
بقلم المستشار: محمود عطية
قرأتها ضمن قصص كثيره في (كتاب) بسيط وجدتها أنها مرت عليّ لعدة أشخاص عن الذي يختزل الانسان في رصيده البنكي وتاريخه المادي، لا في وعيه ولا في اخلاقياته تتكاثر النماذج المشوهه التي تصعد دون أن تنضج وتملك دون ان تستحق وتعلو دون ان تتطهر من ضعفها القديم، هذا النص لا يروي قصه نجاح بل يكشف فضيحه إنسانيه لشخص ظن أن المال سيغفر له ماضيه ويغطي خواءه ويمنحه قيمه لم يتعب لبنائها، وهذا يصلح لقصة في (الدراما) من طراز رفيع.
كان هذا الانسان موظفا بسيطا جدا في شركة خاصة مجرد رقم في سجل وحضور عابر في ممرات العمل لا يملك رأيا ولا قرارا، ولا شخصية يتوارى خلف الأخرين ويتجنب المواجهة، ويتحرك بخوف دائم من أن ينكشف ضعفه، لم يكن فقره هو مشكلته الحقيقيه بل كان فقره الداخلي وانعدام ثقته بنفسه وعجزه عن إثبات ذاته على غرار ما يحدث في (الدراما) هذه الأيام.
كان يعيش شاعرا بالدونيه في كل مكان يشعر أن الآخرين أفضل منه وأذكى منه، وأقوى حضورا دراميا، وكان هذا الشعور يلاحقه كظل ثقيل في العمل وفي العائلة وفي العلاقات الاجتماعية، وكان بدلا من أن يحوله إلى طاقه بناء جعله طاقه تدمير صامت.
لم يحاول يوما أن يتعلم أو يطور نفسه، أو يواجه ضعفه بشجاعة لم يبحث عن معرفه ولم يسع لاكتساب مهارة ولم يبن مبدأ يعيش به بل اختار الطريق الأسهل – كما يحدث في (الدراما) التلفزيونية – أن يكره وأن يحقد وأن يغار، وأن ينتظر سقوط غيره ليشعر بشيء من التوازن الوهمي.

قصة درامية بامتياز
كان يحمل حقدا خاصا تجاه بعض أقربائه لأنهم كانوا أكثر استقرارا، وأكثر ثقة، وأكثر حضورا كانوا يمضون في حياتهم دون أن يلتفتوا إلى عقدة درامية، وكان يري في نجاحهم فضيحه له وفي تقدمهم اتهاما مباشرا بفشله.
كان يبتسم لهم في وجوههم ويطعنهم في غيابهم يجاملهم بكلمات فارغة، ثم يخرج ليبث السم في سيرتهم لم يكن يعرف الصدق يوما وكان التناقض جزءا اصيلا من شخصيته.
وكانوا بدورهم يشعرون بتفاهته لم يحتقروه بسبب فقره، بل بسبب كذبه وصغره الداخلي وغياب أي جوهر حقيقي فيه، وكان هذا الاحتقار يصل إليه دون كلمات فيتراكم في داخله حقدا وانتظارا .. ألم أقل أنها قصة درامية بامتياز؟!
ثم جاءت اللحظه التي طالما تخيلها فتح الله عليه باب رزق واسع فجاءه المال فجأة، وانتقل من حال إلى حال دون ان يمر بتجربه نضج أو بناء داخلي دخل المال حياته قبل أن يدخل العقل وقبل أن تتشكل القيم بأسلوب السرد في (الدراما) الحالية.
وحين امتلك المال لم يتغير بل ازداد سوءا خرجت عقده النقص في ثوب التعالي، ولبس الجبن قناع القوة، وأعتقد أن المال منحه الحق في أن يرفع صوته ويستصغر غيره ويعيد ترتيب العالم من حوله.
لم يتعامل مع المال كنعمة ولا كمسؤولية، بل كسلاح وكوسيلة تعويض نفسي صار يحرض ولا يواجه ويزرع الفتن ثم يختفي لا يجرؤ علي النظر في العيون ولا علي تحمل نتائج كلماته.
كان يتقن اللعب في الظل ويجيد الطعن من الخلف على طريقة الأكشن، ويتلذذ بتخريب العلاقات لأنه لم يعرف يوما كيف يبني علاقه صحيه لم يعرف الشجاعة لأن الشجاعة ليست ضجيجا ولا مالا بل موقفا.
ومع المال التف حوله اولئك الذين لا يعيشون إلا على الموائد المتغيره بشر بلا جذور ولا أصل ولا وفاء، كانوا يمجدونه حين يعطي وينحنون أمامه طمعا لا احتراما يضخمون تفاهته ويزينون جهله ويقنعونه أنه محور الكون على طريقة الفنتازيا في (الدراما).
وكان يعلم في داخله أنهم كاذبون، لكنه كان يحتاجهم ليملأ فراغه وليخدر إحساسه بالعدم كانوا مرآه زائفة تعكس له ما يحب أن يراه لا ما هو عليه فعلا.
وحين يتوقف عطاؤه أو يغيب عن موائدهم ينسونه دون تردد ويبحثون عن مائده أخرى بكل نذالة، وهو رغم معرفته بذلك كان يعود إليهم لأن الوحدة كانت أشد عليه من النفاق، نحن هنا في درب من دروب (الدراما) الطويلة التي تحظى بالإثارة والتشويق.

الهيبة تسكن في الصدق
شيئا فشيئا تحولت شخصيته إلى فراغ كامل لا جوهر له، ولا مبدأ شخصيته أصبحت حسابا بنكيا وصوره اجتماعيه مصنوعة حديثه سطحي تفكيره محدود ورؤيته ضيقه لكنه كان يعتقد أن المال يكفي، بأسلوب (الدراما) الكوميدية الغارقة في التفاهة الحالية.
كان يخلط بين الخوف والاحترام وبين البطش والقوة وبين المال والهيبة، لم يفهم يوما أن الاحترام يولد من القيم، وأن الهيبة تسكن في الصدق، وأن القوة الحقيقية هى أن تكون ثابتا على مبدأ بمنطق المونودراما.
لم يكن يقبل نقدا لأن النقد كان يهدد البناء الزائف الذي صنعه عن نفسه، كان يرى كل مخالف عدوا وكل ناصح متآمرا وكل صامت خائنا.
كان يتأسد فقط علي من يحترمه ويقدره، وينكمش أمام من يخشاهم يعرف متي يكون قاسيا ومتي يكون وديعا، هذه الازدواجيه لم تكن دهاء بل جبنا متقنا كما حال مسلسل يتسم بالغموض.
كان قاسيا مع الضعفاء متملقا للأقوياء يرفع صوته حيث يامن ويخفضه حيث يخاف، وكان يظن أن ذلك ذكاء بينما هو في الحقيقه عري أخلاقي ولعل جانبا من هذا نلحظه في (الدراما) الحالية.
كان كثير الشكوي كثير التحريض يعيش علي بث الفوضي لأنه لا يعرف السلام الداخلي ولا يطيق الاستقرار.
ورغم الثراء كان بخيلا شحيحا يخاف من فقدان المال أكثر من خوفه من فقدان كرامته، لا يعطي إلا من يخشاهم ولا ينفق إلا إذا ضمن عائدا مباشرا كما كان يفعل (عادل إمام) في شخصية (زكي الدسوقي) في فيلم (عمارة يعقوبيان).
المال عنده لم يكن وسيله للبناء بل درعا يخفي به ضعفه، ولم يعرف الكرم لأن الكرم شجاعه وثقه وهو لم يمتلك أيا منهما.
وهكذا انتهي هذا الإنسان نموذجا صارخا للفشل المغلف بالثراء غني بالمال فقير بالمعني محاط بالناس وحيدا في داخله جاهل أحمق، والغريب أنه يصدق نفسه أحيانا حين يمتدحه الآخرين المستفيدين منه، وبالفعل وجدت هذا النموذج منه عدد كبير صفاتهم متساويه في النقص ونكران الجميل لكل من افادهم والتنصل من كل من دعمهم وهم لم يكونوا شىء مذكورا.
هذا النموذج يفضح وهما شائعا أن المال يصنع القيم بينما الحقيقه ان القيم هي التي تعطي المال معناه، فالإنسان يقاس بما هو لا بما يملك والاحترام لا يشترى والهيبه لا تفرض، ومن لم يبن نفسه بالصدق والعمل والشجاعه سيظل صغيرا مهما تضخم رصيده.
ومن لم يفهم هذه الحقيقه سيظل محتقرا في داخله ولو صفق له الجميع ولو انحنى له العالم كله، ولعل جانبا من هذا يبدو جليا في (الدراما) السيارة.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع