلالية، ونسوق مثالاً منها:
أنا أول ما أبدي لازم أصلي على النبي
حبيب ومن صلي عليه حبيب
صلي عليك الله يا خير من هدي
من قبر طه يفج مسك وطيب
الأول مدحت ما في الاسامي م ح م د
مدحت ما في الاسامي م ح م د
وجنات خدوده عليها ورغ د
والسن جوهر و أما الريق س ه د
الأول مدحت ما في الاسامي م ح م د
وجنات خدود النبي عليها و رغ د
والسن جوهر أما الريق س ه د
وأما الريق س ه د
أحمد نبينا
أحمد نبينا و بيه القلب كافي سعيد
أحمد بينا و بيه القلب كافي سعيد
من صلي معايا على النبي
طبعا يعيش سعيد
هو أول الخلق
مهما نقول ونعيد
يا رب ازورو يوم العيد
وأطوف يا رجال في عيداي
ثانيا: الحبكة
الحبكة الخاصة بالسيرة الهلالية ليست خاصة فقط ببناء الأحداث وترابطها، ولكن هذا النوع من النصوص له حبكة معينة، إذ تلك الحبكة تعتمد على دمج جميع عناصر العمل الفني بداخلها، بمعنى أنها تصور وتمثل جميع العناصر الذي يشملها عرض السيرة الهلالية.
فإذا كانت الحبكة في المسرحية الكلاسيكية تختص ببناء الأحداث وظهور الشخصيات وتصوير الصراع القائم بين تلك الشخصيات، فإن حبكة السيرة نجد بها ذلك أيضا، ولكن بجانب ذلك فإنها تحوي تصوير وتمثيل بقية العناصر المسرحية من ديكور، وإضاءة، وملابس، ومكان.. إلخ.
إذ هى حبكة معدة لكي يمثلها ممثل فرد والممثل يمثل هذه الأشياء أيضا للمُشاهِد أثناء تمثيله للسيرة، ونضرب مثلا على ذلك:
جربوا على وادي بني عقيل
كانت الدنيا بكيت ليإلى
والحمل على الكتف تجيل
لطيفنا يا مولي الموإلى
فنادت خضره فيها تجول
يا سعيدة هنا دلي بينا
سيرنا بالليل ده غير معقول
رب العرش ينظر علىنا
وفي جبال دلوا رحيلهم
خضره دي عاقلة وفهيمة
مع دول شرد ورحيلهم
بين الجبل نصبولي خيمة
نصبت خيمة بعمدان
من الخيش أو صوف حاضر

الممثل الشاعر في (المسرح الشعبي)
ومن هذا المثل نرى أن الزمن الذي يدور فيه الحدث ليلا، والمكان الصحراء بين الجبال، ونرى تمثيل نصب الخيمة (أي بنائها)، حتى أن الممثل الشاعر في (المسرح الشعبي) اهتم بتفاصيل المادة التي سوف تنصب منها الخيمة وهي قماش من الخيش أو الصوف، وذلك دلالة على أن خضرة امتلكت ثروة بها جميع أصناف الأقمشة، وهذا دلالة على ثراء ما حصلت عليه من رزق بن نايل.
ثالثا: الشخصية
إذا كانت المسرحية في شخصياتها تجعل من الشخصية الممثلة ثلاثة أبعاد كما يوضحها لاجوس اجري، كالتالي،” كيان جسماني (الفسيولوجي) – كيان اجتماعي (السوسيولوجي) – كيان نفسي (سيكولوجي).
فإن شخصيات السيرة – وخاصة أبطالها – لا تتكون من أبعاد ثلاثة فقط، ولكن يوجد بُعدٌ رابع لأبطال السيرة وهو البعد الجمالي للشخصيات، فتلك الشخصيات أثرت في الشعب جماليا فلابد من وجود هذا التأثير داخل النص الأدبي التمثيلي.
ولهذا تتكون الشخصية في النص الأدبي التمثيلي للسيرة من أربعة أبعاد رئيسية وهى:
(كيان جسماني، وكيان اجتماعي، وكيان نفسي، وكيان جمالي).
وهذا البعد الجمالي لشخصيات السيرة في (المسرح الشعبي)، هو أهم ما يميز الشخصية داخل العمل الفني الشعبي، وهو غير متوافر في الأعمال المسرحية غير الشعبية، وهذا الكيان الجمالي ناتج عن التأثيرات الجمالية للشخصيات التاريخية على أفراد الشعب.
فمثلا: إذا ذُكِرَ أبو زيد الهلالي سلامة أو الظاهر بيبرس، نجد له تأثيراً من دلالات الاسم فقط على أفراد الشعب بينما لو ذُكِرَت أي شخصية مسرحية مثل: هاملت مثلا أو ياسين، فإن ذكرها يكون عادياً وليس له تأثير في الحياة العامة للأفراد، وهذا يعود إلى طبيعة الشخصية الجمالية في حياة الشعب.
ولهذا لا تتوافر الأبعاد الأربعة للشخصية التمثيلية إلا من خلال الأعمال الشعبية وخاصة فن السيرة، ولذلك تكون مهمة الشاعر صعبة لإظهار هذا البعد داخل النص و العرض.
رابعا: اللغة
شخصيات السيرة – كما سبق القول – لها بُعدٌ جمالي بالإضافة إلى أبعادها الثلاثة، ولذلك فاللغة هنا تعمل على إظهار الفكر الخاص بتلك الشخصيات، عن طريق الحوار، وهي هنا تعمل على إظهار ذلك البعد الجمالي لتلك الشخصيات بالإضافة إلى الأبعاد الثلاثة الأخرى.